سر العيلة الكاملة الجزء التاني بقلم مجهول حصري لحكايات اسما السيد _ ممنوعه من النسخ

وقفت أنفاسي.
ثم سمعنا خبطتين خفاف على الباب. وبصوت متقطع ومليان وجع: “سارة… افتحي.” كريم. فتحت الباب بسرعة. وأول ما شفته، شهقت. كان واقع على الحيطة، وإيده ضاغطة على جنبه… والدم مغرق القميص. “يا نهار أبيض!” جريت عليه، لكنّه مسك دراعي بسرعة وقال: “اسمعيني… مفيش وقت.” بصيت للصالة، ولقيت راجلين مرميين على الأرض، واحد منهم فاقد الوعي، والتاني بيتأوه. “إنت ضربتهم؟!” قال بصعوبة: “الشرطة جاية… حسام بعت قوة أول ما كلمته.” وفجأة فعلًا، سمعنا صوت سرينات الشرطة تحت العمارة.
لكن كريم ما ارتاحش. بالعكس… خوفه زاد. شدني ناحيته وقال بصوت مكسور: “في واحد هرب.” اتجمدت. “إيه؟” “كان فيه تالت… ونزل قبل ما الشرطة توصل.” الدم اتسحب من وشي. وفي اللحظة دي، مريم خرجت من ورايا. بمجرد ما شافت كريم بالدم، عينيها دمعت فورًا. “بابا…” كريم بص لها، وكل ملامحه انهارت. فتح دراعه بالعافية، ومريم جريت عليه من غير تردد. حضنها وهو بيبكي لأول مرة قدامي. بكاء راجل متكسر بالكامل. كان بيشم شعرها ويحضنها كأنه خايف تختفي.
وقال بصوت مخنوق: “كبرتي أوي…” مريم لمست وشه الصغير بإيديها وقالت ببراءة: “أنا قلت لماما إنك عايش… بس هي ما صدقتنيش.” ضحك وسط دموعه. وأنا… كنت واقفة أبصلهم وحاسة إن قلبي بيتقطع ويتصلح في نفس اللحظة. لكن فجأة… رن موبايل كريم اللي كان واقع على الأرض. كلنا اتخضينا. بص للشاشة… ووشه فقد لونه فورًا. قلت بخوف: “مين؟” رد بصوت شبه هامس: “الزعيم.” الموبايل فضل يرن. مرة… واتنين… ثم وصلت رسالة. كريم فتحها، ولما قراها، إيده بدأت ترتعش.
خدت الموبايل من إيده بسرعة. وكان مكتوب في الرسالة: “إنت فكرت إن اللعبة خلصت؟
إحنا بالفعل أقرب لبنتك مما تتخيل.”
حسيت روحي خرجت مني.
حضنت مريم فورًا، وبصيت لكريم اللي كان وشه شاحب بشكل مر-عب. قلت بصوت مرتعش: “يعني إيه أقرب لبنتك؟!” قبل ما يرد، سمعنا خبط سريع على باب الشقة، وصوت الرائد حسام: “سارة! افتحي، الشرطة!” كريم اتنفس أخيرًا كأنه رجع للحياة شوية. فتحت الباب بسرعة، ودخل حسام ومعاه ظباط مسلحين. أول ما شاف كريم واقف والدم مغرق هدومه، قال: “لازم نمشي حالًا.” وريته الرسالة. ملامحه اتشدت فورًا، وخد الموبايل من إيدي. “هما بيراقبوا البيت من زمان.” قلت بخضة:
“يعني ممكن يكونوا لسه هنا؟!” رد بجدية: “ممكن يكونوا في أي مكان.” الشرطة أخدت الراجلين اللي في الصالة، والإسعاف وصلت لكريم، لكنّه رفض يروح المستشفى غير لما يطمن علينا. بعد نص ساعة، كنا راكبين عربية شرطة مدنية ماشية بين شوارع القاهرة الفاضية تقريبًا. مريم كانت نايمة في حضني من التعب، بينما أنا قاعدة جنب كريم لأول مرة من سنين… ومش عارفة ألمسه ولا أبعد عنه. حسام كان سايق، ووشه مكشر طول الطريق. وفجأة قال: “في مشكلة.”
قلبي وقع. “إيه؟” بص في المراية وقال: “في عربية سودا ماشية ورانا من أول ما خرجنا.” كريم لف بسرعة يبص من الإزاز الخلفي. العربية كانت بعيدة شوية… لكن ثابتة ورانا. نفس العربية السودة. اللي مريم قالت إن بابا بييجي بيها. حسام ضغط على البنزين فورًا. العربية اللي ورانا سرعت هي كمان. بدأت المطاردة. شوارع مدينة نصر كانت شبه فاضية، والعربيات بتعدي بسرعة مرعبة. مريم صحيت مفزوعة من الحركة والعياط بدأ يرجع لها. وأنا حاضناها ومش عارفة أعمل إيه.
