
كنت فاكرة إن عشا مفاجأة ممكن ينقذ جوازي… لحد ما لقيت واحدة من طالباته واقفة في مطبخنا.
أنا وجوزي كريم بقالنا فترة طويلة مبقيناش حاسين إننا متجوزين أصلًا. الأول اختفت خروجاتنا سوا، بعدين حضن قبل النوم، وآخر كام شهر بقينا حتى بننام في أوض منفصلة. إحنا الاتنين شغالين في نفس المدرسة الثانوية في طنطا، وكل الناس لسه فاكرانا “الثنائي المثالي”. محدش كان يعرف إننا تقريبًا مبقيناش بنتكلم. في عيد ميلادي، قالي إنه هيتأخر في المدرسة تاني. تالت سنة على التوالي… ضحكت كأني عادي ومش فارق معايا. وبعدها دخلت الحمام وعيطت أكتر من أي مرة عيطت فيها من سنين.
كنت هطلب أوبر وأخرج أقابل صحابي، بس فجأة فكرت… يمكن المشكلة فيا أنا. يمكن هو فعلًا مضغوط وتعبان. فقررت المرة دي أعمل حاجة مختلفة. عديت على كارفور، وجبت كل حاجة لعشا هادي لشخصين. كل اللي كنت عايزاه ليلة نحس فيها إننا قريبين من بعض تاني. بس أول ما وصلت البيت، لقيت النور مفتوح. وسمعت ضحك خافت جاي من المطبخ. كريم… ماكانش لوحده. وفي اللحظة دي شفتها… قطعة قماش أخضر غامق مرمية على رخامة المطبخ. ألوان المدرسة بتاعتنا.
وقلبي وقع في رجلي… لأني عرفت الزي ده فورًا ⬇️ اتجمدت مكاني وأنا ببص على الاسكارف الأخضر الغامق اللي كان مرمي على الرخامة. ده كان جزء من يونيفورم طالبات الصف الثالث الثانوي. وكنت عارفة بالظبط صاحبته. سارة. البنت اللي كل المدرسين بيتكلموا عنها. شاطرة، هادية، وبتموت في مادة التاريخ… المادة اللي جوزي كريم بيدرسها. قربت من باب المطبخ ببطء، وقلبي بيدق بعنف. وسمعته بيضحك. الضحكة اللي بقاله شهور ما ضحكهاش معايا. ولما دخلت… الاتنين سكتوا مرة واحدة.
سارة كانت قاعدة على الكرسي اللي كريم بيقعد عليه كل يوم الصبح يشرب قهوته. ولابسة تيشيرت واسع… تيشيرت جوزي. أما كريم، فكان واقف جنب البوتاجاز، وفي إيده طبق مكرونة. أول ما شافني، وشه قلب. — “منى… إنتِ رجعتي بدري.” ضحكت ضحكة قصيرة مكسورة وأنا شايلة أكياس الأكل بإيدي المرتعشة. — “واضح إني عطلتكم.” سارة قامت بسرعة، وشها كله ارتباك. — “أبلة منى… والله الموضوع مش زي ما حضرتك فاهمة.” لكن بصراحة؟ ماكانش محتاج تفسير. مراتي مش بتلبس هدوم راجل متجوز في مطبخه الساعة عشرة بالليل من غير سبب.
حطيت الأكياس على الأرض بهدوء، رغم إن جسمي كله كان بيترعش. وبصيت لكريم. — “من إمتى؟” سكت. وده كان أسوأ من أي اعتراف. حسيت بحاجة جوايا بتتكسر نهائي. كل مرة سامحته فيها عشان انشغاله.
كل عيد ميلاد قضيته لوحدي.
كل ليلة نمت فيها وأنا مستنياه حتى يكلمني. طلعت في الآخر عشان دي. لكن اللي صدمني بجد… مش الخيانة. اللي صدمني إن سارة فجأة بدأت تعيط. عيط هستيري. وقالت جملة خلت الدم يبرد في عروقي: — “حضرتك لازم تعرفي الحقيقة… قبل ما الأستاذ كريم يقولك أي حاجة.”
بصيت لها وأنا حاسة إن الدنيا بتميل بيا.
كريم اتحرك بسرعة وقال بعصبية:
— “سارة، اقفلي الموضوع ده حالًا.” لكن البنت كانت مرعوبة فعلًا. دموعها كانت بتنزل بطريقة خلتني أحس إن في حاجة أكبر بكتير من اللي في دماغي. قالت وهي بتشهق:
— “أنا ماكنتش عايزة أجي هنا أصلًا… الأستاذ كريم هو اللي أصر.” لفيت بصري ناحية كريم، ولأول مرة من سنين شفت الخوف الحقيقي في عينه. — “يعني إيه؟” سارة بلعت ريقها وقالت:
— “أنا كنت هسيب المدرسة… بسبب والدي.” قعدت على أقرب كرسي لأن رجلي ما بقتش شايلاني.
