
رجعت البيت الساعة 10 بالليل بعد شيفت مرهق استمر 14 ساعة… كنت متوقع أقضي ليلة هادية، لكن اللي شوفته خلاني أكتشف إني ماكنتش ببني أسرة… أنا كنت بصرف على ناس بتستغل مراتي. اسمي أحمد، وعندي 34 سنة، وبشتغل مدير مخازن في شركة شحن كبيرة في القاهرة. أول ما دخلت الشقة، لاحظت الريسبشن متبهدل بشكل مستفز… أكياس أكل دليفري مرمية في كل مكان، أكواب آيس كوفي، شنط شوبينج من مولات غالية، وموبايلات وأجهزة جديدة — كلها متدفعلها من تعبي وشقايا.
أختي الصغيرة مريم وآية قاعدين على الكنبة بيتفرجوا على فيديوهات وبيطلبوا حاجات أونلاين، وأمي قاعدة مرتاحة على الكرسي بتاعها بتشرب عصير مانجا وكأن الدنيا مفيهاش أي مشكلة. ولا حد فيهم كان باين عليه تعب.
ولا حد كان بيعمل أي حاجة. فسألت بشكل تلقائي:
“فين سارة؟” مريم ردت وهي حتى مرفعتش عينها من الموبايل:
“غالبًا بتنضف المطبخ.” الطريقة اللي قالتها بيها خلت قلبي يقبض فورًا. دخلت المطبخ…
ولقيتها هناك. مراتي.
حافية.
في آخر الشهر الثامن.
واقفة قدام الحوض وسط جبل من المواعين، وسندة على بطنها بإيد علشان تعرف توقف.
وشها كان شاحب.
مرهقة بشكل يخوف.
كأنها بالعافية واقفة على رجلها. وبعدين لاحظت الدموع…
كانت بتنزل بهدوء من عينيها للحوض وهي بتغسل. لما سألتها مالِك، حاولت تبتسم وقالت:
“أنا كويسة.” لكن إيديها كانت بتترعش.
وركبها مش شايلها.
ولما خدت الإسفنجة من إيدها، حسيت قد إيه إيديها ساقعة من كتر ما هي واقفة في المية بالساعات. ساعتها الحقيقة بدأت تظهر. لشهور…
وأنا بشتغل أوفر تايم عشان أوفر حياة كويسة لكل اللي في البيت…
مراتي الحامل كانت اتحولت لخدامة عندهم.
هي اللي تطبخ.
هي اللي تنظف.
هي اللي تغسل هدومهم.
وهي اللي تلم ورا أربع بني آدمين أصحاء جدًا. كل ده لأن أمي كانت مقنعاها إن “الكنة الشاطرة لازم تخدم الكل علشان تتقبل في العيلة.” وبعدين سارة قالت حاجة جمدت الدم في عروقي… كانت مخبية عني إنها بقالها أسابيع بتحس بوجع شديد، ودوخة، وتورم في رجليها، وإرهاق رهيب… بس كانت ساكتة علشان خايفة عيلتي تكرهها أكتر. طلعت موبايلي فورًا وكلمت الدكتور بتاعها. أول ما سمع الأعراض، صوته اتغير تمامًا:
“لازم راحة تامة فورًا… الضغط والتعب بالشكل ده خطر عليها وعلى البيبي.”
طلعتها أوضتنا بنفسي، وساعدتها تنام، ووعدتها بحاجة كان المفروض أعملها من زمان: “من النهارده… أنا هحميكي.” وبعدين نزلت تاني. لقيت عيلتي لسه قاعدين بيضحكوا قدام التلفزيون كأن مفيش أي حاجة حصلت. روحت وفصلت الفيشة من الحيطة. البيت كله سكت فجأة. ولما عرفت إنهم رموا دوا مراتي اللي الدكتور كاتبهولها، بس لأنهم شايفين إنها “بتدلع”… بصيت لكل واحد فيهم وقلت بهدوء مخيف: “العيشة المريحة اللي عايشينها على حساب مراتي… انتهت الليلة.” أمي قامت من مكانها بعصبية وقالت:
“إيه الأسلوب ده يا أحمد؟ إنت هتعلي صوتك علينا عشان مراتك؟”
بصيتلها وأنا لأول مرة أحس إني شايف الحقيقة كاملة قدامي. الحقيقة اللي كنت بهرب منها سنين. إن كل مرة سارة كانت تشتكي فيها، كنت بقول إنها “أكيد مبالغة”.
وكل مرة كانت تتعب، كنت أصدق تبريرات أمي.
وكل مرة كانت تبان مرهقة، كنت أقول لنفسي إنها فترة وهتعدي. لكن وأنا واقف قدامهم الليلة دي…
افتكرت حاجة كسرتني من جوا. قبل أسبوعين…
رجعت البيت الفجر بعد شغل طويل، ولقيت سارة نايمة على الكنبة من التعب.
كانت مستنية أكلي علشان تسخنهولي.
وأمي يومها قالتلي:
“مراتك كسولة جدًا اليومين دول.”
