
“منى… أنا—” قاطعتني بابتسامة باهتة: “متلومش نفسك. إحنا الاتنين ضيعنا بعض.” لكن أنا كنت بلوم نفسي فعلًا. وبشكل عمره ما حصل قبل كده. بصّيت حواليها. مفيش حد معاها. لا أهل. لا صحاب. ولا حتى شنطة أكل صغيرة جنبها. “إنتِ لوحدك؟” هزت راسها بهدوء. “ماما عند خالتي في البلد… ومقولتلهاش كل التفاصيل.” “والدكتور؟” “جوه… بستنى الجلسة.” الجلسة. كيماوي. الكلمة خبطتني جامد. فجأة افتكرت شعرها الطويل اللي كانت بتحبه. افتكرت ضحكتها. افتكرت كل حاجة كنت فاكر إني نسيتها.
وحسيت إني أوحش إنسان على الأرض. قعدت جنبها شوية من غير كلام. وبعدين سألتها بصوت مكسور: “ليه محدش معاكي؟” ضحكت ضحكة قصيرة موجوعة وقالت: “الناس بتخاف من المرض يا كريم… والوحشة بتكبر لما الواحد يتعب.” الكلام وجعني أكتر. قومت فجأة وقلت: “استني هنا.” روحت بسرعة للكافيتريا، اشتريت أكل وعصير وبطانية خفيفة، ورجعتلها. لما شافت الحاجات، بصتلي باستغراب. “مش لازم تعمل كده.” قعدت قدامها وقلت بهدوء: “بس أنا عايز.” لأول مرة من ساعة ما شوفتها… عينيها لمعت كأنها هتعيط.
لكنها تماسكت. اليوم ده، ماعرفتش أسيبها وأمشي. استنيت معاها الجلسة كلها. ولما خلصت، وصلتها لحد أوضة صغيرة في المستشفى. وكان واضح إنها مرهقة جدًا لدرجة إنها بالكاد واقفة. قبل ما أدخلها الأوضة، مسكت دراعي فجأة. “كريم.” “نعم؟” بصتلي بعينيها الضعاف وقالت: “أنا كنت بموت بالبطيء… وأصعب حاجة مش المرض.” سكتت شوية. ثم همست: “أصعب حاجة إني كنت بحاول أموت وأنا لسه بحبك.” وفي اللحظة دي… اتكسر جوايا آخر جزء كنت فاكر إني قوي بيه. فضلت باصلها ومش قادر أقول أي كلمة.
حسيت إني اتخنقت. إزاي قدرت تستحمل كل ده لوحدها؟ وإزاي أنا كنت عايش حياتي عادي، بينما هي بتحارب مرض ممكن يقتلها؟ دخلتها الأوضة بهدوء، وساعدتها تقعد على السرير. كانت مرهقة جدًا، لدرجة إن إيديها كانت بتترعش وهي بتحاول تشرب شوية مية. أخدت الكوباية من إيديها وساعدتها. بصتلي بنظرة طويلة غريبة… فيها حنين وتعب ووجع سنين كاملة. وقالت بهدوء: “وحشتني.” الكلمة كسرتني. لأنها خرجت منها تلقائية جدًا… كأن قلبها قالها قبل عقلها. بلعت ريقي بالعافية وقعدت على الكرسي جنب السرير.
“إنتِ كمان وحشتيني.” أول مرة أعترف بيها بصوت عالي. وأول مرة أحس قد إيه كنت كداب على نفسي طول الشهرين اللي فاتوا. قعدنا ساكتين شوية. صوت أجهزة المستشفى حوالينا، والليل الهادي، وريحة الدوا… كل حاجة كانت تقيلة. بعدين سألتها: “الدكاترة قالولك إيه؟” سكتت ثواني. “المرحلة التالتة.” حسيت الأرض بتميل بيا. “بس في أمل… صح؟” ابتسمت ابتسامة ضعيفة وقالت: “بيقولوا العلاج ممكن يساعد… لو جسمي استجاب.” لو. الكلمة دي خنقتني. فضلت معاها لحد ما نامت من التعب.
ولما ملامحها هديت وهي نايمة، اكتشفت حاجة مرعبة… إنها رغم المرض، ورغم الضعف، لسه أكتر إنسانة بحبها في حياتي. وإني كنت غبي لما افتكرت إن البعد هيريحني. طلعت بره الأوضة عشان أجيب للدكتور أي تفاصيل زيادة. وهناك… قابلت الممرضة. أول ما عرفت إني جوزها السابق، بصتلي بنظرة غريبة وقالت: “حضرتك كريم؟” هزيت راسي. قالت بهدوء: “هي كانت بتيجي الجلسات لوحدها من أول يوم.” قلبي وجعني أكتر. لكن الممرضة لسه ماخلصتش كلامها. قالت: “وفي حاجة لازم تعرفها.”
اتوترت فورًا. “إيه؟” الممرضة بصت حواليها، وبعدين قربت مني شوية وهمست: “مدام منى كانت رافضة تبدأ العلاج في الأول.” اتصدمت. “ليه؟!” قالت بحزن: “لأن تكلفة العلاج كانت كبيرة… وهي كانت مصممة تسيب الفلوس ليك.” حسيت الدم اتجمد في عروقي. “إيه؟” طلعت الممرضة نفس طويل وقالت: “هي كانت لسه بتحبك جدًا… وكانت شايفة إنك تستحق تبدأ حياة جديدة حتى لو هي مش موجودة فيها.” في اللحظة دي… ماقدرتش أوقف دموعي لأول مرة من سنين. سندت ضهري على الحيطة وأنا بحاول أستوعب الكلام.
منى… كانت بتموت بالبطيء، وبرضه كل اللي شاغلها إني أكون بخير؟ أنا اللي سيبتها. أنا اللي قلت إننا لازم ننفصل. وهي… كانت بتحاول تحميني حتى وهي بتنهار. مسحت وشي بسرعة ورجعت أوضتها. لقيتها صاحية، باصة للسقف بشرود. أول ما شافتني، حاولت تقوم. جريت عليها فورًا. “إنتِ بتعملي إيه؟ ارتاحي.” قالت بابتسامة ضعيفة: “مش متعودة حد يهتم بيا كده.” الكلمة وجعتني بطريقة بشعة. قربت الكرسي وقعدت جنبها. “منى… بصيلي.” بصتلي بهدوء. وأنا لأول مرة من شهور، قلت الحقيقة كاملة:
“أنا غلطت.” عينيها اتهزت للحظة. كملت بصوت مبحوح: “هربت منك وقت ما كنتِ محتاجاني… وسيبتك تواجهي كل ده لوحدك.”
