الطفل بقلم مجهول حصري لحكايات اسما السيد ممنوعه من النسخ

عندي ٢٨ سنة، والي حصل امبارح كان كفيل يخليني أشك في كل حاجة حواليا رجعت البيت من الشغل حوالي الساعة ٦ المغرب، وأول ما دخلت البيت حسّيت إن في حاجة غلط. ابني الصغير “آدم”، اللي لسه مكمل ٣ أسابيع، كان بيصرخ بطريقة عمري ما سمعتها قبل كده.
روايات المجهول
ماكانش عياط عادي بتاع جعان أو عايز ينام… لا.
كان صريخ مرعب، مليان وجع وخوف، لدرجة إنه كان بيقطع قلبي وأنا سامعه. ماكنتش متخيل إن طفل صغير يقدر يطلع الصوت ده.
“يا منى؟” ناديت وأنا برمي شنطة اللابتوب جنب الباب. لقيتها قاعدة عند رخامة المطبخ، دافنة وشها بين إيديها وبتترعش. أول ما بصّتلي همست بصوت مكسور:
“يا نهار أبيض…” قلت بسرعة وأنا بحاول أمسك أعصابي:
“هو بقاله قد إيه بيعيط كده؟” ردت وهي شبه هتنهار:
“من الصبح… طول اليوم. رضعته، غيرتله، حمّيته، هزّيته، حتى نزلت بيه بالعربية… مفيش حاجة نفعت!” مسكت إيدها وضغطت عليها بهدوء.
“خلاص… هنشوف مع بعض ماله.”
روايات المجهول
دخلنا أوضة البيبي. سريره الصغير كان في آخر الأوضة.
قربت منه وقلت بصوت واطي:
“مالك يا حبيبي؟ يمكن بابا يعرف إيه مزعلك.” لاحظت ضوء الشمس داخل من الشباك بين الستارة، فقفلتها كويس… مفيش فرق. فضلت أهديه، أغنيله، أضحكه، حتى قست حرارته… كانت طبيعية. بس قلبي كان بيقولي إن في حاجة غلط.
إحساس جوايا كان بيصرخ إن ده مش عياط طفل عادي. مسكت طرف المرتبة الصغيرة ورفعته… وفجأة جسمي كله اتجمد. اللي شوفته تحتها خلاني أصرخ بدون وعي: “يا ساتر يا رب!”
تراجعت خطوة لورا وقلبي بيدق بعنف.
تحت المرتبة مباشرة كان فيه جسم صغير ملفوف في فوطة بيضا. منى شهقت بخضة وقالت:
“إيه ده؟!” مدّيت إيدي وأنا متوتر وفتحت الفوطة بسرعة… ولقيت “دبوس حفاضات” مفتوح وطالع منه الطرف الحاد لفوق مباشرة ناحية ضهر آدم. اتجمدت في مكاني. بصّيت لابني اللي كان وشه أحمر من كتر العياط، وفهمت فورًا ليه كان بيصرخ بالشكل ده. كل مرة بيتحرك فيها أو نحاول نهديه… الدبوس كان بيغرز أكتر. منى انهارت في العياط:
“مستحيل! أنا غيرتله الصبح وماكنش فيه حاجة!”
خدت آدم بسرعة بين إيديا، وكنت بحاول أهدّيه وأنا حاسس إن الدم بيغلي جوايا. مين يحط حاجة زي دي في سرير طفل؟! بدأت أبص حواليّا بعصبية، لحد ما افتكرت إن والدة منى كانت عندنا الضهر تساعدها شوية. منى بصّتلي بتوتر وقالت:
“أنت… أنت فاكر إن ماما ممكن—” قاطعتها فورًا:
“مش باتهم حد… بس لازم نفهم إيه اللي حصل.” في اللحظة دي، آدم بدأ يهدى لأول مرة من ساعات. وشه الصغير كان مرهق جدًا، وعينيه شبه قفلوا من التعب.
منى حضنته وفضلت تبوس راسه وهي بتعيط:
“يا حبيبي… يا قلب ماما…” لكن أنا ماكنتش قادر أهدى. مسكت الدبوس بإيدي وبصيتله كويس… ولقيت عليه آثار دم صغيرة. ساعتها حسيت بحاجة أبشع. الدبوس ماكنش واقع بالغلط. كان متثبت عمدًا تحت المرتبة بطريقة تخليه يجرح الطفل أول ما يتحرك. طلعت موبايلي فورًا وراجعت كاميرا المراقبة اللي حاطينها في الصالة. قلبي كان بيدق وأنا بقدّم الفيديو بسرعة… لحد ما شفت حماتي داخلة أوضة آدم وهي فاكرة إن محدش شايفها.
