Advertisements
Advertisements
منوعات

الدمية الجزء الرابع حكايات اسما السيد

Advertisements

فضلت واقفة قدام الدمية يمكن دقيقة كاملة… مش قادرة ألمسها. قلبي كان بيقولي اهربي. لكن عقلي كان فاهم حاجة واحدة:
القصة ما خلصتش. لين كانت بدأت تنام فعلًا، فخدت الورقة بهدوء وخرجت أقفل باب أوضتها. أول ما دخلت الصالة…
فتحت الرسالة كاملة. كان فيها عنوان واحد بس. “دار الرحمة — الفيوم” وتحته معاد: “الخميس — ١١:٣٠ مساءً” وفي آخر السطر: “لو جالك الظرف… يبقى كريم مات.” نفسي اتقطع. جريت للموبايل واتصلت برقم كريم القديم. مغلق.

مرة…
واتنين…
وعشرة. مفيش. وفي اللحظة دي…
وصلتلي رسالة مجهولة. صورة فقط. فتحتها… واتجمدت. الصورة كانت لكريم. مربوط على كرسي.
متغطي دم.
وعينه اليمين متورمة بالكامل. لكن اللي قتلني فعلًا…
الجملة المكتوبة على الحيطة وراه باللون الأحمر: “آخر فرصة.” وأسفل الصورة فيديو مدته ٧ ثواني. ضغطت تشغيل. كريم رفع راسه بصعوبة ناحية الكاميرا وقال: — ماتثقيش… بأي طفل يطلع من الدار… والفيديو اتقفل فجأة على صوت صراخ مرعب. إيديا كانت بتترعش. دخلت أبص على لين.

كانت نايمة بسلام. وبرغم كل اللي حصل…
ماقدرتش أتراجع. الخميس، الساعة ١١:٢٠ مساءً… كنت واقفة قدام “دار الرحمة”. المكان كان قديم جدًا.
مبنى رمادي معزول وسط أرض زراعية. لكن الغريب…
إن الأنوار كانت شغالة، وصوت ضحك أطفال طالع من جوا. قلبي اتقبض. خبطت الباب الحديد. وبعد لحظات…
فتحتلي ست كبيرة في السن. لابسة إسدال أبيض.
وابتسامتها هادية بشكل غريب. — اتفضلي يا بنتي… كنا مستنيينك. الدم جمد في عروقي. — مستنييني؟ هزت راسها ببساطة:
— كريم قال إنك هتيجي.

دخلت بحذر. الأطفال كانوا قاعدين يرسموا ويلعبوا عادي جدًا. كل حاجة طبيعية. طبيعية زيادة عن اللزوم. الست قادتني لمكتب صغير في آخر الممر. وأول ما فتحت الباب… شهقت. كريم كان هناك فعلًا. حي. لكنه كان أضعف بكتير.
ودراعه الشمال متجبّسة. أول ما شافني…
ابتسم بتعب. — كنت عارف إنك هتيجي. صرخت فيه:
— إنت مجنون؟! الصورة دي كانت إيه؟! بص بعيد للحظة. — تحذير. — من إيه؟! سكت ثواني…
وبعدين فتح درج المكتب وطلع ملف سميك.

حطه قدامي. — لأن الشبكة ما انتهتش بموت حسام… الشبكة بدأت قبله بسنين. فتحت الملف… ولقيت صور أطفال. كتير. بعضهم عليهم علامة “تم النقل”. وبعضهم… عليهم ختم أحمر مكتوب فيه: “نسخة ناجحة.” بطني اتقلب. رفعت عيني عليه:
— يعني إيه نسخة؟! كريم بلع ريقه. وبص ناحية باب المكتب المقفول. وهمس: — الأطفال اللي أنقذناهم من المستشفى… مش كلهم أطفال مخطو-فين. قلبي بدأ يدق بعنف. — قصدك إيه؟ عينيه اتمليت خوف حقيقي. وقال الجملة اللي غيّرت كل حاجة:

— بعضهم… اتخلقوا مخصوص. ضحكت تلقائيًا من التوتر. — إيه يعني “اتخلقوا مخصوص”؟! إنت سامع نفسك؟ لكن كريم ما ضحكش. كان مرعوب بجد. فتح الملف بسرعة وطلع صور وتحاليل وأوراق مختومة. أطفال.
نفس الملامح.
نفس لون العيون.
نفس الشامات أحيانًا. وكأنهم نسخ من بعض. همس:
— الشبكة بدأت كاتجار أطفال… بعدين ناس أكبر دخلت بتمويل أبحاث غير قانونية. استنساخ… تعديل جيني… هويات بديلة. حسيت معدتي بتتقلب. — ده جنان. — كنت فاكر كده أنا كمان… لحد ما شفت بعيني.

