سر الوصية بقلم مجهول حصري لحكايات اسما السيد _ ممنوعه من النسخ

اتربيت طول عمري في الملاجئ.
أمي سابتني أول ما اتولدت، وأبويا كان محبوس في الس-جن ماكانش ليا حد.
ولما كبرت وخرجت من دار الأيتام، اشتغلت أي شغلانة تيجي قدامي في بلد صغيرة جنب المحلة.
ساعتها كانت جارتي العجوز، الحاجة نعمات، أول حد ياخد باله مني. قالتلي:
“يا ابني، لو عايز تكسب قرشين عدلين تعالى ساعدني… ونتفق على حسابك.” وقعدنا نشرب شاي سوا، وهناك قالتلي إنها خلاص أيامها قليلة.
لا عندها عيال، ولا حد بيسأل فيها.
وقالتلي لو اهتميت بيها لحد آخر يوم في عمرها، كل اللي تملكه هيبقى ليا. قولتلها فورًا:
“اتفقنا.” ومن يومها بقيت أجيب لها طلبات البيت، وأغيّر اللمبات، وأرتب لها العلاج في علبة الأيام اللي من السبت للجمعة.
وفي يوم ادتني شراب صوف أخضر شكله يضحك كانت هي اللي عملاه بإيدها. وقالتلي:
“خده يا حبيبي… رجليك ما تسقعش في الشتا.” اتظاهرت إني عادي ومش فارق معايا. بس الحقيقة إننا بقينا كل يوم تقريبًا نقعد نحكي بالساعات.
هي تحكيلي عن شبابها، وأنا أحكيلها عن حياتي.
ولأول مرة من عشرين سنة… حسّيت إن فيه حد فعلًا مستنيني أرجع البيت. وفي صباح يوم، دخلت عليها لقيتها نايمة على الكرسي بتاعها المفضل، والتلفزيون شغال على برنامج قديم. الحاجة نعمات كانت ماتت وهي نايمة.
يوم قراية الوصية اكتشفت إن الشقة اتبرعت بيها لجمعية خيرية.
الفلوس راحت للمسجد.
ودهبها راح لبنت أختها اللي ما سألتش فيها بقالها ست سنين. وأنا؟
ماخدتش أي حاجة. ولا حتى جواب صغير. نمت اليوم كله من القهرة.
وتاني يوم الصبح، سمعت خبط على الباب. فتحت لقيت محامي واقف، شايل علبة أكل معدن قديمة. قاللي:
“الحاجة نعمات سابتلك حاجة مخصوص.” فتحت العلبة… لقيت مفتاح وجواب مكتوب عليه اسمي بخط إيدها المرتعش. أول سطر كان: “يا جيمس… أكيد أنت زعلان إني ما سبتلكش حاجة.
بس صدقني… اللي حضرتهولك هيغيّر حياتك كلها.”
وقبل ما أوصل للسطر التاني…
رجليا ماقدرتش تشيلني ووقعت على الأرض.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح الجواب.
قلبي بيدق بسرعة غريبة… خليط بين الغضب والخوف والفضول.
كملت قراية: “طول عمرك فاكر إنك لوحدك… بس الحقيقة إنك كنت محتاج حد يصدق فيك بس.” بلعت ريقي بصعوبة. “المفتاح ده يخص مخزن قديم في محطة القطر المهجورة اللي جنب مصنع الغزل. روح هناك لوحدك.” بصيت للمفتاح في إيدي.
كان قديم وتقيل وعليه رقم 17. ركبت أول تاكسي وروحت المحطة القديمة.
المكان كان شبه ميت… تراب وصدى وخشب مكسور. فضلت ألف لحد ما لقيت باب حديد صغير عليه الرقم 17. دخلت المفتاح…
ولأول مرة حسيت إن نفسي بيتقطع من التوتر.