وقفت قدام السرير دقيقة كاملة… وبعدها انحنت وحطت إيديها جوه السرير. ولما خرجت… كانت بتبتسم. ابتسامه باردة عمري ما هنساها. بصّيت لمنى، وهي بصّتلي بنفس الرعب. إيدي كانت بتترعش وأنا برجّع اللقطة تاني. حماتي دخلت الأوضة بهدوء… بصّت حواليها… وبعدها قربت من سرير آدم، وانحنت كأنها بتعدّل الغطا. لكن الكاميرا كانت واضحة. إيديها فضلت تتحرك تحت المرتبة كام ثانية… وبعدها قامت وخرجت. وهي خارجة… كانت مبتسمة. مش ابتسامة حنان.
ابتسامة خلت ضهري يقشعر. منى غطت بقها بإيديها وبدأت تعيط بانهيار:
“لا… لا… دي أمي… مستحيل تعمل كده!”
لكن الفيديو كان قدامنا. مافيش تفسير تاني. في اللحظة دي، موبايلي رن. اسم حماتي ظهر على الشاشة. أنا ومنى بصّينا لبعض، وبعدها فتحت الاسبيكر. قالت بصوت هادي بشكل غريب:
“ها… آدم بطل عياط؟” قلبي وقف. ردّيت وأنا بحاول أتحكم في غضبي:
“إنتِ عملتي إيه في سريره؟” ثواني صمت عدّت… وبعدها ضحكت ضحكة خفيفة. “كنت عايزة أعرف البنت دي هتعرف تهتم بابنها ولا لأ.” منى صرخت:
“إنتِ مجنونة؟! كان ممكن يأذيه!” حماتي ردت ببرود:
“الأمهات لازم يتعلموا… زمان كنا بنربي عيالنا من غير دلع.”
ساعتها فقدت أعصابي. صرخت فيها:
“إنتِ مش هتقربي من ابني تاني طول ما أنا عايش!” وقفلت المكالمة فورًا. منى كانت منهارة تمامًا على الكنبة وهي حاضنة آدم، وبتبصله كأنها خايفة يختفي منها. أما أنا… فكنت واقف أبص لباب البيت. لأول مرة في حياتي أحس إن الخطر ماكانش بره البيت… كان وسط العيلة نفسها. عدّى حوالي نص ساعة والبيت كله ساكت، إلا صوت نفس آدم الهادي وهو نايم على صدر أمه. لكن أنا ماقدرتش أهدى. فضلت ألف في الصالة رايح جاي، وكل شوية أبص لباب الشقة كأني مستني مصيبة تحصل.
وفجأة… سمعنا خبط عنيف على الباب. منى انتفضت بخضة. بصّيت من العين السحرية… واتجمدت. حماتي كانت واقفة برا. وشها كان جامد بشكل مرعب، وعينيها ثابتة بطريقة خلتني أتوتر أكتر. كانت بتخبط وهي بتقول بصوت عالي:
“افتح يا كريم. لازم آخد حفيدي.” صرخت منى من ورايا:
“ما تفتحش!” لكن الخبط زاد بعنف. “إنتوا مش فاهمين! الولد في خطر!” قلبي بدأ يدق بسرعة. فتحت الباب جزء صغير وأنا ماسكه بإيدي. قلت بغضب:
“إنتِ خلاص مالكيش دعوة بابني.” بصّتلي ببرود وقالت:
“لو كنتوا سمعتوني من الأول… ماكانش ده حصل.”
قلت باستغراب:
“إيه اللي حصل؟” هنا لأول مرة ملامحها اتغيّرت. الخوف ظهر على وشها. همست:
“في حد دخل أوضة الطفل امبارح بالليل.” حسيت ببرودة سرت في جسمي. “إنتِ بتقولي إيه؟” قالت بسرعة وهي تبص وراها كأن حد مراقبها:
“صحيت الفجر وسمعت صوت حركة في الأوضة. دخلت لقيت شباك البلكونة مفتوح. خفت يكون حد حط حاجة تأذي البيبي… فدورت تحت المرتبة.” صرخت فيها:
“كدابة! الفيديو بيوريكي وإنتِ بتحطي الدبوس!” هزت راسها بعنف:
“لا! كنت بشيله!” سكتنا كلنا. منى قربت وهي مرعوبة:
“يعني إيه حد دخل؟”
وفي اللحظة دي… سمعنا صوت خبط خفيف جاي من أوضة آدم. كلنا بصّينا ناحية الأوضة. آدم كان نايم مع منى في الصالة. يبقى… مين جوه الأوضة؟
اتجمدنا مكاننا.
