حماتي بقلم مجهول حصري لحكايات اسما السيد _ ممنوعه من النسخ

**جوزي كان بيجبرني أجري كل يوم عشان أخس بعد الولادة… لكن اللي عملته حماتي خلاه يركع في نص الشارع.** ولدت ابني من ستة أسابيع. الولادة ما كانتش سهلة أبدًا. بعد أكتر من تلاتة وعشرين ساعة طلق، اضطروا يعملولي عملية قيصرية طارئة. الدكتورة قالتلي بوضوح وأنا لسه في المستشفى: “ممنوع أي مجهود بدني شديد لمدة تمن أسابيع على الأقل.” جوزي **أحمد** كان واقف جنبي، وهز راسه كأنه مقتنع بكل كلمة. لكن أول ما رجعنا بيتنا في **مدينة نصر**، اتغير كلامه تمامًا.
قال وهو بيبصلي من فوق لتحت: “الدكتورة بتبالغ. إنتِ زدتي في الوزن جامد، وكل ما تخسي أسرع، هترجعي شكلك الطبيعي أسرع. أكيد مش عايزة مرات صحابي يقعدوا يتكلموا على جسمك.” في الأول ضحكت. افتكرته بيهزر. لكن لما بصيت في عينه… عرفت إنه بيتكلم بجد. تاني يوم، صحاني الساعة خمسة ونص الفجر. قال وهو بيرميلي هدومي الرياضية: “يلا… البسي. هننزل نجري.” اداني ابني أرضعه، وأول ما خلصت أخده مني، وصحّى بنتنا الكبيرة **سارة**، اللي عندها 15 سنة، وقالها تقعد مع أخوها لحد ما نرجع.
وبصلي وقال ببرود: “يلا اتحركي.” كنت كل خطوة باخدها بحس إن جرح العملية بيتشد. كأن بطني هتتفتح من تاني. لكن الوجع ما كانش أصعب حاجة. أصعب حاجة كانت إن أحمد كان ماشي ورايا بالعربية الـ**بي إم دبليو** بتاعته على مهله. كل ما أبطّأ… يضرب كلاكس. ولو وقفت دقيقة… ينزل الإزاز ويزعق: “إيه؟ تعبتي من دلوقتي؟ كملي.” وده بقى روتين يومي. كل… يوم… من غير استثناء. كل ما أترجاه يسيبني أرتاح، يطلع موبايله ويقارن صور بطني كل يوم باللي قبله.
ويقول بابتسامة مستفزة: “شايفة؟ بطنك بدأت تصغر. يعني اللي بعمله صح.” بعد فترة… ابتديت أسأل نفسي. هو ده طبيعي؟ ولا أنا اللي بقيت مش شايفة الحقيقة؟ لحد يوم الجمعة اللي فات. اليوم اللي غير كل حاجة. وأنا بجري في شارع هادي في **مصر الجديدة**، لقيت عربية فضي مركونة قدام. ما كنتش أعرفها. أحمد كمل يسوق ورايا عادي، ولما بطأت شوية… ضرب كلاكس كعادته. وفجأة… باب العربية اتفتح. ست نزلت منها. عدت من جنبي من غير ما تبصلي حتى.
ومشت بخطوات ثابتة لحد عربية أحمد. وقف قدام الشباك. أحمد نزل الإزاز وهو متنهد. أول ما شافها… وشه اصفر فجأة. وقال بصوت واطي: “… ماما؟” لكن أمه ما ردتش. ولا قالت ولا كلمة. كل اللي عملته إنها رفعت موبايلها قدام وشه، وخَلّت الشاشة ناحيته. فضل باصص فيها حوالي تلات ثواني. وبعدين… نزل من العربية. وركع على ركبته قدامها في نص الشارع. وقال بصوت كله خوف: “يا ماما… أرجوكي… متعمليش كده.” فضل أحمد راكع في نص الشارع، والعرق نازل من جبينه رغم إن الجو كان لسه بدري.