الباب فتح بصوت صرير طويل. المخزن كان ضلمة، بس فيه لمبة صغيرة متعلقة في السقف.
ولما نورتها… اتجمدت مكاني. المكان كان مليان صناديق. وفي النص بالظبط، مكتب خشب قديم فوقه ملف كبير مكتوب عليه اسمي. فتحت الملف بسرعة. أول ورقة كانت شهادة ميلادي. اتصدمت. لأن اسم الأم ماكانش فاضي زي طول عمري. كان مكتوب: “نعمات عبدالسلام.” حسيت الدنيا بتلف بيا. قعدت على الكرسي وأنا مش قادر أتنفس. الحاجة نعمات… كانت أمي؟ فضلت أفتش بجنون وسط الورق.
لقيت صور قديمة ليها وهي شايلاني رضيع.
وجوابات.
وتقارير.
وأوراق محاكم. وفي آخر الملف كان فيه جواب تاني. “سامحيني يا ابني…” دموعي نزلت لوحدها. “أبوك كان مجرم خطير، ولما هدد يقتلك بعد ولادتك، اضطريت أسيبك في دار رعاية باسم مزور علشان أحميك. فضلت أراقبك من بعيد طول عمرك… ولما كبرت وعرفت عنوانك، قربت منك تاني بس ماقدرتش أقول الحقيقة.” شهقت وأنا بقرا. “كنت عايزة تورثني علشان الفلوس؟
أنا سيبتلك حاجة أهم بكتير… سيبتلك أم.” وقفت مكاني منهار. طول عمري كنت فاكر نفسي يتيم…
لكن الحقيقة إن أمي كانت جنبي كل السنين دي.
بتعملي شاي…
وتخيطلي شرابات صوف خضرا…
وتستنى صوت بابي كل ليلة.
فضلت قاعد في المخزن ساعات…
أبص للصور وأعيط زي طفل صغير. في صورة كانت الحاجة نعمات واقفة قدام دار الأيتام من بعيد، وأنا طفل عندي يمكن سبع سنين بلعب بالكورة.
وفي صورة تانية يوم تخرجي من المدرسة الصناعية… كانت مصوراني من آخر الشارع. هي كانت موجودة طول الوقت. بس وأنا بقلب في الورق، لقيت ظرف صغير متقفل بشريط أحمر. فتحتُه. كان فيه مفتاح تاني… ومكتوب تحته عنوان في القاهرة. وفي الجواب: “عارفة إنك دلوقتي موجوع، ويمكن تكرهني.
بس لسه فاضل حاجة لازم تعرفها.”
تاني يوم ركبت القطر وروحت العنوان. البيت كان عمارة قديمة في مصر الجديدة.
طلعت الدور التالت، وخبطت. فتحلي راجل كبير أصلع لابس نضارة. أول ما شافني… وشه قلب. وقال بصوت مرتعش:
“إنت… جيمس؟” هزيت راسي. الراجل سند على الباب كأنه هيقع. “أنا عمك يا ابني.” اتجمدت. دخلني الشقة، وقعد يعيط وهو بيبصلي. عرفت منه الحقيقة كلها. بعد ما أمي سابتني في الدار، حاولت ترجعني أكتر من مرة.
لكن أبويا خرج من السجن، وهددها بالقتل لو قربت مني. فهربت، وغيرت اسمها، وعاشت سنين مستخبية.
أما هو… فاختفى بعدها بسنين. سألته بصوت مبحوح:
“طب ليه ماقالتليش الحقيقة لما قربت مني؟” بصلي بحزن وقال:
“لأنها كانت خايفة… لو رفضتها بعد ما تعرف إنها أمك، قلبها ماكانش هيستحمل.” سكت شوية… وبعدين قام وجاب صندوق خشب صغير. فتحه قدامي. كان مليان فلوس… وعقود… ومفاتيح. قاللي:
“أمك باعت كل حاجة باسمها قبل ما تموت، وحطت الفلوس دي في حساب أمانة ليك. كانت عايزة تتأكد إنك هتحبها كشخص… مش علشان الميراث.” بصيتله وأنا مصدوم. قال بهدوء:
“إنت دلوقتي معاك بيت… وفلوس تكفي تبدأ حياة جديدة.”
