Advertisements
Advertisements
قصص وروايات

المخدة حكايات المجهول حصري

Advertisements

اسمي مروة. اتجوزت وأنا عندي ٢٦ سنة. وقتها كانت عيلة جوزي شافت أيام صعبة كتير. حماتي كانت متوفية بدري، وسابت حمايا، الحج رمضان، يربي أربع عيال لوحده. طول عمره كان فلاح بسيط بيزرع قمح وخضار في قرية صغيرة في الشرقية، وما اشتغلش يوم في وظيفة ليها معاش أو تأمين. لما دخلت العيلة، أغلب عيال الحج رمضان كانوا اتجوزوا وكل واحد انشغل بحياته، ونادرًا حد فيهم كان بيسأل عليه. بقى معتمد علينا أنا وجوزي بشكل كامل.

وكنت دايمًا أسمع كلام الناس:
“يا عيني عليها… دي لسه كنّة وعايشة خدامة عند حماها!”
“مين يستحمل يخدم حماه السنين دي كلها؟” بس أنا كنت بشوف الموضوع بشكل تاني. الراجل ده ضحى بعمره كله عشان يربي عياله. لو إحنا سبناه، مين هيقف جنبه؟ ١٢ سنة من التعب الـ١٢ سنة دول ماكانوش سهلين أبدًا. كنت صغيرة ولسه شايلة مسؤولية بيت وطفل صغير. وجوزي كان بينزل يشتغل في القاهرة بالشهور، وأفضل أنا لوحدي مع ابني والحج رمضان اللي صحته كانت بتضعف يوم بعد يوم.

كنت بطبخ، وأغسل، وأسهر جنبه بالليل أتابع نفسه وهو نايم. وفي مرة، من كتر التعب، قلتله:
“يا حاج… أنا بس مرات ابنك، ساعات بحس الحمل تقيل أوي عليا.” بصلي بابتسامة هادية، ومسكني من إيدي وقال:
“عارف يا بنتي… وعشان كده مقدرش أوصفلك أنا ممتن ليكي قد إيه. لو ماكنتيش موجودة، كنت زماني ضعت.” الكلام ده عمره ما فارق ودني. ومن اليوم ده، وعدت نفسي أهون عليه أي وجع. في الشتا كنت أجيبله جلابيات تقيلة وبطاطين تدفيه. ولو بطنه وجعاه أعمله شوربة سخنة. ولو رجليه توجعه، أقعد أدلكهاله بهدوء.

عمري ما فكرت هاخد إيه في المقابل، ولا كان عندي طمع في أي حاجة يسيبهالنا. كنت بعمل كده عشان بقيت فعلًا شايفاه زي أبويا. اللحظة الأخيرة ومع الوقت، الحج رمضان تعب أكتر. ولما وصل لـ٨٥ سنة، الدكتور في مستشفى الزقازيق قال إن قلبه بقى ضعيف جدًا. قبل وفاته بكام يوم، كان بيناديني أقعد جنبه ويحكيلي عن شبابه، ويوصيني دايمًا إن العيلة تفضل عايشة بكرامة وضمير. لحد ما جه اليوم الأخير. كان نفسه طالع بالعافية، وناداني بصوت ضعيف، ومدلي مخدة قديمة مقطوعة من الجنب وقال:
“دي… لمروة…”

حضنت المخدة وأنا مش فاهمة حاجة. وبعد دقايق، غمّض عينيه ومات. السر اللي جوه المخدة في نفس الليلة، وبعد العزا، كنت قاعدة لوحدي في البلكونة. فتحت المخدة القديمة… واللي لقيته جواها خلاني أعيط من قلبي… إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح المخدة القديمة. القطن كان متكتل وريحته فيها ريحة الزمن… لكن وسط القطن، حسيت بحاجة ناشفة ملفوفة في كيس بلاستيك قديم. طلعته ببطء… ولقيت جواه رزمة فلوس قديمة، ومعاها ورقة مطبقة أكتر من مرة. قلبي دق بسرعة.