البنت كملت بصوت مكسور:
— “بابا كان عايز يجوزني لراجل أكبر مني عنده معرض عربيات في المحلة… وأنا رفضت. ضربني وطردني من البيت النهارده.” بصيت لكريم باستغراب. سارة مسحت دموعها وقالت:
— “أنا كلمت الأستاذ كريم لأني ماعنديش حد غيره أثق فيه… وهو قال إني أفضل هنا شوية لحد ما يجيبلي مكان آمن.” سكتت ثواني، وبعدين قالت الجملة اللي كسرتني من جوايا: — “والتيشيرت ده… لأنه جابلي هدوم بعد ما هدومي اتقط-عت.” المطبخ كله بقى ساكت.
وأنا… ماعرفتش أبص لكريم. لأن جزء مني كان مرتاح إن مافيش خيانة. لكن الجزء التاني كان بيتسحق من الإحراج… ومن الذنب. أنا كنت جاهزة أتهمه وأسحق كل حاجة بينا، من غير حتى ما أسأله. كريم قرب مني بهدوء وقال:
— “كنت هقولك… بس إحنا بقينا غرب عن بعض يا منى. بقيت حاسس إن أي كلمة هتتحول لخناقة.” الكلام وجعني… لأنه كان حقيقي. سارة بصتلنا بتوتر وقالت:
— “أنا آسفة… واضح إني سببت مشكلة.” وقبل ما حد يرد، سمعنا خبط عنيف على باب الشقة.
خبط خلا سارة تصرخ من الرعب فورًا. وشها فقد لونه وهي همست: — “ده بابا…”
كريم اتحرك بسرعة ناحية الباب، لكن سارة مسكت دراعه وهي بترتعش.
— “لو سمحت… متفتحش.” الخبط زاد بعنف، وصوت راجل عالي دوّى في العمارة كلها: — “افتح يا كريم! أنا عارف إنها عندك!” قلبي بدأ يدق بسرعة. الجيران أكيد ابتدوا يطلعوا من شققهم. كريم بصلي نظرة سريعة، كأنه بيطلب مني أثق فيه ولو لمرة أخيرة. وبعدين فتح الباب. كان راجل ضخم، وشه أحمر من العصبية، وريحة السجاير طالعة منه. أول ما شاف سارة مستخبية ورانا، حاول يدخل بالعافية. — “تعالي هنا يا قليلة الأدب!” لكن كريم وقف قدامه فورًا.
— “محدش هيلمِسها.” الراجل زعق:
— “دي بنتي وأنا حر فيها!” ولأول مرة، سمعته كريم يتكلم بالنبرة الحادة دي:
— “الضرب والجواز بالإجبار مش تربية.” الراجل بصله باحتقار:
— “وأنت مالك؟! مدرس فاضي داخل ينقذ البنات؟!” كنت واقفة ساكتة، لكن لما شفت سارة بترتعش وبتستخبى ورايا زي طفلة صغيرة، حسيت بحاجة جوايا اتغيرت. قربت منها وحضنتها. وبصيت لأبوها بثبات:
— “البنت مش هترجع معاك الليلة.” وشه قلب فورًا:
— “وإنتِ مالِك يا هانم؟!” رديت وأنا ببص في عينه مباشرة:
— “مالي إني ست زيها… وعارفة الخوف اللي في عنيها.”
فضل يزعق شوية، ويهدد إنه هيجيب الشرطة، لكن كريم كان ثابت مكانه. وفي الآخر، بعد ما الجيران ابتدوا يتجمعوا قدام الشقة، الراجل بص لبنته بغضب وقال:
— “من النهارده… إنتِ ماعدتيش بنتي.” ومشي. سارة انهارت في العياط فور ما الباب اتقفل. قعدت على الأرض وهي بتنهار بالكامل. أنا وكريم بصينا لبعض في صمت طويل. صمت مليان تعب، وسنين من البعد، وكلام كتير ما اتقالش. وبعدين… كريم قرب مني بهدوء. وقال بصوت مكسور:
— “أنا آسف إني بعدت عنك.”
حسيت دموعي بتنزل أخيرًا. مش بسبب سارة.
ولا بسبب الليلة دي. لكن لأننا لأول مرة من سنين… كنا بنتكلم بصدق. ولأول مرة، حسيت إن البيت ده لسه ممكن يبقى فيه أمل. الليلة دي ماحدش فينا نام. سارة كانت نايمة على الكنبة بعد ما العياط غلبها، وأنا وكريم قاعدين في البلكونة الصغيرة، وبينّا أكواب شاي بردت من زمان. الهواء كان ساكت… بس التوتر اللي بينا كان أعلى من أي صوت. فضلنا دقائق طويلة من غير كلام، لحد ما كريم قال فجأة:
— “فاكرة آخر مرة قعدنا مع بعض كده؟” ابتسمت بمرارة.