هزيت راسي وأنا بدمع. وقولت:
“أنا كنت محتاج أم… مش فلوس.” الراجل ابتسم وسط دموعه، ومدلي آخر جواب منها. “عارفة إنك هتقول كده… وعلشان كده أنا مت مطمنة.” رجعت البلد وأنا شايل الجواب في جيبي كأنه كنز. أول حاجة عملتها… إني دخلت بيت الحاجة نعمات. البيت كان هادي بشكل يوجع القلب.
ريحة الشاي بالنعناع لسه موجودة.
والكرسي اللي كانت بتقعد عليه قدام التلفزيون مكانه زي ما هو. قعدت عليه… وحطيت الشراب الصوف الأخضر في حضني. ولأول مرة في حياتي… حسيت باليُتم بجد.
مش اليُتم اللي عشته في الملاجئ.
لا…
يُتم إنك تلاقي أمك بعد عمر كامل، وبعدين تخسرها بعد ما قلبك يتعلق بيها. فضلت أروح البيت كل يوم. أنضفه.
أسقي الزرع اللي كانت بتحبه.
وأشغل البرنامج القديم اللي كانت تتفرج عليه كل المغرب. وأحيانًا… كنت أكلمها بصوت عالي كأنها لسه موجودة. “النهارده نسيت آخد العلاج يا ست نعمات.” أو: “الشراب الأخضر ده قبيح جدًا على فكرة.” وأضحك لوحدي… وبعدين أعيط. بعد شهر تقريبًا، وأنا برتب أوضتها، لقيت درج مقفول ماخدتش بالي منه قبل كده.
فتحتُه بالمفتاح الصغير اللي كان في سلسلة مفاتيحها. ولقيت جواه عشرات الجوابات. كل جواب عليه تاريخ. أول جواب كان من عشرين سنة. فتحت واحد منهم. “النهارده شفتك من بعيد وإنت داخل المدرسة. كنت عايزة أجري عليك وأحضنك… بس خفت.” فتحت التاني. “أول مرة شفتك بتضحك فيها حسيت إن ربنا سامحني.” أما آخر جواب… فكان مكتوب قبل موتها بيومين. “لو بتقرأ ده، يبقى أنا مشيت خلاص.
بس عايزاك تعرف إنك أحسن حاجة حصلتلي في حياتي.
أنا ماكنتش مستنية تسامحني… كنت بس عايزة أقضي آخر أيامي جنبك.”
حضنت الجواب لصدرى وانهرت. وفي اللحظة دي خدت قرار. ما بعتش البيت. ولا صرفت الفلوس على عربية أو سفر أو أي حاجة. حوّلت بيت الحاجة نعمات لمكان صغير للأولاد اللي من غير أهل.
مكان دافي… فيه أكل نضيف وسرير آمن وحد يسمعهم. وعلقت صورتها على الحيطة عند الباب. وتحت الصورة كتبت: “الست اللي علمتني إن الإنسان ممكن يلاقي أمه… حتى بعد عمر كامل من الضياع.” في أول يوم فتحنا فيه المكان، كان فيه تلات أطفال بس.
ولد ساكت طول الوقت اسمه يوسف.
وبنت صغيرة اسمها ملك ماكنتش بتنام غير والنور مفتوح.
وطفل عنده ست سنين كان بيخبي الأكل تحت المخدة خوفًا من الجوع. كنت ببصلهم… وأشوف نفسي فيهم. ومع الوقت، البيت بدأ يكبر. ناس من البلد بقت تتبرع.
واحدة تبعت بطاطين.