أنا وقفت مكاني، مش فاهمة إيه اللي بيحصل. حماتي، **الحاجة فاطمة**، كانت واقفة قدامه بكل هدوء، وموبايلها لسه مرفوع. قربت منهم بخطوات بطيئة، وسمعته بيقول: “والنبي يا ماما… اديني فرصة أشرح.” ردت عليه لأول مرة، بصوت هادي لكنه حازم: “تشرح إيه؟ الفيديو واضح، والرسائل أوضح.” بصيت لها باستغراب. فلفت شاشة الموبايل ناحيتي. كان فيديو… أحمد مصوره بنفسه من جوه العربية. أنا بجري وأنا باين عليا التعب، وكل شوية يضرب كلاكس ويزعق فيا. وكان باعت الفيديو في جروب العيلة، وكتب تحته:
“خطة إنقاص الوزن بدأت… شهر وهترجع زي الأول.” لكن اللي ما كانش يعرفه إن أمه كانت في الجروب، وشافت كل حاجة. وشافت كمان الرسائل اللي كان بيبعتها لواحد صاحبه، وهو بيقول: “الدكاترة بيكبروا المواضيع. الستات لازم حد يشد عليهم.” حماتي بصتلي، وعينيها دمعت. وقالت: “أنا اللي ربيت الراجل ده… ولو سكت على اللي بيعمله، أبقى أنا السبب.” لفت ناحيته وقالت: “إنت فاكر إن الرجولة إنك تضغط على مراتك وهي لسه خارجة من عملية؟” سكت. “فاكر إن شكلها أهم من صحتها؟”
فضل باصص في الأرض. في اللحظة دي طلعت ظرف من شنطتها. وادتهوله. فتح الظرف، وأول ما قرأ اللي فيه، وشه اتغير. كانت نسخة من تقرير الدكتورة. وفيه مكتوب بوضوح إن أي مجهود بدني شديد قبل مرور ثمانية أسابيع ممكن يسبب نزيف داخلي أو فتح جرح العملية. وقالتله: “أنا أخدت التقرير بنفسي من الدكتورة بعد ما كلمتها، وعرفت منها كل حاجة.” ثم أضافت: “ولو مراتك حصل لها أي ضرر بسبب اللي عملته… أنا أول واحدة هقف ضدك.”
أحمد حاول يتكلم. لكن أمه قاطعته. “خلص. النهارده هتيجي معايا.” بص لها باستغراب. “ومراتك وابنك هيفضلوا في البيت… وإنت هتقعد عندي لحد ما تعرف يعني إيه مسؤولية.” اعترض وقال: “دي حياتي يا ماما.” ردت من غير تردد: “ولما كنت بتجبر أم ابنك تجري وهي بتتألم… كنت بتدير حياتها هي كمان.” رجعنا البيت. وأول مرة من يوم الولادة، دخلت أنام من غير ما حد يصحيني الفجر. بعدها بساعتين، لقيت حماتي جاية ومعاها أكل جاهز، وشنتين مليانين طلبات للبيت.
قالتلي: “من النهارده، إنتِ مش هتعملي أي شغل لحد ما الدكتورة تسمح.” طول الأسبوع كانت بتيجي كل يوم. تطبخ. تنضف. وتقعد مع البيبي عشان أعرف أنام شوية. أما أحمد… فكانت مجبرّاه يروح بعد الشغل عندها. يصلح الحاجات اللي بايظة في بيتها، ويقضي كل احتياجاتها. وقالتله: “طالما عندك طاقة تخلي مراتك تجري بعد عملية، يبقى عندك طاقة تساعد أمك.” بعد أسبوعين، أخدني حماتي بنفسها للدكتورة. الدكتورة أول ما كشفت عليا قالت: “الحمد لله إنك وقفتي الجري في الوقت المناسب. كان ممكن الموضوع ينتهي بمضاعفات خطيرة.”
وأول ما أحمد سمع الكلام، دموعه نزلت. لأول مرة حسيت إنه استوعب حجم اللي عمله. رجع البيت، وقعد قدامي. وقال: “أنا كنت أناني… ومشوفتش غير نفسي. سامحيني.” قلتله بهدوء: “السماح سهل… لكن الثقة بتتبني بالأفعال.” ومن يومها بدأ يتغير فعلًا. بقى هو اللي يقوم بالليل مع البيبي. ويبقى أول واحد يقوللي: “اقعدي… أنا هعمل كل حاجة.” ولما عدت التمن أسابيع، وسألتني الدكتورة إذا كنت حابة أبدأ رياضة خفيفة… كان أحمد أول واحد قال: “براحتها… صحتها أهم من أي ميزان.”
ابتسمت حماتي وقالت وهي شايلة حفيدها: “الجمال الحقيقي عمره ما كان في الوزن… الجمال في الرحمة والاحترام.” وساعتها عرفت إن اليوم اللي نزلت فيه من العربية ووقفت قدامه… ما أنقذنيش أنا بس. ده أنقذ جوازنا كله. تمت