الخبط اتكرر تاني… أهدى المرة دي، لكنه واضح. تك… تك… تك. منى حضنت آدم بقوة لدرجة إنه صحّي وبدأ يأنّ بصوت صغير. أما أنا، فحسيت العرق بينزل من ضهري. الأوضة فاضية. أنا متأكد. بصّيت لحماتي، لقيتها وشها قلب أصفر وهمست:
“قلتلك…” مسكت أقرب حاجة قدامي — عصاية المكنسة — وبدأت أمشي ناحية أوضة آدم ببطء. كل خطوة كانت تقيلة. الخبط وقف. فتحت الباب بسرعة… والأوضة كانت ضلمة وساكتة تمامًا. قلبي كان هينط من مكانه. بصّيت ناحية السرير… المرتبة مرفوعة من ناحية بسيطة، كأن حد كان بيفتش تحتها.
قربت أكتر. وفجأة… الستارة اتحركت. قفزت ناحيتها وشديتها بعنف. لكن ماكانش فيه حد. الشباك كان مفتوح سنة صغيرة، والهوا داخل يحرك الستارة. تنفست بعنف وحاولت أهدى نفسي. أكيد ده السبب. أكيد. لكن وأنا بقفل الشباك… لاحظت حاجة خلت الدم يتجمد في عروقي. آثار صوابِع صغيرة على الزجاج من بره. مش من جوه. من الخارج. وفي نفس اللحظة، سمعنا صوت رسالة وصلت على موبايل منى. فتحتها بإيد مرتعشة… وفجأة شهقت. “إيه؟!” صرخت وأنا بجري ناحيتها. ورّتني الشاشة.
كانت صورة لآدم… وهو نايم في سريره. الصورة متصورة من جوه أوضته. ومتبعوتة حالًا. وتحتها رسالة قصيرة: “المرة الجاية… خبّوه أحسن.” حسيت رجلي مش شيلاني. خدت الموبايل من إيد منى وأنا ببص للصورة بصدمة. الصورة كانت جديدة فعلًا… نفس الملاية، نفس الإضاءة الخافتة، وحتى اللعبة الصغيرة اللي جنب السرير كانت في مكانها. يعني اللي صوّرها كان جوه البيت. أو لسه قريب جدًا منه. صرخت:
“اقفلي الباب بالمفتاح حالًا!” منى جريت وهي حاضنة آدم، أما حماتي فكانت واقفة مكانها مرعوبة لأول مرة.
بصّيت على رقم المرسل. رقم غريب. اتصلت فورًا. رن مرة… مرتين… وبعدها اتفتح الخط. لكن ماحدش اتكلم. كل اللي سمعته كان نفس الصوت اللي سمعناه من أوضة آدم قبل شوية. تك… تك… تك. بعدها الخط اتقفل. في اللحظة دي، نور الشقة كله فصل. الصالة غرقت في الضلمة. منى صرخت. وآدم بدأ يعيط تاني… بنفس الصريخ المرعب. طلعت كشاف الموبايل بسرعة، وقلبي بيدق بجنون. وفجأة… سمعنا صوت حركة في المطبخ. صوت درج بيتفتح ببطء. بعدين صوت حاجة معدنية وقعت على الأرض.
مشيت ناحية المطبخ وأنا بحاول أتنفس. الكشاف كان بيتهز في إيدي. أول ما وصلت… الضوء وقع على الأرض. ولقيت سكينة المطبخ الكبيرة مرمية قدام الدرج المفتوح. لكن ده ماكانش أسوأ شيء. على الحيطة… كان فيه كلام مكتوب بمادة حمرا: “الطفل مش ابنك.” اتجمدت. حسيت الدنيا بتلف بيا. منى كانت ورايا، وأول ما قرأت الجملة شهقت وبصّتلي بصدمة ورعب. أما حماتي… فبصّت لمنى بنظرة غريبة جدًا. وبصوت واطي قالت: “أنا كنت عارفة إنه هيبدأ دلوقتي.”
لفّيت ناحية حماتي بسرعة.
“مين؟! مين اللي هيبدأ؟!” لكن قبل ما ترد… سمعنا صوت ضحكة خافتة جاية من طرقة الشقة. ضحكة راجل. باردة… ومليانة شماتة. جريت ناحية الصوت والكشاف في إيدي، لكن الطرقة كانت فاضية. باب الشقة مقفول بالمفتاح. الشبابيك كلها مقفولة. يبقى الصوت جه منين؟! ورجعت أبص للكلام المكتوب على الحيطة. “الطفل مش ابنك.” الجملة كانت بتاكل في دماغي. منى بدأت تعيط وهي تهز راسها بعنف:
“والله كدب! أقسم بالله يا كريم!” لكن حماتي قاطعتها بصوت مهزوز:
“هو رجع…” بصّيتلها بعصبية:
“مين رجع؟ اتكلمي!”