حد يجيب كتب مدرسة.
وجزار يسيب كرتونة لحمة كل جمعة. وبقى اسم المكان: “دار نعمات.” وفي يوم مطر، وأنا بقفل الباب بالليل، لقيت ولد واقف قدام البيت. كان عنده يمكن ١٢ سنة.
هدومه متبهدلة، ووشه مليان خوف.
أول ما قربت منه، رجع لورا بسرعة. قولتله بهدوء:
“متخفش يا حبيبي… جعان؟” هز راسه آه. دخلته، أكلته، واديته هدوم نضيفة. وبعد ما خلص أكل، بصلي وقال:
“إنت هتطردني إمتى؟” الكلمة كسرتني. قعدت جنبه وقلت:
“ولا إمتى.” الولد انفجر في العياط فجأة. وفي اللحظة دي افتكرت نفسي وأنا صغير… مستني أي حد يرميني برا. بعدها بأسابيع، الولد بدأ يضحك.
يجري في الجنينة.
وينادي عليا من بعيد: “عمو جيمس!” وفي ليلة، كنت بقفل النور، لقيته واقف ورايا. قاللي بخجل:
“هو… ينفع أناديك بابا؟”
ماقدرتش أرد. حسيت نفسي باختنق من كتر الدموع. حضنته جامد… لأول مرة في حياتي أحس إن قلبي اتملى فعلًا. وفي اللحظة دي، فهمت الحاجة نعمات كانت تقصد إيه. هي ما سابتليش فلوس وبس. هي سابتلي عيلة. وسابتلي سبب أعيش عشانه. وسابتلي حاجة عمري ما كنت أتخيل إني هلاقيها… وطن. بعد سنة، دار نعمات بقت معروفة في كل المحافظة. الأطفال بقوا أكتر.
والضحك بقى مالي البيت بدل الصمت. يوسف اللي ماكنش بيتكلم، بقى يطلع الأول على فصله.
وملك بطلت تخاف من الضلمة.
أما الولد اللي سألني يومها “هتطردني إمتى؟”… فبقى ينام مطمن وهو ماسك إيدي.
وفي عيد ميلادي، رجعت البيت متأخر بعد يوم طويل. لقيت النور مطفي. وفجأة… “مفاجأة!” الأطفال كلهم خرجوا يجروا ناحيتي وهم بيضحكوا. التورتة كانت ميلة ومحروقة من الجنب، واضح إنهم عملوها بنفسهم. وقبل ما أتكلم، الولد الصغير مسكني من إيدي وقال: “استنى… في حاجة.” وجاب صندوق صغير ملفوف بورق أخضر. فتحته. كان جواه شراب صوف أخضر… شبه اللي الحاجة نعمات عملتهولي زمان بالظبط. اتجمدت. قولت بصوت مخنوق:
“مين اللي عمل ده؟” ملك رفعت إيدها بفخر وقالت:
“كلنا ساعدنا.”
ضحكوا كلهم. وأنا… ماقدرتش أوقف دموعي. بصيت لصورة الحاجة نعمات المعلقة على الحيطة. وحسيت لأول مرة إنها لسه هنا. يمكن مش بجسدها…
بس في كل طفل ضحك بعد خوف.
وفي كل حضن بعد وحدة.
وفي كل بيت اتبنى من قلب كان مكسور. ولأول مرة من يوم ما اتولدت… ماحسّتش إني متساب. بعض الناس ممكن يغيّروا حياتك مش بالفلوس… لكن بالحب والاحتواء والإحساس إنك مهم عند حد. وكمان إن الخير الحقيقي عمره ما بيضيع، حتى لو في البداية حسّيت إنك اتظلمت أو ماخدتش المقابل اللي كنت مستنيه. أحيانًا ربنا بيكون مخبيلك حاجة أكبر بكتير من الفلوس… حاجة تداوي جزء مكسور جواك.
حكايات المجهول
