سر العيلة الكاملة الجزء الرابع والاخير بقلم مجهول حصري لحكايات اسما السيد _ ممنوعه من النسخ

الكلمة نزلت علينا كالصاعقة.
“جوه المستشفى؟!” حسام رفع سلاحه فورًا وفتح باب الأوضة بعنف. الممر كان مليان ممرضين ودكاترة بيجروا بسبب الإنذار… أي واحد فيهم ممكن يكون تبعه. التلفزيون رجع يشوش، لكن قبل ما الصورة تقطع، فؤاد قال آخر جملة: “خلي بالكوا… الوقت بيجري.” والشاشة اسودّت. مريم بدأت تعيط تاني، وأنا حضنتها بكل قوتي. أما كريم… فكان واقف مكانه، ملامحه متكسرة. همس: “أبويا عمره ما كان بيظهر بنفسه… لو جه هنا، يبقى ناوي ينهي كل حاجة.” حسام بص بسرعة للممر.
“لازم نطلع من المستشفى حالًا.” لكن قبل ما نتحرك… ممرضة دخلت الأوضة بعجلة، لابسة كمامة وبتدفع ترولي أدوية. قالت بسرعة: “لازم المريض ياخد الحقنة دي فورًا.” حسام وقف قدامها مباشرة. “مين بعتك؟” ارتبكت للحظة. الثانية دي كانت كفاية. كريم صرخ: “حسام ابعد!” لكن متأخر. الممرضة طلعت حقنة من جيبها وضربت حسام بيها في رقبته بسرعة مرعبة. حسام وقع على ركبته فورًا. صرخت. الممرضة رمت الترولي، وطلعت مسدس صغير بكاتم صوت. وجهته ناحيتي أنا ومريم. وقالت ببرود:
“هاتوا الفلاشة.” كريم وقف قدامنا فورًا رغم إصابته. “لو عايزاها… خديها مني.” الممرضة ابتسمت. وببطء… قلعت الكمامة. شهقت. ماكنتش ست أصلًا. كان راجل متنكر. لكن الصدمة الأكبر… إنه كان شبه كريم بشكل مخيف. نفس العينين.
نفس الفك.
حتى نبرة الصوت فيها شبه. بص لكريم وقال بابتسامة باردة: “وحشتني يا أخويا.” كريم رجع خطوة كأن حد ضربه. “أخويا…؟” أنا بصيت بين الاتنين بعدم استيعاب. كريم ماكانش عنده أخ. على الأقل… ده اللي كنت أعرفه. الراجل ضحك وهو لسه ماسك السلاح علينا.
“واضح إن بابا خبّى عنك حاجات كتير.” حسام كان واقع على الأرض، بيحاول يقاوم تأثير الحقنة، لكن جسمه بالكاد بيتحرك. أما مريم… فكانت مستخبية ورا ضهر كريم، بترتعش. قلت بصوت مخنوق: “إنت مين؟” الراجل بصلي بثبات. “اسمي ياسين.” ثم رجع عينه لكريم. “وأنا ابن فؤاد الحقيقي المفضل.” الكلمة ضربت كريم بقسوة واضحة. ياسين كمل بابتسامة ساخرة: “أما إنت… فكنت مجرد تجربة فاشلة.” كريم هجم ناحيته فجأة بغضب. طلقة خرجت. صرخت. الرصاصة خبطت في الحيطة جنب راس كريم بسنتيمترات.
ياسين دفعه بعنف، وخبطه في طرف السرير المصاب أصلًا. وقع كريم متألم. وياسين صوب السلاح على دماغه مباشرة. “كنت دايمًا عاطفي زيادة.” أنا حطيت نفسي قدام كريم فورًا. “كفاية!” ياسين بصلي للحظة… والغريب إن ملامحه لانت ثانية صغيرة. ثم قال بهدوء: “أنا مش جاي أقتل بنت بريئة.” بعدين مد إيده ناحيتي. “اديني الفلاشة… وخلاص.” قلبي كان بيخبط بجنون. لو اديتهاله… يمكن يسيبنا فعلًا. ولو ما اديتهوش… ممكن يقتل كريم قدامي. لكن قبل ما أقرر— مريم خرجت فجأة من ورايا.
