
الفصل الرابع في الساعة الثانية عشرة وثلاث عشرة دقيقة بعد منتصف الليل… كان برج الشاذلي للأعمال مضاءً بالكامل. رغم أن معظم موظفي القاهرة كانوا نائمين. لكن الطابق الأربعين لم يكن يعرف النوم تلك الليلة. سلمى جلست خلف المكتب الضخم. وأمامها عشرات الملفات. وعلى الجانب الآخر جلس أحمد رشدي والمحامي محمود عزمي. الهواء داخل الغرفة كان ثقيلًا. ليس بسبب التعب. بل بسبب ما اكتشفوه. قلبت سلمى صفحة جديدة. ثم أخرى. ثم توقفت فجأة. رفعت رأسها ببطء.
وقالت: “لا…” نظر إليها المحامي. “إيه؟” دفعت الملف نحوه. فقرأ السطر. ثم شحب وجهه. حتى أحمد رشدي أغلق عينيه للحظة. لأنهم جميعًا كانوا يعرفون معنى تلك الورقة. كانت عقد بيع. لكن ليس لأي شيء عادي. بل لأرض ضخمة على أطراف القاهرة الجديدة. قيمتها الحالية تتجاوز ثلاثة مليارات جنيه. والغريب أن الأرض لم تُبع للشركة. بل لشركة أخرى مجهولة. ثم أعيد بيعها بعد أشهر بأضعاف السعر. قالت سلمى: “مين صاحب الشركة دي؟” فتح أحمد ملفًا آخر.
ثم قال: “اسميًا… شخص اسمه وليد الخولي.” “لكن فعليًا؟” رفع عينيه نحوها. “كريم الشاذلي.” ساد الصمت. ثلاثة مليارات جنيه. اختفت من الإمبراطورية. ثم ظهرت في جيب رجل واحد. في نفس اللحظة… داخل الجناح الملكي في سانتوريني. كانت نادية الشاذلي تتحدث بعصبية عبر الهاتف. “اعمل أي حاجة.” “لازم توقفوا التحقيق.” لكن الرد جاء باردًا. “إحنا ماعندناش سلطة دلوقتي.” أغلقت الخط بعنف. وشعرت بالخوف يتسلل إلى قلبها. لأنها بدأت تتذكر كل شيء. كل توقيع. كل مستند. كل صفقة.
كل مرة ساعدت ابنها على إخفاء الحقيقة. كل مرة أقنعت نفسها أن الأمر طبيعي. وأن العائلة تستحق أكثر. لكن الحقيقة كانت مختلفة. لقد تجاوزوا الخطوط كلها منذ سنوات. ولأول مرة بدأت تفكر: ماذا لو دخل كريم السجن؟ في صباح اليوم التالي… استيقظت القاهرة على خبر صادم. “مجموعة الشاذلي القابضة تعلن مراجعة مالية شاملة.” “تحقيق داخلي في جميع الصفقات السابقة.” “إيقاف عدد من المديرين التنفيذيين.” انتشرت الأخبار بسرعة. القنوات الاقتصادية. الصحف. المواقع الإخبارية. الجميع يتحدث.
الفصل الخامس
في الجهة الأخرى من القاهرة…
داخل شقة فاخرة مستأجرة في الزمالك…
كانت بسمة السيوفي تسير ذهابًا وإيابًا كأنها محاصرة.
الستائر مغلقة.
والهاتف لا يتوقف عن الرنين.
وصور وجهها بدأت تنتشر على مواقع الأخبار الاقتصادية.
“العشيقة المجهولة.”
“المرأة التي كانت ترافق كريم الشاذلي.”
“سبب انهيار زواج القرن.”
أغلقت الهاتف بعنف.
ثم نظرت إلى الرجل الجالس أمامها.
محامٍ مشهور في قضايا الشركات.
قال لها بهدوء:
“لازم تاخدي قرار.”
عضت شفتها.