— “تقريبًا قبل كورونا.” ضحك ضحكة خفيفة، أول ضحكة حقيقية بينا من سنين. وبعدين سكت تاني. كنت مستنية أعذار. تبريرات. أي كلام محفوظ. لكن بدل ده، قال:
— “أنا تعبت يا منى.” بصيتله. كمل وهو باصص للأرض:
— “كل يوم كنت بحس إني بفشل… في الشغل، وفي الجواز، وفي نفسي. ومع الوقت بقيت بهرب. أقول عندي حصص زيادة، دروس، أي حاجة… بس الحقيقة إني ماكنتش عارف أواجهك.”
سألته بهدوء:
— “وتفتكر أنا ماكنتش تعبانة؟” رفع عينه ليا، ولأول مرة شفت الندم الحقيقي فيها. — “عارف.” سكت شوية، وبعدين قال:
— “بس أنا كنت أناني.” الدموع لمعت في عيني رغمًا عني. لأن جزء مني كان مستني يسمع الجملة دي من سنين. في اللحظة دي، خرج صوت خافت من جوه الشقة. سارة كانت بتتكلم وهي نايمة. بتعيط في نومها. قمت بسرعة دخلتلها، ولقيتها بتترعش. كانت بتهمس:
— “ماتجوزونيش… بالله عليكم…” قلبي اتقبض. غطيتها كويس، ولقيت كريم واقف ورايا ساكت.
همس:
— “البنت دي محتاجة حد يقف جنبها.” بصيتله.
— “وإحنا؟” سؤال صغير… لكنه كان تقيل. إحنا كمان كنا محتاجين حد ينقذنا. كريم قرب خطوة، وقال بهدوء:
— “ممكن نبدأ من جديد؟ حتى لو بصعوبة؟” كنت عايزة أجاوب بسرعة.
أقوله إني لسه بحبه.
أقوله إني كنت بموت بالبطيء وهو بعيد. لكن قبل ما أنطق… رن تليفون سارة. وكان اسم المتصل ظاهر على الشاشة: “ماما” لكن الغريب… إن سارة أول ما شافت الاسم، وشها اترعب أكتر من الأول.
بصيت لسارة وهي مصدومة، وإيديها بتترعش وهي ماسكة الموبايل.
قلت بهدوء:
— “ردي يمكن أمك عايزة تطمن عليكي.” لكنها هزت راسها بسرعة، ووشها شاحب. — “ماما عمرها ما بتتصل بيا… إلا لو بابا جنبها.” رن التليفون مرة تانية. كريم أخده وفتح السماعة على السبيكر بهدوء. وفي اللحظة اللي سمعنا فيها الصوت… فهمنا كل حاجة. كانت أمها بتعيط. — “سارة… اهربي. أبوكي عرف مكانك وهيطلعلك دلوقتي ومعاه ناس.” سارة شهقت وغطت بوقها بإيديها. وأمها كملت بسرعة وهي مرعوبة:
— “أنا آسفة إني ماقدرتش أحميكي… بس ماترجعيش البيت.”
وفجأة الخط اتقفل. الشقة كلها اتجمدت. بصيت لكريم، وهو كان بالفعل بيلم مفاتيحه. — “لازم نمشي حالًا.” في أقل من عشر دقايق، كنا نازلين من العمارة. الشارع كان هادي بشكل مخيف. ركبنا العربية، وسارة قاعدة ورا منهارة من العياط، وأنا جنب كريم. ولأول مرة من سنين… حسيت إننا فريق واحد. أخدناها عند خالتي في إسكندرية، ست كبيرة وطيبة، واشتغلت زمان أخصائية اجتماعية. أول ما شافت حالة سارة، حضنتها كأنها بنتها. والأيام اللي بعد كده… غيرت كل حاجة.
سارة بدأت تستعيد نفسها بالتدريج. وقدرنا نساعدها تقدم بلاغ رسمي وتحصل على حماية قانونية. أما أنا وكريم… فبقينا نتكلم تاني. مش عن الفواتير أو الشغل.
عننا إحنا. عن الخوف اللي دفناه سنين.
وعن الحب اللي كنا سايبينه يموت بالبطيء. الأمر ماكانش سهل.
كان فيه وجع، وعتاب، ودموع كتير. بس لأول مرة، بقينا بنحارب عشان بعض… مش ضد بعض. وبعد ست شهور، في يوم هادي على البحر في إسكندرية، كنت قاعدة أنا وكريم وسارة بناكل آيس كريم ونضحك.
وفجأة سارة بصت لنا وقالت بابتسامة صغيرة: — “أنتوا أنقذتوني.” بصيت لكريم، ومسكت إيده بهدوء. وابتسمت وأنا برد عليها: — “لا يا حبيبتي… إنتِ اللي أنقذتنا.”