بصت لياسين ببراءة وخوف في نفس الوقت. وقالت: “إنت كمان ابن جدو الوحش؟” الأوضة سكتت. وياسين… لأول مرة، اتهزت ملامحه فعلًا. ثم مريم قربت خطوة صغيرة وقالت: “ليه بتخلوا بابا يعيط؟” ياسين فضل باصص لمريم كأنه نسي السلاح اللي في إيده. السؤال البسيط بتاعها ضربه في مكان واضح إنه مدفون جواه من سنين. “ليه بتخلوا بابا يعيط؟” إيده نزلت سنة صغيرة. وعينيه اتحولت من البرود لحاجة شبه الوجع. كريم كان لسه واقع على الأرض، بيتنفس بصعوبة، لكنه رفع عينه ناحية ياسين لأول مرة من غير غضب… كأنه بيحاول يفهم.
قال بصوت مبحوح: “أمي… كانت تعرف بيك؟” ياسين ضحك ضحكة مكسورة. “لا.
أنا ابن واحدة تانية.” حسيت قلبي اتقب-ض. ياسين كمل وهو باصص لمريم: “فؤاد خبّاني طول عمري.
رباني زي جندي… مش ابن.” ثم رفع عينه لكريم. “وأنت كنت عايش حياتك طبيعي… مدرسة، أصحاب، حب، جواز… وأنا؟
كنت بنفذ أوامر.” الأوضة كلها كانت ساكتة. حتى الإنذار برا بدأ يبعد تدريجي. ثم قال بهدوء مرعب: “أول مرة شفتك فيها… كرهتك.” كريم همس: “وأول مرة أعرف إن عندي أخ.” ياسين ابتسم بسخرية، لكن عينيه كانت مليانة دموع محبوسة.
وفجأة… موبايله رن. بص للشاشة. ملامحه اتشدت فورًا. “هو.” أكيد فؤاد. ياسين رد، وحط الموبايل على السماعة. وصوت فؤاد طلع حاد لأول مرة: “خلص المهمة.” ياسين سكت. فؤاد كرر بعصبية: “اقتل كريم وهات الفلاشة.” كلنا اتجمدنا. ثواني عدت… ثقيلة بشكل قاتل. ثم ياسين قال بهدوء: “لا.” الصمت اللي بعد الكلمة دي كان مرعب. حتى فؤاد نفسه سكت ثانية بعدم تصديق. “إيه؟” ياسين رفع عينه ناحية كريم… ثم مريم. وقال: “مش هبقى زيك.” وفجأة قفل الخط.
وفي نفس اللحظة… أصوات ضرب نار انفجرت في آخر الممر برا الأوضة. ياسين لف بسرعة ناحية الباب، ووشه فقد لونه. “لقانا.” ياسين جرى ناحية الباب وقفله بسرعة، وحط الترابيزة وراه. صوت الرصاص برا كان بيقرب. رجالة فؤاد. كريم حاول يقف، لكنه ترنح من النزيف. ياسين لحقه قبل ما يقع، وللحظة الاتنين بصوا لبعض… أخيرًا كأخوات، مش أعداء. قال ياسين بسرعة: “في مخرج خدمات آخر الدور.” حسام، اللي بدأ يفوق بالعافية، رفع راسه وقال بصوت متقطع:
“…الدور ده متحاصر.” ياسين شتم بعصبية. ثم بصلي مباشرة: “الفلاشة فين؟” اتجمدت. لكنّه قال بسرعة: “لو وقعت في إيد فؤاد… كل اللي عملناه راح.” طلعتها من جيبي بإيد مرتعشة. ياسين أخدها، وبص حواليه بسرعة، ثم فتح جهاز التنفس الصناعي جنب السرير، وفك الغطا الصغير اللي وراه، وخبّى الفلاشة جواه. بصلي وقال: “حتى لو فتشونا مش هيفكروا يبصوا هنا.” فجأة— الباب اتهز بخبطة عنيفة. صوت راجل من برا: “افتح يا ياسين… متخليناش ندخل بالعافية.” ياسين قرب من الباب وقال ببرود:
“قول لفؤاد ييجي بنفسه.” ضحكة خافتة جات من برا. ثم الصوت قال: “هو هنا فعلًا.” قلبي وقف. وفي اللحظة دي… الباب اتفتح بالمفتاح. ببطء. الكل رجع لورا. والشخص اللي دخل… كان الحاج فؤاد بنفسه. راجل في أواخر الستينات، شيك جدًا، شعره أبيض مرتب، وماسك عصا-ية سوداء. وشه هادي… بشكل مرعب. دخل الأوضة كأنه صاحب المكان. عينيه راحت مباشرة على كريم. ثم ابتسم ابتسامة صغيرة. “ابني.” كريم كان باصصله بكره عمره كله. أما فؤاد، فلف عينه على مريم.