“لو اتكلمت هضيع.”
هز رأسه.
“ولو ما اتكلمتيش هتضيعي أكتر.”
ساد الصمت.
ثم أخرج ملفًا صغيرًا.
ووضعه أمامها.
قال:
“الأدلة دي لو وصلت لسلمى… كريم انتهى.”
نظرت إلى الملف.
وشعرت بقشعريرة.
لأنها تعرف ما بداخله.
تعرفه جيدًا.
هي نفسها ساعدت في بعضه.
في نفس الوقت…
كانت سلمى تجلس داخل القصر.
أمامها صورة قديمة.
تعود إلى أول سنة زواج.
كانت تبتسم فيها.
أما كريم فكان يحتضنها.
وكأن العالم كله لا يهمه سواها.
ظلت تنظر للصورة طويلًا.
ثم أطفأت الشاشة.
وأغلقت الألبوم.
لأن المرأة التي في تلك الصورة لم تعد موجودة.
دخلت السكرتيرة.
وقالت:
“في حد عايز يقابل حضرتك.”
رفعت رأسها.
“مين؟”
ترددت الفتاة.
ثم قالت:
“بسمة السيوفي.”
ساد الصمت.
ثوانٍ طويلة.
ثم ابتسمت سلمى ابتسامة باردة.
وقالت:
“خليها تدخل.”
بعد دقائق…
دخلت بسمة.
ولأول مرة لم تكن ترتدي ملابس فاخرة.
ولا تحمل حقيبة باهظة.
ولا تبدو واثقة.
كانت متوترة.
مرهقة.
وخائفة.
وقفت أمام سلمى.
وتوقعت أن تسمع صراخًا.
أو إهانة.
أو طردًا.
لكن سلمى اكتفت بالنظر إليها.
ثم قالت:
“اتفضلي.”
جلست بسمة ببطء.
ولم تعرف من أين تبدأ.
حتى قالت أخيرًا:
“أنا مش جاية أدافع عن نفسي.”
لم ترد سلمى.
فأكملت:
“وجاية عشان أقول الحقيقة.”
أخرجت فلاشة صغيرة.
ووضعتها فوق المكتب.
ثم دفعتها نحوها.
تجمدت سلمى.
“إيه ده؟”
ابتلعت بسمة ريقها.
وقالت:
“السبب الحقيقي لكل اللي حصل.”
بعد نصف ساعة…
كانت سلمى تشاهد الملفات.
ملفًا وراء الآخر.
والصدمة تكبر.
ثم تكبر.
ثم تتحول إلى غضب حقيقي.
لأن ما رأته لم يكن مجرد خيانة زوجية.
ولا مجرد سرقة أموال.
بل شبكة كاملة من التلاعب.
عقود مزورة.
رشى.
حسابات خارجية.
صفقات بأسماء مستعارة.
وأسوأ من ذلك…
تسجيلات صوتية.
صوت كريم.
وصوت نادية.
وهم يخططون لكل شيء.
حتى زواجه منها.
نفسها.
شعرت بالدم يتجمد في عروقها.
وأعادت تشغيل التسجيل مرة أخرى.
جاء صوت نادية واضحًا:
“البنت دي مناسبة.”
“أبوها تعبان.”
“ومش هيعيش كتير.”
ثم ضحكة.
ثم صوت كريم.
“ولما الحصص تنتقل؟”
ردت نادية:
“هنبقى إحنا أصحاب كل حاجة.”
توقفت أنفاس سلمى.
وأكملت التسجيل.
“وهي؟”
ضحكت نادية.
“سيبها عليا.”
“أنا أعرف أكسرها.”
أغلقت التسجيل فجأة.
لأنها شعرت أن الغرفة تدور بها.
سنوات.
سنوات كاملة.
لم تكن زوجة.
كانت خطة.
مجرد خطوة داخل مشروع استيلاء طويل.
رفعت رأسها نحو بسمة.