وأنا…
صدقتها. غمضت عيني للحظة من شدة الغض-ب من نفسي. بعدها بصيت لأختي آية وسألتها:
“مين اللي كان بيخلي سارة تنظف أوضكم كل يوم؟” آية اتوترت وقالت:
“يعني… هي أصلًا قاعدة في البيت…” قاطعتها بعصبية:
“قاعدة في البيت وهي حامل في الشهر الثامن!” أختي مريم حاولت تضحك وهي تقول:
“يا أحمد إنت مكبر الموضوع أوي…” لكنها سكتت فورًا لما خبطت بإيدي على الترابيزة. “مكبر الموضوع؟! مراتي ممكن يحصلها حاجة بسببكم!” أمي قامت وقربت مني وقالت بنبرة كلها استحقاق:
“إحنا أهلك يا أحمد… والست لازم تخدم بيت جوزها.”
رديت عليها وأنا بحاول أتحكم في أعصابي:
“دي مش خدامة… دي مراتي. وأم ابني.” البيت كله سكت. أول مرة حد يرد على أمي بالشكل ده. وبعدين قلت الجملة اللي غيرت كل حاجة:
“من بكرة… كل واحد هيتحمل مصاريف نفسه.” وشوشهم اتقلبت فورًا. مريم قالت بصدمة:
“يعني إيه؟!” “يعني النت هيتفصل عن أوضكم.
الكريدت كارد اللي بتصرفوا بيها هتتقفل.
والطلبات اليومية والرفاهية خلصت.” أمي شهقت وقالت:
“إنت بتهددنا؟!” “لا… أنا بوقف الاستغلال.” وفجأة…
سمعنا صوت حاجة وقعت فوق.
قلبي وقف. جريت على السلم بأقصى سرعة. ولقيت سارة واقعة جنب السرير…
ومسكة بطنها وبتعيط من الوجع. صرخت باسمها، وركعت جنبها وأنا حاسس إن روحي بتتسحب مني. قالت بصوت متقطع:
“أحمد… البيبي…” في اللحظة دي، كل حاجة حواليّ اختفت.
ماعدش سامع صريخ أمي.
ولا حركة أخواتي.
ولا أي صوت. شلتها بين إيديا وجريت بيها على العربية وأنا حرفيًا بترعش من الخوف. وطول الطريق على مستشفى في مستشفى السلام الدولي، كنت بدعي لأول مرة من قلبي:
“يارب خد أي حاجة مني… بس خليهم بخير.”
وصلت المستشفى وأنا شايل سارة بين إيديا، والدنيا كلها حواليا كانت مشوشة. الدكاترة خدّوها بسرعة على الطوارئ، والممرضة وقفتني عند الباب وهي بتقول:
“استنى هنا يا فندم.” لكن إزاي أستنى؟
إزاي أقف ساكت وأنا سامع صريخ مراتي من جوه؟ كنت ماشي رايح جاي قدام الأوضة، وإيدي كلها بتترعش.
كل ثانية كانت كأنها ساعة. وبعدين الدكتور خرج. وشه كان جدي بشكل خوّفني. قالي:
“مراتك كان عندها إرهاق شديد وضغط عالي جدًا… لو كنتوا اتأخرتوا شوية، الوضع كان ممكن يبقى أخطر.”
رجلي حرفيًا ضعفت. سألته بسرعة:
“هي والبيبي كويسين؟” الدكتور أخد نفس طويل وقال:
“لحد دلوقتي مستقرين… لكن لازم راحة تامة وممنوع أي ضغط نفسي أو بدني.” حسيت إني أخيرًا قدرت أتنفس. دخلت أوضة سارة بعدها بدقايق.
كانت نايمة على السرير، وشها شاحب جدًا، لكن أول ما شافتني ابتسمت ابتسامة صغيرة متعبة. مسكت إيدها وبوستها وأنا حاسس بكمية ذنب عمرها ما هتسيبني. قلت لها:
“أنا آسف… آسف إني اتأخرت.” دموعها نزلت بهدوء وقالت:
“أنا كنت خايفة تخسر أهلك بسببي.”
هزيت راسي فورًا:
“ولو في حد هخسره… فمستحيل يكون إنتِ.” وفي اللحظة دي، خدت قرار نهائي. طلعت موبايلي.
واتصلت بصاحب شقة مفروشة كان عارضها للإيجار في مدينة نصر. وخلال أقل من ساعة…
كنت مخلص كل الاتفاق. تاني يوم الصبح رجعت البيت لوحدي. أمي كانت قاعدة مكشرة، وأخواتي ساكتين بشكل غريب.
واضح إنهم كانوا مستنيين إني أهدى وأعتذر زي كل مرة. لكن المرة دي كانت مختلفة. دخلت أوضتي وطلعت شنطتين كبار.
بدأت أجمع هدوم سارة وحاجتها بهدوء.
أمي دخلت ورايا وقالت بعصبية:
“إنت بتعمل إيه؟” رديت من غير ما أبصلها:
“ماشيين.” اتصدمت.