فتحت الورقة، وكانت مكتوبة بخط الحج رمضان المرتعش: “لمروة…
يمكن ماعرفتش أقولك كل اللي جوايا وأنا عايش.
بس إنتِ أكتر حد عمل معايا خير في آخر عمري.
كل ولادي انشغلوا بحياتهم، إلا إنتِ… عمرك ما سبتي إيدي.
الفلوس دي كنت بخبي منها جنيه فوق جنيه من يوم ما بعت آخر حتة أرض.
مش كتير… بس دول تعب عمري، وعايزهم ليكي إنتِ.
مش عشان خدمتي، لأن خدمتك ما تتقدرش بفلوس…
لكن عشان لما الدنيا تضيق بيكي، تلاقي حاجة تسندك.
سامحيني لو تعبتِ بسببي يوم.”

وقتها انفجرت في العياط. حضنت الورقة لصدرى، وحسيت إن قلبي بيتقطع. طول السنين دي، كنت فاكرة إن الراجل العيان اللي نايم على السرير مش معاه حتى حق علاجه… لكنه كان بيستخبى ويوفر من أكله ودوائه عشان يسيبلي حاجة! فضلت أبكي لحد الفجر. لكن الصدمة الحقيقية ماكنتش الفلوس… الصدمة كانت تاني يوم بعد الدفنة. إخوات جوزي جم البيت كلهم لأول مرة من سنين. وشهم كان كله توتر، وكل واحد بيسأل نفس السؤال:
“أبونا ساب إيه؟” واحدة من أخواته بصتلي وقالت بحدة:
“أكيد كان مخبي فلوس… بابا عمره ما كان بيصرف كل اللي معاه.”

سكت. ماقدرتش أتكلم. لكن أخو جوزي الكبير دخل أوضة الحج رمضان وفضل يقلب فيها بعنف، لحد ما لقى المخدة المفتوحة. بصلي فجأة وقال:
“إنتِ خدتي اللي كان فيها؟” البيت كله سكت. وجوزي بصلي باستغراب، لأنه حتى هو ماكنش يعرف حاجة. وقتها حسيت إن قلبي بيتعصر… لأن أول مرة بعد ١٢ سنة خدمة وتعب، حسيت إنهم شايفيني حرا-مية مش إنسانة وقفت جنب أبوهم لآخر نفس. طلعت الورقة من جيبي، واديتهالهم بهدوء. أخو جوزي قرأها بصوت عالي…

ومع كل كلمة، وشوشهم كانت بتتغير. لحد ما وصل للسطر الأخير:
“اللي يعمل الأصل، يستاهل الخير.” ساعتها… أخته الصغيرة قعدت تعيط. وأخوهم الكبير نزل عينه في الأرض لأول مرة. أما جوزي… فبصلي بنظرة عمري ما هنساها، وقال قدامهم كلهم:
“أبويا ما اختارش غلط.” بعد ما جوزي قال الجملة دي، البيت كله سكت كأن الكلام نزل على الكل زي الصدمة. أخو جوزي الكبير قعد على الكنبة وحط إيده على وشه. واضح إن تأنيب الضمير بدأ ياكله. أما أخته الصغيرة، ففضلت تبصلي وهي بتعيط وتقول:
“إحنا ظلمناكي يا مروة…”

لكن أكتر حاجة وجعتني وقتها إن الاعتذار جه بعد ما الحج رمضان مات. بعد ما استنى سنين يشوف ولاده حواليه وماحدش كان فاضي. عدّت أيام العزا تقيلة. البيت بقى فاضي بشكل غريب. لأول مرة من ١٢ سنة، ماعدتش بصحى على صوت حد بيناديني:
“يا بنتي…” حتى سريره كنت أبصله وأعيط. وفي ليلة، وأنا برتب هدومه القديمة عشان أطلعها صدقة، لقيت صندوق خشب صغير تحت السرير. كان مقفول بمفتاح صغير متعلق بخيط في الدولاب. فتحته… ولقيت جواه صور قديمة جدًا للحج رمضان وحماتي، وصور لعياله وهم صغيرين، وكشكول قديم متغلف بقماش.