وقالت بصوت منخفض:
“ليه بتعملي كده؟”
صمتت بسمة للحظة.
ثم قالت:
“لأني كنت غبية.”
نظرت إليها سلمى.
فأكملت:
“أنا افتكرت إنه بيحبني.”
ضحكت بمرارة.
“بعد ما الفلوس راحت اكتشفت إنه عمره ما حب حد غير نفسه.”
ساد الصمت.
ثم أضافت:
“وبعدين عرفت إنه بيخدعني أنا كمان.”
رفعت سلمى حاجبها.
“إزاي؟”
أخرجت بسمة هاتفها.
وفتحت صورًا.
ثم دفعتها نحوها.
كانت لامرأة أخرى.
جميلة.
أصغر منها.
وتجلس في أحضان كريم.
تاريخ الصور؟
قبل أسبوعين فقط.
في الوقت نفسه الذي كان يعدها فيه بالزواج.
أغمضت بسمة عينيها.
وقالت:
“إحنا الاتنين كنا ضحايا لنفس الشخص.”
في تلك الليلة…
كان كريم داخل جناحه بأحد الفنادق.
وحيدًا.
يشرب للمرة الأولى منذ سنوات دون أن يشعر بأي متعة.
كل شيء ينهار.
الصحافة بدأت تنشر.
المستثمرون ينسحبون.
أصدقاؤه اختفوا.
حتى بعض أفراد العائلة توقفوا عن الرد.
ثم رن هاتفه.
رقم مجهول.
رد بعصبية:
“مين؟”
جاءه صوت رجل.
هادئ.
رسمي.
وقال:
“معاك المستشار ياسر محمود من النيابة الاقتصادية.”
تجمد كريم.
ثم أكمل الرجل:
“حضرتك مطلوب للحضور صباح الغد بخصوص بعض البلاغات الجديدة.”
شعر وكأن الهواء اختفى من الغرفة.
وسأل بصعوبة:
“بلاغات إيه؟”
جاءه الرد:
“هتعرف بكرة.”
وأغلق الخط.
في نفس اللحظة…
كانت سلمى تقف في شرفة القصر.
تنظر إلى أضواء القاهرة البعيدة.
والهواء الليلي يلامس وجهها.
اقترب منها المحامي محمود عزمي.
وقال:
“الأدلة كفاية.”
“القضية انتهت.”
ظلت صامتة.
ثم قالت:
“لا.”
نظر إليها باستغراب.
فأكملت:
“لسه.”
“في حاجة ناقصة.”
“أنا عايزة الحقيقة كلها.”
سألها:
“تقصدي إيه؟”
استدارت نحوه.
وفي عينيها ذلك البريق الذي لم يره منذ زمن.
ثم قالت:
“أنا عايزة أعرف مين الشخص اللي كان بيمول كريم من البداية.”
“لأن الراجل ده أكبر من مجرد نصاب.”
تجمد المحامي.
لأنه كان يفكر في الأمر نفسه.
فبعض التحويلات التي ظهرت في الملفات…
لم تكن صادرة من كريم.
ولا من نادية.
ولا من بسمة.
بل من اسم مجهول.
اسم تكرر عشرات المرات.
دون أي بيانات حقيقية.
اسم واحد فقط.
“الشريك.”
وفي اللحظة التي نطق فيها المحامي بالاسم…
رن هاتف سلمى.
وصلتها رسالة جديدة.
من رقم غير معروف.
احتوت على صورة واحدة فقط.
صورة قديمة جدًا.
تعود إلى أكثر من عشرين سنة.
وفيها…
والدها الراحل.
واقفًا بجوار رجل لم تره في حياتها من قبل.
لكن أسفل الصورة كانت هناك جملة قصيرة جعلت الدم يتجمد في عروقها:
“إذا أردتِ معرفة من دمر حياتك… ابدئي بهذا الرجل.”
وكانت تلك مجرد بداية السر الأكبر.

