
اتصلت بي ابنتي من جهازها اللوحي وهمست:ماما… ليه بابا بيصور دهبك؟
كان زوجي أحمد دائمًا هو الشخص الهادئ.
الشخص المتزن.
لمدة إحدى عشرة سنة، كنت أقول للجميع إنني محظوظة به.
كان يدفع الفواتير في موعدها، ويصلح أي شيء يحتاج إلى إصلاح دون أن أطلب منه، ولم يرفع صوته يومًا، ولم يفتعل أي مشكلة.
كانت أمي تقول دائمًا:
— “الراجل الهادي أمان.”
وكنت أصدقها.
في ذلك الإثنين، كنت في الإسكندرية لحضور دورة تدريبية خاصة بالعمل، على بُعد ثلاث ساعات من منزلنا في القاهرة.
كان من المفترض أن أغيب ليلة واحدة فقط.
بقي أحمد في المنزل مع ابنتنا ليان ذات السبع سنوات، ولم يكن لدي أي سبب يدفعني للقلق.
كان يُحضّر لها سندوتشات المدرسة.
ويساعدها في واجباتها.
ويعرف تمامًا كيف تحب كوب اليانسون الدافئ قبل النوم.
على الأقل… هذا ما كنت أقنع نفسي به.
كنت أجلس في قاعة اجتماعات بأحد الفنادق، أتظاهر بالإنصات للمحاضر، عندما بدأ هاتفي يهتز داخل حقيبتي.
كانت المتصلة: ليان.
خرجت إلى الممر وأجبت بسرعة:
— “إزيك يا حبيبتي؟ كل حاجة كويسة؟”
لم ترد فورًا.
ثم همست بصوت خافت:
— “ماما… ليه بابا بيصوّر دهبك؟”
انقبض قلبي فجأة.
— “يعني إيه؟”
— “فتح دولابك… وصوّر علبة الدهب بتاعة الخواتم… وكمان الملف الأزرق اللي في درج التسريحة.”
توقفت أنفاسي للحظة.
— “بابا فين دلوقتي؟”
— “في أوضتك.”
ثم سمعت صوت أحمد من خلال السماعة:
— “ليان؟ بتكلمي مين؟”
وانقطع الاتصال.
غادرت الاجتماع فورًا دون أن أشرح لأحد شيئًا.
استغرقت رحلة العودة إلى القاهرة ثلاث ساعات كاملة.
اتصلت بأحمد ست مرات.
ولم يرد مرة واحدة.
وعندما وصلت أخيرًا إلى البيت، كانت كل الأنوار مضاءة.
دفعت الباب ودخلت مسرعة إلى الصالة.
ثم تجمدت في مكاني عندما رأيت ما كان أمامي. كان أحمد جالسًا على طاولة السفرة. وأمامه كل محتويات الملف الأزرق. عقود البيت. أوراق الحسابات البنكية. وصور لكل قطعة من دهبي مرصوصة على شاشة اللابتوب. رفع رأسه بهدوء عندما رآني. وكأن عودتي المفاجئة لم تزعجه إطلاقًا. قلت وأنا أحاول السيطرة على ارتجاف صوتي: — “إنت بتعمل إيه؟” أغلق اللابتوب ببطء. ثم قال: — “كنت هكلمك.” نظرت إلى الأوراق. — “بعد ما تخلص تصوير كل حاجة؟” في تلك اللحظة خرجت ليان من غرفتها وركضت نحوي.
احتضنتني بقوة. شعرت بأن الصغيرة كانت خائفة. أبعدت أحمد بنظري عنها وقلت: — “روحي أوضتك يا حبيبتي.” انتظرت حتى أغلقت الباب. ثم التفت إليه. — “عايزة تفسير حالًا.” تنهد أحمد. ثم قال الجملة التي قلبت حياتي كلها: — “أنا غرقت في الديون.” شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدمي. — “إيه؟!” جلس على الكرسي وأخفض رأسه. — “من سنة تقريبًا.” — “سنة؟!” — “خسرت فلوس في استثمار مع واحد صاحبي.” لم أصدق ما أسمعه. الرجل الهادئ.
الرجل المسؤول. كان يخفي عني كار-ثة كاملة طوال عام. قال بصوت مكسور: — “في الأول افتكرت هعوض الخسارة بسرعة.” — “وبعدين؟” — “استلفت عشان أغطي الخسارة.” سكت لحظة. — “وبعدين استلفت تاني عشان أسدد الأول.” أغلقت عيني. كنت أعرف جيدًا إلى أين يقود هذا الطريق. سألته: — “وصلت لكام؟” أجاب بعد تردد: — “مليون ومتين ألف جنيه.” كدت أسقط من الصدمة. — “مليون ومتين ألف؟!” هز رأسه. ثم أضاف: — “وفي ناس بدأت تهددني.” في تلك اللحظة شعرت بالغضب أكثر من الخوف.
ليس بسبب الديون. بل بسبب الكذب. سنة كاملة. ينام بجواري كل ليلة. ويتصرف وكأن شيئًا لم يحدث. ثم يخطط لبيع ذهبي دون أن يخبرني. قلت بحدة: — “كنت ناوي تعمل إيه؟” نظر إلى الأرض. — “أبيع الدهب.” — “من غير ما أعرف؟” لم يرد. وكان هذا الرد كافيًا. في صباح اليوم التالي ذهبت إلى البنك. وسحبت كشفًا بكل الحسابات المشتركة بيننا. وهناك اكتشفت الصدمة الثانية. لم تكن الديون مليونًا ومئتي ألف. بل تجاوزت المليونين. كان قد كذب مرة أخرى.
عدت إلى المنزل وأنا أحمل الأوراق. وعندما واجهته بها، شحب وجهه تمامًا. همس: — “كنت خايف.” قلت ببرود: — “وأنا بقيت خايفة منك.” ولأول مرة خلال أحد عشر عامًا… لم أعد أرى أمامي الرجل الهادئ. بل رجلًا غريبًا تمامًا. لكن الكارثة الحقيقية لم تكن الديون. ولا صور الدهب. ولا حتى الأكاذيب. الكارثة ظهرت بعد يومين فقط… عندما طرق باب منزلنا رجلان لا أعرفهما. وقال أحدهما: — “إحنا جايين نستلم حقنا… أو ناخد اللي يساويه.” وعندها فقط عرفت أن أحمد لم يكن مدينًا لأشخاص عاديين… وأن المشكلة أكبر بكثير مما تخيلت. 😳
(يتبع…)
