
الفصل الثالث
في سانتوريني…
اختفى اللون تمامًا من وجه كريم الشاذلي.
ظل يحدق في شاشة الهاتف كأن الكلمات ستتغير إذا نظر إليها مدة أطول.
لكنها لم تتغير.
بل ظهرت رسالة جديدة.
ثم أخرى.
ثم أخرى.
إلغاء صلاحية التوقيع.
إلغاء صلاحية الوصول إلى الحسابات الاستثمارية.
إيقاف بطاقات الشركة.
تجميد المصروفات التنفيذية.
شعر لأول مرة منذ سنوات أن الأرض تهتز تحت قدميه.
قالت بسمة بقلق:
“كريم… رد عليا.”
رفع رأسه ببطء.
وكانت عيناه مليئتين بشيء لم تره فيه من قبل.
الخوف.
قال:
“لازم أرجع القاهرة.”
تدخلت نادية بسرعة:
“استنى.”
“أكيد سوء تفاهم.”
نظر إليها.
ولأول مرة لم يجد في كلامها أي طمأنينة.
لأنها هي نفسها كانت خائفة.
خائفة من اسم واحد.
سلمى.
في القاهرة…
كانت الساعة تقترب من الرابعة عصرًا.
بينما دخلت سلمى إلى مقر الشركة الرئيسي في التجمع الخامس.
لأول مرة منذ سنوات.
لم تكن تزوره كثيرًا.
كريم كان دائمًا يقول إن عالم الأعمال لا يناسبها.
وأنها لا تفهم شيئًا في الإدارة.
وأن الأفضل لها أن تهتم بالمنزل والحفلات الخيرية.
لكن ما إن دخلت حتى وقف موظف الاستقبال مذعورًا.
“مدام سلمى؟”
ابتسمت بهدوء.
“أيوه.”
بعد عشر دقائق فقط…
كانت تجلس في أكبر قاعة اجتماعات داخل البرج.
حولها مجلس الإدارة بالكامل.
وجميعهم يعرفون الحقيقة.
ويعرفون والدها.
ويعرفون أن اليوم الذي كانوا ينتظرونه منذ سنوات قد وصل أخيرًا.
قال أحد الأعضاء:
“والد حضرتك كان متوقع إن اللحظة دي تيجي.”
وضعت ملفًا أمامها.
“إيه حجم الخسائر؟”
بدأت الأرقام تظهر.
رحلات خاصة.
سيارات فارهة.
عقارات.
مكافآت خيالية.
مصاريف شخصية.
كلها سُجلت كنفقات تشغيل.
ومع كل رقم كانت ملامح سلمى تزداد برودًا.
حتى وصلوا إلى الرقم النهائي.
أكثر من مئتي مليون جنيه.
أنفقها كريم خلال أربع سنوات.
على حياته الفاخرة.
وعلاقاته.
وعشيقاته.
وسفراته.
تنهد أحد أعضاء المجلس.
“الحقيقة إن الشركة كانت قوية لدرجة إنها استحملت.”
أغلقت الملف.
وقالت:
“بس مش هتستحمل أكتر.”
ثم أضافت:
“اعزلوه.”
ساد الصمت.
ثم قال الرجل:
“قرار العزل جاهز.”
“نحتاج توقيعك فقط.”
أخذت القلم.
وقعت.
في ثانيتين.
انتهت سنوات من السلطة الوهمية.
في نفس اللحظة…
كان كريم يصرخ داخل مكتب إدارة الفندق في سانتوريني.
“أنا عايز أكلم البنك.”
“حساباتي كلها!”
“دلوقتي!”
لكن الموظف كان ينظر إليه باعتذار.
“سيدي… بطاقتك مرفوضة.”
جرب بطاقة أخرى.
مرفوضة.
وثالثة.
مرفوضة.
ورابعة.
مرفوضة.
بدأ العرق يتجمع فوق جبينه.
التفت إلى بسمة.
“استخدمي بطاقتك.”
ارتبكت.
ثم أخرجتها.
لكن الرصيد لم يكن يكفي حتى نصف تكلفة الجناح.
تغير وجهها فورًا.
لأنها بدأت تدرك شيئًا مرعبًا.
هي لم تكن تحب كريم.
بل كانت تحب المال.
والمال بدأ يختفي.
في القاهرة…
أنهت سلمى الاجتماع.
ثم اتجهت إلى قسم الموارد البشرية.