“يعني إيه ماشيين؟! هتسيب بيت أمك علشان واحدة ست؟!” وقفت وبصيتلها لأول مرة من غير خوف… ولا تأنيب ضمير. “أنا بسيب بيت ظلمت فيه مراتي.” أمي حاولت تلعب دور الضحية وبدأت تعيط:
“بعد كل اللي عملناه عشانك؟!” ضحكت ضحكة قصيرة كلها قهر:
“عملتوا إيه؟ استنزفتوا فلوسي… وكسرتوا الست الوحيدة اللي كانت بتحبكم بجد.” أختي مريم قالت بتوتر:
“إحنا مكنّاش نقصد…”
قاطعتها:
“رميتوا دواها.” السكوت اللي حصل بعدها كان تقيل جدًا. شلت آخر شنطة، وقبل ما أخرج قلت جملة خلتهم كلهم يبصوا في الأرض: “من النهارده… أي تعب شافته سارة بسببكم، هتفضلوا فاكرينه طول عمركم.” ومشيت. ولأول مرة من سنين…
وأنا خارج من البيت…
حسيت إني مش شايل حمل فوق كتافي. حسيت إني رايح أبدأ عيلة حقيقية. بعد أسبوعين… حياة سارة بدأت ترجع بالتدريج. الشقة الصغيرة اللي أخدناها في مدينة نصر ماكنتش فخمة، ولا فيها عفش كتير… لكنها كانت هادية.
مفيش صريخ.
مفيش أوامر.
مفيش حد بيحسسها إنها حمل على البيت. حكايات المجهول لأول مرة من شهور، كنت بشوفها نايمة مرتاحة. كنت أنا اللي بعمل الأكل.
أنا اللي بغسل المواعين.
وأحيانًا كنت بحرق الطبخة فنقعد نضحك سوا لحد ما دموعنا تنزل. ورغم كل التعب…
عمري ما حسيت براحة زي دي. لكن في ليلة…
وأنا برجع من الشغل، لقيت سارة قاعدة في البلكونة وساكتة. وشها كان متغير. قلبي اتقبض فورًا. قعدت جنبها وسألتها:
“مالك؟” سكتت شوية… وبعدين مدتلي تليفونها.
كانت رسالة من أمي. “أبوك تعب جدًا… ونفسه يشوفك.” افتكرت أبويا فورًا. الراجل الوحيد في البيت اللي عمره ما أذى سارة.
كان دايمًا هادي… لكنه ضعيف قدام أمي. سارة بصتلي وقالت بهدوء:
“روح شوفه.” كنت متردد.
جزء مني كان لسه مليان غضب.
لكن جزء تاني… كان خايف يندم. وفي الآخر، روحت. أول ما دخلت البيت القديم، حسيت قد إيه المكان بقى غريب. مفيش ضحك.
مفيش طلبات دليفري.
مفيش شاشات شغالة بصوت عالي. كأن البيت فقد روحه.
لقيت أبويا قاعد لوحده في الأوضة، شكله كان مرهق جدًا. أول ما شافني، عينيه دمعت. وقال بصوت مكسور:
“سامحني يا ابني.” الكلمة وقعت عليّ تقيلة. قعدت جنبه وسألته:
“إنت مالك؟” تنهد وقال:
“من يوم ما مشيت… البيت اتقلب.” عرفت بعدها إن الكروت اتقفلت فعلًا.
وأخواتي اضطروا يدوروا على شغل.
وأمي بقت تعمل كل حاجة بنفسها لأول مرة من سنين. لكن اللي صدمني فعلًا…
إن أبويا قال إن سارة كانت أكتر شخص بيهتم بيه في البيت.
هي اللي كانت بتحضرله دواه.
وتعمله أكله الصحي.
وتقعد تسمع كلامه لما الكل يتجاهله. ولما مشيت…
اكتشفوا قيمتها بعد ما خسروها. وأنا قاعد معاه، سمعت صوت أمي برا الأوضة. كانت مترددة تدخل. لأول مرة في حياتي…
أمي كانت خايفة مني. دخلت ببطء، وعينيها كلها دموع. وقالت بصوت ضعيف عمري ما سمعته منها:
“أنا… كنت فاكرة إني بربيها تبقى ست بيت.” بصيتلها ببرود:
“لا… إنتِ كنتِ بتكسريها.” سكتت. وبعدين قالت حاجة ماكنتش متوقع أسمعها أبدًا:
“أنا عايزة أعتذر لها.”
رجعت البيت وأنا مش عارف أحس بإيه. ولما حكيت لسارة، فضلت ساكتة شوية. ثم قالت بهدوء:
“الاعتذار الحقيقي مش كلام… الاعتذار الحقيقي تغيير.” وفي اللحظة دي…
حسيت بفخر عمري ما حسيت بيه قبل كده. لأن الست اللي الكل حاول يضعفها…
طلعت أقوى واحده فينا كلنا. تحياتي لكم المجهول