فتحت الكشكول، واكتشفت إنه كان بيكتب يومياته. قعدت أقرأ وأنا قلبي بيرتعش. كان كاتب تفاصيل سنين كاملة… عن تعب الأرض، وعن خوفه على عياله بعد موت مراته، وعن الوحدة اللي عاشها لما كل واحد انشغل بحياته. لكن أكتر صفحة خلتني أنهار كانت مكتوبة قبل وفاته بشهور: “مروة مش كنّة… مروة بنتي اللي ربنا بعتهالي في آخر العمر.
كل مرة كانت تديني الدوا بإيديها، كنت بدعي ربنا يعوضها عن كل دمعة نزلت منها بسببي.
أنا عارف إن الناس بتقول إنها بتستحملني عشان خاطر جوزها…
بس أنا شايف بعيني إنها عندها رحمة حقيقية.”

ماقدرتش أكمل. حضنت الكشكول وبكيت بحرقة. وفي الجمعة اللي بعدها، إخوات جوزي كلهم جم البيت تاني. لكن المرة دي كانوا مختلفين. جابوا أكل، وقعدوا معانا، وبدأوا يتكلموا عن أبوهم لأول مرة من سنين بدون خناق أو مصالح. وفجأة، أخو جوزي الكبير طلع ورقة وقال:
“إحنا قررنا نبيع نص الأرض اللي فاضلة… وناخد جزء نعمل بيه صدقة جارية باسم أبويا وأمنا.” وبعدين بصلي وقال:
“وفي جزء تاني… لمروة.” اتصدمت وقلت بسرعة:
“لا طبعًا، أنا مش عايزة حاجة.”

لكنه رد بهدوء:
“إنتِ خدتي بالك من أبويا أكتر مننا كلنا. ولو في حد يستحق الخير ده… فهو إنتِ.” في اللحظة دي، حسيت إن روح الحج رمضان لسه موجودة بينا… وكأنه أخيرًا جمع ولاده حوالين مائدة واحدة بعد سنين من البعد. وبعد شهور، استخدمنا جزء من الفلوس وفتحنا مشروع صغير في البلد. محل أدوات زراعية باسم:
“أولاد رمضان.” وكان أول شيء علقناه على الحيطة جوه المحل… صورة الحج رمضان وهو بيضحك. تحتها جملة واحدة: “الطيبة عمرها ما بتضيع.”

المحل بدأ صغير… رفوف بسيطة، وبضاعة على قد الحال، ومروحة سقف صوتها أعلى من الزباين. لكن الغريب إن البركة كانت فيه بشكل مش طبيعي. الفلاحين في البلد حبّوا التعامل معانا، لأنهم كانوا عارفين الحج رمضان وسمعته الطيبة. وكل واحد يدخل المحل كان يقف قدام صورته شوية ويقول:
“الله يرحمك يا حج… عمرك ما أذيت حد.” وجوزي بقى يرجع من القاهرة أسرع، ويفضل معانا أيام أكتر. لأول مرة من سنين، حسيت إن بيتنا بقى فيه راحة.

لكن بعد حوالي سنة… حصلت حاجة قلبت كل شيء. في ليلة شتوية، وإحنا بنقفل المحل، وقف قدامنا راجل كبير في السن، هدومه بسيطة وعصاية في إيده. بص طويل لصورة الحج رمضان المعلقة، وبعدين قال:
“هو ده بيت الحج رمضان؟” جوزي رد:
“أيوه… حضرتك تعرفه؟” الراجل ابتسم بحزن وقال:
“ده كان أعز صاحب ليا.” دخلناه وقعدناه، وعملتله شاي. فضل ساكت شوية، وبعدين مد إيده في جيبه وطلع ظرف قديم جدًا. وقال:
“أبوكوا أمانة عندي من ١٥ سنة… وكان دايمًا يقولي: (لو جرالي حاجة قبل ما آخدها، سلّمها لمروة بنفسك).”