قالت للمديرة:
“عايزة ملفات الموظفين القدام.”
بعد دقائق بدأت تقرأ.
واحدًا تلو الآخر.
حتى توقفت عند اسم معين.
أحمد رشدي.
مدير مالي سابق.
تم فصله قبل ثلاث سنوات.
السبب؟
اعتراضه على بعض المصروفات.
رفعت حاجبها.
“هاتوا رقمه.”
بعد ساعة…
كان يجلس أمامها.
رجل في الخمسين من عمره.
ملامحه متعبة.
لكنه بدا محترمًا.
قالت مباشرة:
“إنت اترفدت ليه؟”
ابتسم بمرارة.
“عشان قلت الحقيقة.”
ثم فتح حقيبة جلدية قديمة.
وأخرج ملفات.
كثيرة.
جدًا.
وضعتها أمامها.
وقال:
“أنا كنت مستني اليوم ده.”
بدأت تقلب الأوراق.
ثم تجمدت.
تحويلات مالية.
شركات وهمية.
فواتير مزورة.
حسابات مخفية.
ملايين الجنيهات.
اختفت عبر سنوات.
أغمضت عينيها.
وقالت:
“كل ده كريم؟”
هز رأسه.
“وكمان والدته.”
ساد الصمت.
ثم أضاف:
“وفي حد تالت.”
رفعت رأسها.
“مين؟”
تردد الرجل.
ثم قال:
“بسمة السيوفي.”
في اليونان…
كانت بسمة تجمع حقائبها سرًا.
لم تعد تبتسم.
لم تعد تلتقط الصور.
ولم تعد تنشر أي شيء على مواقع التواصل.
كانت تقرأ الأخبار المالية القادمة من القاهرة.
وتشعر بالرعب.
كريم لم يعد المدير التنفيذي.
الشركة أعلنت تغيير الإدارة.
مجلس الإدارة عقد اجتماعًا طارئًا.
وسعر أسهم المجموعة بدأ يرتفع بعد إعلان الإصلاحات.
وهنا فقط فهمت الحقيقة.
سلمى ليست الزوجة المهملة.
سلمى هي المال نفسه.
خرجت من الغرفة.
ونظرت إلى كريم.
كان يجلس وحده.
يمسك رأسه بين يديه.
لأول مرة يبدو عجوزًا.
ومهزومًا.
وفجأة أدركت أنها راهنت على الحصان الخطأ.
في تلك الليلة…
كانت سلمى تقف أمام النافذة الزجاجية لمكتب والدها.
تنظر إلى أضواء القاهرة.
بينما رن هاتفها.
رقم كريم.
حدقت فيه طويلًا.
ثم ضغطت قبول.
جاءها صوته مبحوحًا.
“سلمى.”
لم ترد.
قال بسرعة:
“إحنا لازم نتكلم.”
ظلت صامتة.
فأضاف:
“في سوء فهم.”
ابتسمت.
أخيرًا تكلمت.
لكن بصوت لم يسمعه منها من قبل.
“سوء فهم؟”
ابتلع ريقه.
“أنا كنت مضغوط.”
“بسمة ما تعنيش حاجة.”
“والسفر كان غلطة.”
ضحكت سلمى.
ضحكة قصيرة.
باردة.
مؤلمة.
ثم قالت:
“والفلاحة الغبية؟”
صمت.
“والخدامة؟”
صمت.
“والفلوس اللي سرقتها؟”
صمت.
“والسنين اللي ضيعتها من عمري؟”
لم يجد إجابة.
فقال أخيرًا:
“أنا آسف.”
نظرت إلى صورة والدها الموضوعة فوق المكتب.
ثم قالت بهدوء قاتل:
“متتعبش نفسك.”
“لسه ما بدأتش أحاسبك أصلًا.”
ثم أغلقت الخط.
وبينما كان كريم ينظر إلى الهاتف المظلم في يده…
كانت سلمى توقع أول أمر رسمي بفتح تحقيق شامل في جميع شركات المجموعة.
دون أن يعرف…
أن الملفات التي تركها أحمد رشدي على مكتبها…
كانت تحتوي على سر واحد فقط.
سر إذا خرج للعلن…
فلن يخسر كريم الشركة فقط.
بل سيخسر اسمه كله.
وللمرة الأولى في حياته…
سيعرف معنى السقوط الحقيقي.