قعدت على الكرسي كأن رجليها ما بقتش شايلّاها. وقالت وهي بتبص لآدم: “قبل ما منى تعرفك… كان فيه شاب اسمه شريف.” منى شهقت:
“ماما اسكتي!” لكن حماتي كملت: “كان مهووس بيها. فضل سنين يراقبها ويطاردها في كل مكان. ولما سابته… اتجنن.” بدأت أحس ببرودة في أطرافي. حماتي كملت بصوت مرتعش: “في مرة اقتحم شقتها القديمة، والبوليس أخده بعدها. ومن وقتها اختفى.” بصّيت لمنى:
“ليه ماقولتيليش؟” ردت وهي بتعيط:
“لأني افتكرت الموضوع انتهى! بقاله سنين مختفي!” وفجأة… صوت إشعار طلع من موبايلها.
رسالة جديدة. فتحتها بإيد مرتعشة. وكان فيها صورة… صورة ليا أنا. متصورة دلوقتي. واقف في الصالة بالكشاف في إيدي. يعني اللي بيبعت الرسائل… كان شايفنا في اللحظة نفسها. وتحت الصورة مكتوب: “دلوقتي عرف الحقيقة؟ الدور الجاي على الطفل.”
حسيت الدم اتسحب من وشي. الصورة كانت متصورة من زاوية عالية… كأن في كاميرا متثبتة جوه الصالة. رفعت عيني بسرعة وبدأت أبص حواليا بجنون. وفجأة لمحت ضوء أحمر صغير ورا البرواز اللي فوق التلفزيون. جريت ناحيته ووقعت البرواز على الأرض.
وكانت هناك فعلًا. كاميرا صغيرة جدًا. منى صرخت وهي بتستخبى ورايا:
“يا نهار أسود!” نزعتها بسرعة وكسرتها برجلي، لكن في اللحظة دي سمعنا صوت باب السطح فوق الشقة بيتقفل بعنف. حد كان فوق. من غير تفكير جريت ناحية الباب وطلعت السلم بسرعة. قلبي كان هيقف. وصلت للسطح… وكان الهوا شديد والضلمة مالية المكان. بصّيت حواليا وأنا بلهث. وفجأة شفت ضل راجل بيجري ناحية آخر السطح. صرخت:
“وقف!” جريت وراه بكل قوتي. كان لابس هودي أسود، ووشه مش باين.
قبل ما يوصل للسور، رجله اتعلقت في سلك قديم ووقع على الأرض بع-نف. لحقت أمسكه من الجاكيت قبل ما يقوم. وبمجرد ما لفّ وشه ناحيتي… اتجمدت. كان شريف. وشه مرهق، دقنه طويلة، وعينيه مليانين جنون. ابتسم ابتسامة مخ-يفة وقال: “أخيرًا اتقابلنا يا كريم.” لكمته بكل غضبي. “إنت عايز مننا إيه؟!” ضحك وهو بينزف من بقه:
“عايز ابني.” صرخت فيه:
“آدم ابني أنا!” بصلي بثبات وقال:
“اسأل مراتك.” الكلمة نزلت عليا كالصاعقة. في اللحظة دي، منى طلعت السطح وهي بتعيط وحماتي وراها.
أول ما شريف شاف منى، عينيه لمعت بشكل مرعب. قال لها:
“قوليله الحقيقة.” منى وقعت على ركبها وهي منهارة. “كنت هقولك… والله كنت هقولك.” حسيت الدنيا بتلف. “تقولي إيه؟” بصّتلي والدموع مغرقة وشها:
“قبل ما أتجوزك بأسبوعين… شريف أجبرني أقابله آخر مرة.” شريف ضحك بصوت عالي. أما منى فكانت بتترعش:
“هو اعتدى عليا… وأنا خفت أقول لحد.” اتجمدت الصدمة جوايا. شريف قرب مني وهو مبتسم بجنون:
“ولما الطفل اتولد… عرفت إنه ابني.” لكن قبل ما ينطق بحرف تاني… حماتي طلعت مسدس صغير من شنطتها.
صرخت منى:
“ماما لأ!” لكن الطلقة خرجت. دوّت في السطح كله. شريف بصّ لصدره بصدمة… وبعدها وقع على الأرض. السكوت خيّم للحظة. حماتي كانت بتترعش وهي ماسكة المسدس. وقالت وهي بتبكي:
“مش هخليه يلمس حفيدي.” نزلت جنب شريف. كان بينهج بصعوبة، لكنه بصلي للمرة الأخيرة وقال: “حتى لو… مش ابنك… إنت الوحيد اللي حبيته فعلًا.” وبعدين عينيه ثبتت في الفراغ. ومات. بعدها بدقائق، صوت الشرطة والإسعاف ملّى المكان. ومن وسط الفوضى دي كلها… كنت باصص لآدم، الصغير اللي كان نايم بهدوء لأول مرة.
وساعتها فهمت حاجة واحدة بس: الأب الحقيقي… مش دايمًا اللي في الد-م. الأب الحقيقي هو اللي يختار يفضل. تمت المجهول