ولأول مرة… ملامحه طرّت فعلًا. قرب خطوة منها، لكن كريم صرخ: “إوعى تقرب منها!” فؤاد وقف مكانه. ثم قال بهدوء: “أنا جيت أنهي الحرب دي.” حسام ضحك بسخرية رغم تعبه: “بعد ما موت نص البلد؟” فؤاد تجاهله. وبص لياسين. “تعالى هنا.” ياسين ما اتحركش. فؤاد كرر بصوت أقسى: “دلوقتي.” لكن ياسين وقف جنب كريم بدل ما يروحله. ودي كانت أول مرة حد يتحدى فؤاد بالشكل ده. الراجل العجوز سكت ثواني… ثم ابتسم ابتسامة باردة جدًا.
وقال: “يبقى تموتوا كلكوا سوا.” في اللحظة اللي قال فيها الجملة دي… كل حاجة انف-جرت. رجالة فؤاد اللي كانوا واقفين برا دخلوا الأوضة بالس-لاح. حسام حاول يرفع مسد-سه، لكن إصابته كانت أبطأ منه. أما كريم… فشدني أنا ومريم وراه فورًا. لكن المفاجأة كانت ياسين. لأول مرة، وقف قدام فؤاد نفسه ورفع سلا-حه عليه. صرخ: “خلاص بقى!” الأوضة كلها سكتت. حتى رجالة فؤاد اترددوا. فؤاد بص لابنه التاني ببرود غريب. “هتضربني؟” إيد ياسين كانت بتترعش، لكن السلا-ح ثابت.
“أنت عمرك ما كنت أب.” الكلمة دي دخلت في قلب الراجل العجوز زي السكينة. بانت للحظة صغيرة جدًا… ثانية ضعف. لكنها اختفت بسرعة. فؤاد ابتسم بسخرية: “وأنت عمرك ما كنت قوي كفاية.” ثم، أسرع من أي حد يتوقع… طلع مسدس صغير من جوه الجاكيت. طلقتين خرجوا ورا بعض. صرخت. ياسين اتراجع لورا، والد-م انف-جر من صدره. وفي نفس اللحظة، كريم هجم على فؤاد بعن-ف. الأسلحة ضربت. الأوضة اتحولت لفوضى كاملة. حسام ضرب واحد من الرجالة.
ممرضين برا بيصرخوا.
إنذار المستشفى رجع يشتغل.
أما أنا… فزحفت بسرعة لياسين اللي وقع على الأرض. الدم كان مالي هدومه. بصلي وهو بيتنفس بالعافية. همس: “الجهاز… الفلاشة…” دموعي نزلت بغزارة. “هتقوم… اسكت.” لكنه ابتسم ابتسامة صغيرة حزينة. ثم بص ناحية مريم. وقال آخر جملة: “خليه… يبقى أحسن مننا.” وعينه ثبتت. اتجمدت. ياسين مات. صرختي خرجت بكل الرعب والوجع اللي عشته السنين دي كلها. لكن فجأة… وسط الضرب والفوضى… صوت طلقة واحدة دوّى أعلى من كل الأصوات. وبعدين… كل حاجة سكتت. الصمت بعد الطلقة كان مرعب.
الدخان مالي الأوضة، وصوت الإنذار شغال بعيد كأنه جاي من عالم تاني. رفعت راسي بالعافية. ولقيت فؤاد واقف مكانه… وعينيه متسعة بصدمة. بصيت لتحت. بقعة دم كبيرة بدأت تنتشر على قميصه الأبيض. الطلقة أصابته. أما اللي كان ماسك الس-لاح… فكان كريم. واقف وهو بيترعش، والدموع في عينيه. إيده اللي ماسكة المسدس كانت ضعيفة كأنه مش قادر يستوعب اللي عمله. فؤاد بصله ثواني طويلة. ثم ضحك… ضحكة خافتة ومتقطعة. “في الآخر… بقيت شبهي.” كريم صرخ فيه:
“أنا عمري ما هبقى زيك!” فؤاد حاول يتحرك، لكنه وقع على ركبته. رجالته بدأوا يتراجعوا أول ما قوات الأمن اقتحمت الدور بالكامل. حسام صرخ: “السلاح على الأرض!” خلال ثواني، كل حاجة انتهت. رجالة فؤاد اتقبض عليهم.
