التوام الضائع بقلم مجهول حصري لحكايات اسما السيد _ ممنوعه من النسخ

“ماما… هو كان في بطنك معايا”، قالها سيف وهو بيشاور على ولد صغير واقف في جنينة الطفل في نادي الجزيرة.
أنا اسمي نرمين، وابني سيف عنده خمس سنين. ولادتي كانت صعبة جدًا. الدكاترة قالولي وقتها إني كنت حامل في توأم، لكن واحد من البيبيهات مات وقت الولادة. عمري ما حكيت لسيف عن أخوه. حسيت إن طفل صغير ما يستحملش حِمل زي ده. عشان كده كرّست حياتي كلها لسيف… حبيته أكتر من نفسي. وكان عندنا عادة ثابتة كل يوم جمعة: ننزل نتمشى في كورنيش النيل أو نقعد شوية في الجنينة. وفي يوم، وإحنا ماشيين، سيف فجأة وقف وبص لطفل صغير بيلعب على المرجيحة مع أمه.
وقال بصوت واثق بشكل خوّفني:
“ماما… ده كان في بطنك معايا.” حسيت نفسي مش قادرة آخد نفسي. الولد كان لابس هدوم قديمة ومتبهدلة شوية… لكن اللي جمّد الدم في عروقي مش شكله ولا حالته. كان وشه. نفس خصلات الشعر البني…
نفس رسمة الحواجب…
نفس المناخير…
حتى نفس العادة اللي عند سيف لما يعض شفايفه وهو مركز. وفي دقنه…
علامة صغيرة نفس علامة سيف بالظبط. حسيت الأرض بتميد بيا. الدكاترة أكدوا زمان إن الطفل التاني مات.
يبقى إزاي ده شبهه بالشكل ده؟
“هو ده”، قال سيف بإصرار. “الولد اللي بييجيلي في الحلم.” “سيف، ما تقولش كلام غريب”، حاولت أتماسك. “يلا نمشي.” “لا يا ماما… أنا عارفه.” وساب إيدي وجري عليه. كنت عايزة أصرخ فيه يرجع، لكن صوتي اختفى. الولد بص لسيف أول ما قرب منه.
الاتنين فضلوا باصين لبعض كام ثانية من غير كلام. وبعدين الولد مد إيده. سيف مسكها. وفجأة… الاتنين ابتسموا بنفس الطريقة بالظبط. نفس الابتسامة.
نفس الميلان البسيط في طرف بقهم. جريت بسرعة ناحية الست اللي واقفة جنب الولد، وقلتلها بتوتر:
“لو سمحتِ… أكيد فيه سوء تفاهم. الولدين شبه بعض بشكل غريب…” لكن كلامي وقف فجأة. لأني عرفتها. عرفت الست أول ما رفعت وشها وبصتلي. وفي اللحظة اللي سمعت فيها ردها… رجلي تقريبًا ما شالتنيش. حكايات المجهول الست بصّتلي بصدمة، وبعدها همست باسمي: “نرمين؟” قلبي وقع. “إنتِ… داليا؟!” داليا كانت ممرضة في المستشفى اللي ولدت فيه من خمس سنين. فاكراها كويس… لأنها كانت أكتر واحدة طيبة معايا وقتها.
كانت بتهديني وأنا بصرخ من الوجع، وكانت الوحيدة اللي فضلت جنبي بعد ما الدكتور قال إن واحد من التوأم مات.
بصّت للولد بسرعة، وبعدها لسيف، ووشها بدأ يشحب. “إحنا لازم نتكلم”، قالت بصوت مهزوز. حسيت الدنيا بتلف بيا.
“تقوليلي إيه؟!” سيف والولد كانوا واقفين ماسكين إيدين بعض كأنهم أصحاب من سنين. داليا أخدت نفس طويل وقالت:
“اسمه آدم.” حتى الاسم خبط في قلبي. “مين أبوه؟” سألتها بسرعة. سكتت ثواني… وبعدين قالت:
“جوزك السابق… كريم.” الدم جمد في عروقي. “إنتِ بتقولي إيه؟!” أنا وكريم اتطلقنا بعد ولادة سيف بسنة.
كان وقتها إنسان محطم بعد فقدان الطفل التاني، وبعدها علاقتنا كلها انهارت.
لكن مستحيل…
مستحيل يكون عنده ابن تاني مني وأنا معرفش. داليا دموعها نزلت وهي بتقول:
“الطفل ما ماتش يا نرمين.” حسيت إن صوت الناس حواليا اختفى. “إيه؟” “ابنك التاني كان عايش.” رجليا فعلاً ما بقتش شايلاني، فقعدت على أول كرسي قابلني. “لأ… لأ إنتِ بتكدبي… الدكتور بنفسه قال…” “الدكتور خد الطفل وباعه.” بصيتلها بذهول. قالتها وهي بتعيط:
“كانت شبكة كبيرة… أطفال بيتباعوا لعائلات غنية. لكن آدم تعب جدًا بعد الولادة، والعيلة اللي اشترته رفضته لما عرفوا إنه محتاج عمليات.”
بصيت ناحية آدم…
الولد اللي طول عمره المفروض يكون ابني. “وبعدين؟” “أنا خدتُه.” رفعت عيني لها ببطء. “مكنتش قادرة أسيبه يترمي. ربيته كأنه ابني… وحاولت سنين أوصلّك، لكن الدكتور هددني. قال لو اتكلمت هيدمر حياتي.” دموعي نزلت من غير ما أحس. وفي اللحظة دي…
سيف وآدم قربوا مننا. سيف بصلي وقال بابتسامة بريئة:
“مش قولتلك يا ماما… هو كان معايا.” فضلت أبص للطفلين ودموعي بتنزل في صمت. سيف كان واقف جنب آدم كأنه عمره ما كان لوحده.