حسام مسك اللاسلكي: “اطلبوا دعم حالًا!” لكن فجأة… العربية السودة خبطت عربيتنا من الجنب بعنف. صرخت. العربية اتزحلقت، وحسام حاول يسيطر عليها بالعافية. كريم شدني أنا ومريم ناحيته يحاول يحمينا بجسمه. وفي اللحظة دي… العربية السودة عدّت جنبنا. ولثانية واحدة، السواق بص ناحيتنا. وشه كان واضح تحت نور الشارع. وكريم شهق فجأة، كأنه شاف كابوس. همس باسم واحد خلاني أتجمد: “مروان…؟” بصيتله بعدم فهم. قال وعينيه مليانة صدمة: “مروان مات من ٤ سنين…”
العربية السودة اختفت قدامنا بسرعة، لكن الصدمة فضلت معلقة جوه العربية.
بصيت لكريم وأنا مش فاهمة: “مين مروان؟” كريم كان باصص قدامه، وشه متجمد. قال بصوت واطي: “مروان كان صاحبي… وأكتر واحد بثق فيه.” حسام شتم تحت سنانه وقال: “وده اللي دخلكم في المصيبة دي كلها.” لفيت لحسام بسرعة: “يعني إيه؟!” أخد نفس طويل وقال: “مروان كان شريك في الشبكة اللي كريم اكتشفها… لكننا افتكرناه مات في تصفية قديمة قبل سنين.” كريم غمض عينيه بألم. “أنا بنفسي حضرت دفنته.” قشعريرة عدّت في جسمي. العربية كملت جري لحد ما دخلنا جراج مبنى قديم تابع للشرطة في وسط البلد.
نزلونا بسرعة، وخدونا لأوضة آمنة تحت الأرض. مريم كانت مرعوبة وتعبانة، فنامت على الكنبة وهي ماسكة إيد كريم بقوة كأنها خايفة يختفي تاني. أما أنا… فكنت قاعدة قصاده، وفي ألف سؤال بيقطعني. بصيتله وقلت: “عايزة الحقيقة كلها… حالًا.” سكت شوية، وبعدها قال: قبل سنين، كريم ومروان كانوا شغالين سوا في شركة الاستيراد. وفي يوم اكتشفوا بالصدفة عمليات غسيل الأموال. لكن الفرق إن كريم خاف… أما مروان، فقرر يشتغل معاهم مقابل فلوس ضخمة. ولما كريم هدد إنه يبلغ الشرطة، مروان هو اللي سلّمه للعصابة.
قال كريم وهو منزل عينه: “كانوا هيقتلوني… لولا حسام.” حسام كمل: “وقتها دبّرنا خطة موته المزيف.” قلت بسرعة: “بس مروان كان المفروض مات!” حسام هز راسه بغضب: “واضح إنه زي كريم تمامًا… اختفى وغير هويته.” وفجأة، باب الأوضة اتفتح بعنف. ظابط دخل بسرعة ووشه متوتر: “يا فندم… في اختراق للسيستم.” حسام وقف فورًا: “إزاي؟!” الظابط رد بخوف: “حد عرف مكان البيت الآمن.” الدم اتجمد في عروقي. وقبل ما حد ينطق… نور المبنى كله قطع دفعة واحدة.
الضلمة بلعت المكان كله. ثانية واحدة بس… لكنها كانت كفاية تخلي الرعب يدخل جوا كل واحد فينا. مريم صحيت مفزوعة وبدأت تعيط، فحضنتها بسرعة. في نفس اللحظة، حسام طلع مسدسه وصرخ: “محدش يتحرك!” سمعنا صوت إنذار خافت في آخر الممر… وبعده صوت خطوات سريعة. مش خطوات شرطة. خطوات ناس جاية تقتل. كريم قرب مني فورًا، وحط نفسه قدامي أنا ومريم. همس: “لو حصل أي حاجة… خديها واهربي.” مسكت قميصه بعنف: “مش هسيبك تاني.” قبل ما يرد، نور الطوارئ الأحمر اشتغل.
الممر كله اتلون بالأحمر الدموي. وفي آخره… ظهر راجل واقف. طويل.
لابس أسود.