الضرب وقف.
والدنيا أخيرًا هديت. لكن بالنسبة ليا… مفيش حاجة كانت هادية. كنت قاعدة جنب جثة ياسين، ومريم مستخبية في حضني بتعيط بدون ما تفهم ليه الناس بتموت حوالينها. أما كريم… فكان واقف قدام أبوه المصاب. وفؤاد، وهو بينزف، رفع عينه ليه وقال بهدوء غريب:
“كنت عايز أحميك بطريقتي.” كريم ضحك بوجع. “أنت دمرت كل حاجة لمستها.” فؤاد حاول يرد… لكن صوته اختفى. وراسه وقعت لقدام. انتهى. بعدها بأيام… القضية قلبت البلد. الملفات اللي في الفلاشة كشفت شبكة فساد ضخمة جدًا، وأسماء كبيرة اتقبض عليها. الرائد حسام اتكرم رسميًا بعد ما نجا من الإصابة. أما كريم… فبدأ يواجه تهمة إنه هرب وزوّر موته سنين. لكن بسبب تعاونه وكشف الشبكة، الحكم اتحول لحماية ومراقبة فقط. وبعد شهور طويلة… رجعنا بيتنا أخيرًا.
أول ليلة هادية من سنين. كنت بسرّح شعر مريم بعد الحمام، وهي قاعدة قدامي بهدوء. وفجأة قالت: “ماما؟” “نعم يا حبيبتي؟” ابتسمت وقالت: “ممكن أقص شعري دلوقتي.” وقفت إيدي. “متأكدة؟” هزت راسها وهي مبتسمة. ثم بصت ناحية الصالة…
مكان ما كان كريم قاعد بيضحك وهو بيتفرج علينا. وقالت بأمان أخيرًا: “أصل بابا خلاص… عمره ما هيضيع مني تاني.”
عدّت سنة كاملة بعد اللي حصل.
حياتنا بدأت ترجع طبيعية بالتدريج. كريم بقى يقضي أغلب وقته مع مريم، كأنه بيحاول يعوض كل يوم ضاع من عمرها. كان يوصلها الحضانة بنفسه، ويحكيلها حواديت قبل النوم، وحتى يتعلم يسرّح شعرها بعد ما قصّته لأول مرة. أما أنا… فكنت لسه أوقات بصحى مفزوعة من النوم، متخيلة إن كل ده هيرجع تاني.
لكن كريم كان دايمًا يمسك إيدي ويقول: “خلص خلاص.” وكنت أحاول أصدقه. في يوم جمعة هادي، قررنا نروح إسكندرية يوم واحد. مريم كانت فرحانة بشكل يجنن، وجريت على البحر أول ما وصلنا.
فضلت أنا وكريم واقفين نبص لها وهي بتضحك. ثم فجأة، قال بهدوء: “أنا عمري ما شكرتك.” بصيتله باستغراب. “على إيه؟” “إنك استنيتيني… حتى وإنتِ فاكرة إني ميت.” عيني دمعت بدون ما أحس. لكن قبل ما أرد… تليفونه رن. رقم غريب. كريم بص للشاشة، وملامحه اتغيرت سنة بسيطة. رد بحذر: “ألو؟” ثواني سكت. ثم وشه شحب بالكامل. قلت بخوف: “في إيه؟” ما ردش. كان بيسمع بس… وعينه ثابتة على البحر. بعدها الشخص اللي على الخط قال حاجة خلت كريم يقفل المكالمة فورًا.
بصلي ببطء. وقالي جملة رجعت الرعب لقلبي من جديد: “في حد شاف ياسين… بعد ما مات.”
ضحكت بعصبية فور ما قال الجملة.