أنا اتجمدت. فتحت الظرف ببطء… ولقيت عقد أرض باسمي. باسمي أنا. بصيت للراجل وأنا مش فاهمة:
“إيه ده؟” قال بهدوء:
“الحج رمضان باع دهب مراتُه الله يرحمها من سنين، واشترى الحتة دي. وكل ما أقوله يكتبها باسم حد من ولاده، كان يقول:
(اللي وقفت معايا آخر العمر، هي أولى بأي خير).” ماقدرتش أتكلم. جوزي نفسه كان مصدوم، لكن المرة دي… ابتسم. وقال قدام الكل:
“أبويا كان شايف اللي إحنا ماكنّاش شايفينه.” لكن مش كل الناس فرحت.

لأن بعد يومين، خبر الأرض انتشر في العيلة كلها… وبدأت المشاكل من جديد. واحدة من أخوات جوزي دخلت البيت وهي متعصبة:
“يعني إيه الأرض باسم مروة؟! وإحنا مالناش حق؟” وأخوهم الكبير حاول يهديها:
“أبويا عمل كده بإرادته.” لكنها صرخت:
“أكيد ضغطتوا عليه وهو تعبان!” الكلمة دي جرحتني أكتر من أي حاجة. بعد كل السنين دي… لسه في حد شايف إن الحنية تمثيل والمصلحة هي السبب؟ قمت بهدوء، دخلت أوضتي، وطلعت كشكول الحج رمضان. فتحته على صفحة معينة، وروحت حطاها قدامهم.

وكان مكتوب فيها بخطه: “الخير اللي اتعمل معايا من مروة، لو اتوزن بفلوس الدنيا كلها… الدنيا هتطلع مديونة ليها.” ساعتها… أخته سكتت. وبدأت تعيط بصوت واطي. أما أنا، فخرجت برا البيت أبص للسما… وحسيت لأول مرة إن الحج رمضان، حتى بعد موته، لسه بيحميني. بعد اللي حصل، العيلة كلها اتغيرت. مش فجأة… لكن واحدة واحدة. أخت جوزي اللي كانت معترضة بقت أول واحدة تزورني كل أسبوع. كانت تيجي تساعدني في البيت وتسأل على ابني، وكأنها بتحاول تعوض سنين كاملة من البعد.

أما أخو جوزي الكبير، فبقى كل ما يقف في المحل يقول للناس:
“الخير اللي إحنا فيه ده سببه دعوة أبونا ووقفة مروة جنبه.” ولأول مرة من يوم ما دخلت العيلة، حسيت إني مش “الكنّة”… حسيت إني فرد حقيقي منهم. الأرض اللي الحج رمضان كتبها باسمي ما بعتناهاش. زرعناها قمح وخضار، وكل موسم خير كان يطلع منها، كنت أطلع جزء كبير صدقة على روحه. وفي يوم، ابني الصغير — اللي كبر وبقى شاب — سألني:
“ماما… إنتِ ليه استحملتي كل ده مع جدو؟”

ابتسمت وأنا ببص لصورة الحج رمضان المعلقة في الصالة وقلت:
“عشان الإنسان لما يزرع رحمة… لازم في يوم يحصد حب.” بعدها بفترة قصيرة، عملنا يوم كبير للعيلة كلها على الأرض. فرشنا أكل تحت الشجر، والأحفاد كانوا بيلعبوا ويجروا حوالينا، والضحك مالي المكان. وفي وسط اللمة، جوزي وقف وقال:
“قبل ما ناكل… عايز أقول حاجة.” الكل سكت. بصلي قدام الجميع، وقال:
“أبويا ساب لينا أرض وفلوس… لكن أكبر حاجة سابهالنا كانت درس.
علّمنا إن اللي يخدم بني آدم بإخلاص، ربنا عمره ما بيضيّع تعبه.”

وبعدين مسك إيدي قدام الكل لأول مرة بالشكل ده، وكمل:
“ومروة… هي السبب إن بيتنا فضل واقف لحد النهارده.” في اللحظة دي، بصيت حواليا… للأرض… وللعيلة اللي كانت متفرقة وبقت متجمعة… ولصورة الحج رمضان اللي متعلقة على الشجرة وبتتحرك مع الهوا. وحسيت بدفا غريب جوا قلبي. كأن روحه كانت وسطنا فعلًا… مطمّنة أخيرًا إن تعبه… وطيبته… ما راحوش هدر. تمت المجهول

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!