
الفصل الرابع سقط الملف من يد سليم. وتجمد مكانه وهو ينظر إلى الاسم المكتوب خلف الصورة. “فارس المنصوري.” ليان رفعت عينيها نحوه. “إنت تعرفه؟” لكن سليم لم يرد فورًا. كان عقله يعود عشرات السنين إلى الوراء. إلى حرب رجال الأعمال القديمة. إلى الصراع الذي مزق أكبر عائلتين في البلد. عائلة الحديدي. وعائلة المنصوري. صراع بدأ على شركات ومشروعات. ثم تحول إلى كراهية. ثم إلى انتقام. ثم إلى دم. ولم يتوقف أبدًا. اقترب سليم ببطء من السرير.
وأخذ الصورة من يدها. “مين اللي جاب الصورة دي هنا؟” ليان هزت رأسها. “ماعرفش.” في تلك اللحظة دخل اثنان من رجال الأمن. فسألهم سليم بغضب: “مين دخل الأوضة؟” نظر الرجلان لبعضهما. ثم قال أحدهما: “محدش يا فندم.” قبض سليم على الصورة بقوة. “يبقى فيه حد قدر يوصل لها من غير ما حد يحس.” شعر الجميع بالقلق. إذا كان شخص مجهول استطاع الدخول إلى غرفة ليان داخل المستشفى المحمية، فهذا معناه أن هناك لعبة أكبر بكثير مما توقعوا.
بعد ساعة… كانت نجلاء الحديدي جالسة بجوار ليان. تمسك يدها. وترفض أن تتركها للحظة واحدة. كلما نظرت إليها شعرت أن قلبها يلتئم قليلاً. خمسة وعشرون عامًا من الفقد. خمسة وعشرون عامًا من البكاء. والآن ابنتها أمامها. لكن خوفًا جديدًا بدأ يتسلل إلى قلبها. ماذا لو خسرتها مرة أخرى؟ في الوقت نفسه… كان كريم يجلس وحده داخل مكتبه. القاعة الفخمة حوله بدت فارغة. والصمت كان يقتله. كل شيء انهار خلال ساعات. زواجه. سمعته. صورته أمام الناس.
والأسوأ… أنه بدأ يدرك حجم الخطأ الذي ارتكبه. فتح هاتفه. ظل ينظر إلى صورة ليان القديمة. صورة التقطها لها يوم زفافهما. كانت تضحك وقتها. وتنظر إليه وكأنه أهم شخص في العالم. أغلق عينيه بقوة. لأنه تذكر شيئًا مؤلمًا. آخر مرة ضحكت له بنفس الطريقة كانت منذ أكثر من عام. قبل أن تدخل رنا حياتهما. قبل أن يبدأ هو نفسه في تدمير كل شيء. رن هاتفه فجأة. نظر إلى الشاشة. رقم مجهول. رد بتردد. “ألو؟” جاءه صوت رجل هادئ.
“لو عايز تنقذ مراتك… اسمع كويس.” اعتدل كريم في جلسته فورًا. “مين معايا؟” “الأسئلة مش ليك.” “إنت عايز إيه؟” ضحك الرجل بخفة. “عايز أقولك إن اللي بيحصل دلوقتي مجرد البداية.” ثم أغلق الخط. قفز كريم من مكانه. أعاد الاتصال. لكن الرقم اختفى تمامًا. كأنه لم يكن موجودًا من الأساس. في مكان آخر… داخل القصر الضخم. وقف فارس المنصوري أمام نافذة كبيرة تطل على المدينة. كان في أواخر الخمسينات. شعره اختلط فيه الشيب. لكن هيبته ما زالت مخيفة.
دخل مساعده وقال: “سيدي… الرسالة وصلت.” أومأ فارس برأسه. “وكريم؟” “اتوتر جدًا.” ابتسم فارس. “كويس.” سكت قليلًا. ثم نظر إلى صورة قديمة فوق مكتبه. صورة لطفلة رضيعة. نفس الطفلة الموجودة في الصورة التي وصلت إلى ليان. لمع الحزن في عينيه للحظة. ثم اختفى سريعًا. وقال: “قريب جدًا.” “قريب إيه يا سيدي؟” تنهد ببطء. “قريب هتعرف بنتي الحقيقة كلها.” في المستشفى… كانت ليان تحاول النوم. لكن عقلها لم يتوقف. كل دقيقة تكتشف سرًا جديدًا. كل ساعة تنقلب حياتها أكثر.
فجأة شعرت بحركة قوية داخل بطنها. وضعت يدها عليه. وابتسمت لأول مرة منذ أيام. التوأمان. هما الشيء الوحيد الذي ما زال يمنحها شعورًا بالأمان. لكن ابتسامتها اختفت سريعًا. عندما دخل الطبيب فجأة. وكان وجهه متوترًا. “مدام ليان…” رفعت رأسها. “فيه إيه؟” نظر الطبيب إلى سليم ثم إلى نجلاء. ثم قال: “في نتائج التحاليل حاجة محتاجين نتكلم فيها فورًا.” شعرت ليان بالخوف. “خير؟” سكت الطبيب لثوانٍ. ثم قال: “في احتمال كبير إن الولادة تحصل قبل موعدها بوقت طويل.”
شحب وجهها. “يعني إيه؟” “يعني الحمل بقى عالي الخطورة جدًا.” نجلاء أمسكت يدها بقوة. أما سليم فشعر بقلق حقيقي لأول مرة. لكن الصدمة الأكبر جاءت بعد دقائق. حين دخلت ممرضة تحمل ملفًا جديدًا. وقالت: “وصلت نتيجة تحليل الحمض النووي.” التفت الجميع نحوها. الممرضة فتحت الملف. ثم قالت: “النتيجة أكدت إن الآنسة ليان ابنة السيدة نجلاء الحديدي بنسبة 99.99%.” دموع نجلاء انفجرت فورًا. أما ليان فبكت هي الأخرى. لكن قبل أن يفرح أحد… أكملت الممرضة: “وفي نتيجة تانية.”
نظر الجميع إليها. فتحت الصفحة الأخيرة. ثم تجمدت. “إيه؟” سألها سليم بحدة. رفعت رأسها ببطء. وقالت: “التحليل أثبت كمان إن في صلة قرابة مباشرة بين ليان وفارس المنصوري.” الصمت ضرب الغرفة. ليان شعرت أن قلبها سقط في الفراغ. نجلاء شهقت. أما سليم فبدا كأنه تلقى ضربة قوية. ثم قال ببطء: “مستحيل…” لكن الممرضة هزت رأسها. “النتائج مؤكدة.” ليان همست بصوت مرتعش: “يعني إيه؟” نظر سليم إلى الورقة. ثم إلى ليان. ثم قال الجملة التي غيرت كل شيء:
“يعني فارس المنصوري… مش مجرد شخص يعرفك.” توقفت أنفاس الجميع. وأكمل: “فارس المنصوري… هو أبوك الحقيقي.” يتبع…