“إنت بتهزر… صح؟” لكن كريم ما ضحكش. وده كان أسوأ شيء. قلت بخوف: “مين اللي اتصل؟” بلع ريقه وقال: “حسام.” اتجمدت. “قال إيه بالظبط؟” كريم بص حواليه قبل ما يرد، كأنه فجأة حاسس إن الناس كلها بتراقبنا. “قال إن في كاميرات مراقبة في محطة بنزين على طريق السويس… صورت راجل شبه ياسين بنسبة كبيرة.” نفسي اتسحب مني. “بس… إحنا شفناه بيموت.” هز راسه ببطء. “وأنا دفنته بإيدي.” صوت ضحكة مريم وهي بتلعب على البحر كان بعيد عننا، كأنه جاي من حياة تانية خالص.
أما إحنا… فالكابوس كان بيرجع تاني. في نفس الليلة، رجعنا القاهرة فورًا. حسام كان مستنينا في مكتبه. أول ما دخلنا، شغّل فيديو كاميرات المراقبة. الصورة كانت مشوشة شوية… لكن لما الراجل لف وشه ناحية الكاميرا— شهقت. ياسين. نفس الملامح.
نفس المشية. كان لابس كاب أسود وماشي بهدوء كأنه ولا كأنه مات. قلت بصوت مخنوق: “مستحيل…” حسام وقف الفيديو عند لقطة معينة. “بصوا هنا.” كبّر الصورة. وفي انعكاس إزاز العربية اللي جنبه… كان فيه شخص تاني واقف معاه.
شخص أكبر سنًا. شعره أبيض. وعنده عصاية سودة. قلبي وقف. الحاج فؤاد. الأوضة كلها سكتت. كريم همس بعدم تصديق: “لا… أنا قتلته.” حسام بصله بجدية: “واضح إننا ما قتلناش حد.” كريم قعد على الكرسي كأن رجليه ما بقتش شايلينه. أما أنا، فكنت حاسة إننا عمرنا ما خرجنا من اللعبة أصلًا. قلت لحسام بصوت مرتعش: “الفيديو ده إمتى؟” رد فورًا: “من ٣ أيام.” ٣ أيام. يعني طول السنة اللي فاتت… كانوا موجودين. بيراقبونا. مريم كانت نايمة في العربية تحت مع العسكري، وفجأة فكرة مرعبة ضربتني.
“مريم!” جريت ناحية الباب، لكن حسام وقفني بسرعة. “اهدي، البنت بأمان.” لكن الأمان بقى كلمة مالهاش معنى بالنسبة لي. كريم كان باصص للفيديو كأنه شايف كابوس. وفجأة قال: “شغّل آخر دقيقة.” حسام رجّع اللقطة. ياسين كان ماشي جنب فؤاد، ثم وقف فجأة وبص مباشرة ناحية الكاميرا. ابتسم. وببطء… رفع إيده. وأشار بإصبعه ناحية العدسة. كأنه كان عارف إننا هنتفرج. بعدها الشاشة شوّشت للحظة. ولما الصورة رجعت… كانوا اختفوا. لكن اللي ظهر مكانهم خلى الدم يتجمد في عروقي.
على الحيطة وراهم، مكتوب بالرش الأحمر: “العيلة لسه ما اتجمعتش كاملة.” الأوضة غرقت في صمت تقيل. كريم كان باصص للجملة كأنه بيحاول يفهم معناها… أو يمكن خايف يكون فهم فعلًا. أما أنا، فكان عندي إحساس بشع إن في حاجة أكبر مستخبية لسه. قلت بصوت ضعيف: “يعني إيه… العيلة لسه ما اتجمعتش كاملة؟” ماحدش رد. لكن حسام فجأة وقف، وملامحه اتغيرت. “استنوا.” فتح درج مكتبه بسرعة، وطلع ملف قديم متغبر. بدأ يقلب فيه بعصبية لحد ما وقف عند ورقة صفراء قديمة جدًا.
بص لكريم وقال: “إنت متأكد إنك ماكانش عندك غير أخ واحد؟” كريم اتعصب: “إحنا مش وقت ألغاز!” لكن حسام حط الورقة قدامه. كانت نسخة من شهادة ميلاد قديمة باسم فؤاد. وفي خانة عدد الأبناء… مكتوب:
٣ أبناء. اتجمدنا كلنا. همست: “٣؟” كريم خطف الورقة بإيده. “مستحيل…” حسام قال ببطء: “إنت… وياسين… وفي واحد تالت.” نفسي اتقطع. وفجأة، حاجات كتير بدأت تركب في دماغي. الراجل الغريب اللي مريم كانت بتشوفه زمان.