وآدم… كان باصصلي بنظرة غريبة، مزيج بين الفضول والأمان، كأنه حاسس بحاجة من غير ما يفهمها.
مد إيده الصغيرة ناحيتي وقال بخجل:
“حضرتك بتعيطي ليه؟” قلبي اتقطع. قربت منه ببطء، وركعت قدامه.
إيدي كانت بتترعش وأنا بلمس وشه. نفس الملامح…
نفس الدفا. همست بصوت مكسور:
“عشان… كنت فاكراك ضعت مني.” داليا بدأت تعيط هي كمان.
وقالت بسرعة:
“أنا عارفة إنك ممكن تكرهيني… بس والله عمري ما أذيته. كنت بحبه كأنه ابني.” بصيتلها وسط دموعي.
الست دي… مهما أخطأت أو خافت… هي اللي حمت ابني طول السنين دي. لو مكانتش خدته، كان زمانه في دار أيتام… أو أسوأ.
وفجأة سمعت صوت ورايا: “نرمين؟” اتجمدت مكاني. لفّيت ببطء… ولقيت كريم. كان واقف بعيد شوية، واضح إنه جه ياخد سيف بعد ما اتفقنا يقضي معاه الويك إند. لكن أول ما عينه وقعت على آدم…
وشه اتسحب منه اللون. “ده…” بص لسيف، وبعدين لآدم، وبعدها لداليا. “مستحيل.” قرب بخطوات مترددة، وعينه مليانة ر-عب. “الولد ده… شبه سيف بطريقة…” قاطعته وأنا ببص في عينه:
“عشان ده ابنك.” كريم بصلي كأني ضربته.
“إنتِ بتقولي إيه؟” داليا بدأت تحكيله الحقيقة.
كل حاجة.
الدكتور.
بيع الأطفال.
وإزاي آدم عاش. وكل كلمة كانت بتكسر كريم أكتر. لحد ما فجأة قعد على ركبته قدام آدم وبدأ يعيط. أول مرة أشوف كريم بيعيط بالشكل ده. بص للولد وقال بصوت مخنوق:
“أنا آسف… والله لو كنت أعرف…” آدم بصله باستغراب، وبعدين سأل داليا بهمس:
“هو الراجل ده زعلان ليه؟” داليا ما قدرتش ترد. لكن سيف سبق الكل، ومسك إيد آدم وقاله بابتسامة:
“عشان لقينا بعض.” عدّى أسبوع كامل بعد اليوم ده… وأنا حاسة إني عايشة حلم مش حقيقة.
البيت اللي كان هادي طول عمره، بقى مليان صوت طفلين. ضحكتين.
خناقتين على الألعاب.
ووشين شبه بعض لدرجة كانت أوقات تخوفني. سيف كان متعلق بآدم بشكل غريب، كأنهم فعلًا قضوا عمرهم سوا.
يناموا جنب بعض، ياكلوا من نفس الطبق، وحتى يكملوا كلام بعض أوقات. أما أنا…
فكنت كل ما أبص لآدم، أحس بوجع سنين بيرجعلي. سنين كنت فاكرة فيها إن جزء مني مات. كريم ما بقاش يفارقنا تقريبًا.
وكان بيحاول يعوض كل لحظة ضاعت. لكن وسط كل الفرح ده…
كان فيه حاجة تقيلة فوق قلبي.
الدكتور. الراجل اللي سرق ابني. وفي ليلة، وأنا قاعدة مع داليا في المطبخ بعد ما الولاد ناموا، سألتها: “اسمه إيه؟” سكتت شوية، وبعدين قالت:
“الدكتور شريف المنياوي.” الاسم نزل عليّا زي النار. كان دكتور مشهور جدًا.
عنده مستشفى كبيرة في التجمع، والناس كانت بتعتبره ملاك. لكن الحقيقة كانت أبشع من أي كابوس. “لازم يتحاسب”، قلت وأنا ضاغطة على إيدي. داليا هزت راسها بخوف.
“إنتِ متعرفيش الناس دي خطيرة قد إيه.” لكن كريم دخل في اللحظة دي وقال بحزم:
“خلاص. كفاية خوف.”
بصلنا وإيده متكتفة:
“مش هسيب الراجل ده بعد اللي عمله.” وبالفعل… تاني يوم رحنا قسم الشرطة. في الأول محدش صدقنا.
القصة كانت صادمة زيادة عن اللزوم. لكن داليا كان معاها حاجة قلبت الدنيا كلها. فلاشة قديمة. عليها تسجيلات…
أسماء أطفال…
وعقود تحويل فلوس. وأهم حاجة… فيديو من كاميرا قديمة جوه حضانة المستشفى. الفيديو كان واضح. الدكتور شريف شايل طفل رضيع…
وبيسلمه لراجل تاني. والطفل… كان لابس نفس الإسورة اللي كان اسم “Baby B” مكتوب عليها وقت ولادتي.
وقتها القضية انفجرت. القنوات بدأت تتكلم.
وطلع إن فيه أسر تانية حصل معاها نفس الكابوس. وفي يوم القبض عليه…
كنت واقفة برا المحكمة، ماسكة إيد سيف وآدم. الدكتور وهو بيتاخد وسط الحراسة، وقف لحظة وبصلي. لكن قبل ما يقول أي كلمة… آدم استخبى ورا ضهري بخوف. وساعتها بس…
عرفت إن ابني، رغم كل اللي مر بيه، لسه طفل صغير محتاج أمان. فنزلت لمستواه، حضنته أنا وسيف مع بعض، وقلتله: “خلاص يا حبيبي… محدش هيبعدكم عن بعض تاني.”
حكايات المجهول