وإيده في جيبه. مروان. كان واقف بهدوء غريب، كأنه داخل زيارة عادية مش مطاردة. ابتسم ابتسامة باردة وقال: “وحشتني يا كريم.” حسام رفع سلاحه فورًا: “ارفع إيدك!” لكن مروان ضحك. “لو كنت عايز أقتلكم… كنت عملتها من بدري.” كريم كان بيبصله بكره عمري ما شفته في عينين حد. قال من بين سنانه: “أنت السبب في كل ده.” مروان هز كتفه بلا مبالاة: “وأنت السبب إني ضيعت سنين من عمري هربان.”
بعدين… عينيه اتحولت ناحيتي أنا. ابتسامته اختفت. وقال: “مراتك وبنتك ملهمش ذنب.” كريم شدني وراه فورًا. “إوعى تبصلهم.” مروان تنهد وقال بهدوء مرعب: “أنا جيت أحذركم… مش أقتلكم.” كلنا سكتنا. حتى حسام اتردد ثانية. ثم قال: “الزعيم الحقيقي وصل مصر.” قلبي وقع. مروان كمل: “وهو مش هيسيب أي شاهد عايش… لا كريم، ولا أنا، ولا أي حد يعرفه.” حسام قرب خطوة: “مين هو؟” مروان بص له… وببطء قال اسم خلى حسام نفسه يتجمد: “اللواء سامح الدمنهوري.”
الأوضة كلها سكتت. أما حسام… فوشه اتحول للون الأبيض. همست بعدم فهم: “مين ده؟” لكن كريم عرف فورًا. لأن اللواء سامح…
كان الضابط الكبير اللي حضر عزاء كريم بنفسه بعد “موته”. حسام رجع خطوة لورا كأن الاسم ضربه في صدره. أما كريم، فكان باصص لمروان بعدم تصديق. قال بصوت مبحوح: “إنت متأكد؟” مروان ضحك بسخرية مريرة: “أنا اشتغلت معاه سنين… عمرك ما كنت هتعرف إنه الرأس الكبيرة.” حسام نزل سلاحه ببطء، وده كان أسوأ شيء شوفته.
لأن معناه إن الخطر أكبر بكتير مما تخيلنا. قلت بخوف: “يعني… حتى الشرطة مش أمان؟” حسام بصلي مباشرة وقال: “أي حد ممكن يكون تابع ليه.” في اللحظة دي، اللاسلكي اللي في جيب أحد الظباط اشتغل فجأة. صوت جه منه: “اللواء سامح وصل المبنى.” كلنا اتجمدنا. مروان شتم بصوت واطي: “إحنا اتأخرنا.” وبدون تفكير، حسام جرى ناحية باب جانبي في آخر الأوضة. “في مخرج طوارئ تحت المبنى… اتحركوا!” شال ملفات من درج معدني بسرعة، ورماها لكريم.
“دي كل الأدلة اللي كانت مستخبية.” كريم مسكها، وأنا حضنت مريم اللي كانت بترتعش ومش فاهمة حاجة. بدأنا نجري في ممر ضيق تحت الأرض. صوت خطوات فوقينا.
صوت أوامر.
وصوت رجالة بتفتش. المكان كان ضلمة وريحتُه تراب ورطوبة. وفجأة، وإحنا بنجري، مريم وقفت مرة واحدة. شدّتها وقلت: “يلا يا حبيبتي!” لكنها كانت باصة قدامها بخوف. اتبعت نظرتها… ولقيت راجل واقف في آخر الممر. لابس بدلة الشرطة. وماسك مسدس بكاتم صوت. اللواء سامح. كان هادي بشكل مرعب. بص على كريم وقال:
“تعبتني أوي.” حسام رفع سلاحه فورًا، لكن سامح ابتسم. “لو ضربتني… رجالتي فوق هيقتلوا أي حد باقي.” مروان قرب خطوة وقال بغضب: “كل ده عشان فلوس؟!” سامح بصله بازدراء: “الفلوس؟
يا ابني… السلطة أهم من الفلوس.” ثم بص لكريم مباشرة: “أنت كان المفروض تموت من زمان.” كريم وقف قدامي أنا ومريم، رغم إنه لسه بينزف. وقال بثبات: “مش قبل ما كل الناس تعرف حقيقتك.” سامح رفع المسدس ببطء. وفي اللحظة دي… مريم سابت إيدي، وخطت خطوة لقدام وهي بتعيط:
“سيب بابا!” الكل اتجمد. حتى اللواء سامح نفسه بص لمريم لحظة، وكأنّه ماكانش متوقع طفلة صغيرة تقف قدامه بالشكل ده. مريم كانت بتعيط، لكن وقفت قدام كريم وفتحت دراعاتها الصغيرة كأنها بتحميه. صرخت بصوت مكسور: “إنتوا وحشين! سيبوا بابا!” قلبي كان هيقف من الخوف. جريت عشان أشدها، لكن سامح رفع إيده فجأة. “استني.” حكايات المجهول