الشخص التاني اللي كان ظاهر في انعكاس الصور.
الإحساس الدائم إن في حد بيراقبنا غير فؤاد وياسين.
كريم همس: “هو مخبّي مين تاني؟” لكن قبل ما حد يرد… باب المكتب خبط. كلنا اتخضينا. العسكري فتح الباب بسرعة وقال بقلق: “يا فندم… في واحد برا مصر يقابل الأستاذ كريم.” حسام شد أعصابه: “اسمه إيه؟” العسكري بلع ريقه وقال: “بيقول… إنه أخوه.” الأوضة كلها اتجمدت. كريم قام واقف ببطء، كأن جسمه تقيل فجأة. “فينه؟” العسكري أشار للممر برا المكتب. “مستني هناك.” حسام طلع سلاحه فورًا، وأنا حسيت قلبي هيقف. لكن كريم رفع إيده وقال:
“استنى.” وخرج. جرينا وراه. في آخر الممر، كان فيه راجل واقف ضهره لينا. طويل… لابس قميص أبيض بسيط… وشعره أسود فيه خصل رمادي خفيفة. أول ما سمع خطواتنا، لفّ ببطء. ولأول مرة من بداية الكابوس ده كله… شوفت نسخة تالتة من ملامح فؤاد. الراجل بص لكريم طويلًا. وعينيه اتمليت دموع. ثم قال بهدوء: “أنا اسمي آدم.” الصمت كان خانق. آدم كمل: “وأنا طول عمري فاكر إنكم ميتين.” كريم كان باصصله بعدم استيعاب. “إنت كنت فين؟”
آدم ضحك بمرارة. “فؤاد خبّاني برا مصر وأنا طفل… بعد ما أمي هربت منه.” ثم بص حوالينا وقال: “ولما شفت الأخبار من سنة… عرفت إن الماضي رجع.” حسام قرب بحذر: “وإيه اللي يثبت إنك مش لعبة جديدة؟” آدم مد إيده ببطء، وطلع سلسلة فضة قديمة. فيها صورة صغيرة جدًا. لثلاث أطفال. كريم… وياسين… وآدم. شهقت. أما كريم، فإيده بدأت ترتعش وهو بياخد الصورة. واضح إنه لأول مرة يشوفها. آدم بصله بحزن وقال: “إحنا كلنا كنا ضحايا ليه.”
ولأول مرة من سنين طويلة… كريم انهار. قعد على الكرسي وغطى وشه بإيده وهو بيبكي. مش على الخوف.
ولا على المطاردة. على العمر اللي ضاع. آدم قرب منه ببطء، وحط إيده على كتفه. وفي اللحظة دي… مريم دخلت المكتب وهي ماسكة لعبة الأرنب بتاعتها. بصت لآدم باستغراب. ثم قالت بمنتهى البراءة: “إنت شبه بابا.” آدم ضحك وسط دموعه. ونزل على ركبته قدامها. “وأنتِ شبهه أكتر.” مريم فكرت ثانية… ثم حضنته فجأة. والغريب… إنه حضنها كأنه كان محتاج الحضن ده طول عمره.
بصيت لكريم. ولأول مرة من سنين… الخوف اختفى من عينيه. بعد شهور، التحقيقات خلصت نهائي. اتأكد إن فؤاد وياسين ماتوا فعلًا بعد المواجهة الأخيرة، وإن الفيديو كان قديم ومتسرب عمدًا من ناس باقيين في الشبكة لإخافتنا. الشبكة كلها اتفككت. وإحنا بدأنا حياة جديدة. حياة هادية أخيرًا. وفي يوم، كنت بسرّح شعر مريم بعد ما طال تاني شوية، وهي قاعدة بين كريم وآدم بيضحكوا سوا في البلكونة. بصتلي وقالت: “ماما؟” ابتسمت. “نعم يا قلبي؟” قالت وهي بتلعب في خصل شعرها:
“دلوقتي عندي بابا… وعمو… ومحدش هيسيبني تاني، صح؟” بصيت لكريم. هو بصلي. ثم حضن مريم وقال بابتسامة دافية: “أبدًا يا روح بابا…
العيلة أخيرًا بقت كاملة.” تمت حكايات المجهول