سحب صورة وحطها قدامي. اتجمدت. الصورة كانت لطفلة شبه لين بشكل مخيف. مش شبه عادي…
نسخة تقريبًا. وتحت الصورة تاريخ ميلاد أقدم من لين بسنتين. اسمي اتسحب من صد–ري:
— دي… مين؟ كريم رد بصوت مبحوح:
— اسمها ليلى… كانت في المستشفى القديم. نفسي بقى تقيل. كل حاجة فجأة رجعت تضر-ب في دماغي:
الفيديو اللي حسام ورّاهولي…
شبه لين…
كلام نادين…
الأطفال… همست:
— لين… تبقى إيه في الموضوع ده؟ كريم سكت. وده كان أسوأ رد ممكن.

صرخت:
— اتكلم! قفل الملف بسرعة وقال:
— عشان كده قلتلك ماتثقيش بأي طفل يطلع من الدار. وفي اللحظة دي… سمعنا صوت ضحك أطفال برا المكتب. لكن الضحك وقف فجأة. وبعدين… صوت خطوات جماعية. بطيئة.
منتظمة. كل الأطفال اللي في الممر بدأوا يقفوا قدام باب المكتب. من تحت الباب كنت شايفة ضلال رجليهم الصغيرة. واحد…
اتنين…
عشرة… كريم وشه شحب بالكامل. همس:
— لا… عرفوا إنك شوفتي الملف. رجعت خطوة لورا. وفجأة… الأطفال كلهم قالوا بصوت واحد:

— مريم… الهواء اختفى من الأوضة. صوتهم كان متطابق بشكل مر-عب. وبعدين نفس الصوت الجماعي قال: — لين لازم ترجع. إيديا ساقعة.
قلبي بيخبط بعنف لدرجة حسيتهم سامعينه برا الباب. الأطفال فضلوا واقفين في الممر…
ساكتين. لكن وجودهم وحده كان مرعب. كريم جرى قفل درج المكتب وخطف الملف بسرعة. همس:
— اسمعيني كويس… لو حصل أي حاجة، ماتخليش حد يقرب من لين. صرخت بعصبية:
— تفهمني الأول! بنتي مالها؟! قبل ما يرد… الباب اتفتح ببطء.

الست العجوز دخلت. لكن ابتسامتها الهادية اختفت. عينيها كانت جامدة بشكل مخيف. بصت لكريم:
— كان المفروض تسلّم الملف. كريم رفع المسدس فورًا. الأطفال في الممر ما اتحركوش حتى. الست قالت بهدوء:
— كل مرة بتحاولوا توقفوا المشروع… بتفشلوا. صرخت:
— مشروع إيه؟! لفّت ناحيتي ببطء. وقالت الجملة وكأنها بتتكلم عن حاجة عادية جدًا: — إعادة تصنيع البشر. نفسي اتقطع. كريم شدني من دراعي:
— يلا. فتح باب خلفي صغير جوه المكتب. طلع على سلم ضيق نازل تحت الأرض.

نزلنا بسرعة وأنا حرفيًا مش قادرة أستوعب أي حاجة. ورايا…
سمعت الأطفال بيجروا. لكن مش جري طبيعي. خطواتهم كلها بنفس الإيقاع. نفس السرعة. كأنهم شخص واحد. السلم نزل بينا لنفق قديم تحت الدار. ريحة رطوبة وكيماويات مالية المكان. ولما وصلنا آخره… شهقت. معمل. معمل كامل تحت الأرض. أجهزة.
أنابيب.
حضانات زجاجية. وصور أطفال على الشاشات. منهم لين. جريت للشاشة بصدمة. كانت ملفات كاملة عن بنتي:
تحاليل دم.
صور من يوم ولادتها.
تقارير. وفي أعلى الشاشة كود مكتوب بالأحمر:

“L-12 ناجحة ومستقرة.” صوتي خرج مكسور:
— يعني إيه ده؟! كريم غمض عينه بألم. — لين مش أول نسخة. الدنيا اسودت ثانية. — لا… — أمها الحقيقية ماتت وقت التجربة… وإنتِ… بصلي بحزن مرعب. — إنتِ كنتِ مجرد حاضنة قانونية من غير ما تعرفي. صرخت فيه بكل قوتي:
— إنت مجنون! دي بنتي! قال بسرعة:
— وأنا عارف… عارف إنك ربيتيها وحبيتيها… لكن الناس دي عمرهم ما شافوها كإنسانة. بالنسبة لهم هي نجاح علمي بمليارات.

دموعي نزلت بدون ما أحس. كل لحظة مع لين عدت قدامي:
أول كلمة…
أول خطوة…
ضحكتها…
خوفها مني لما أزعل… مستحيل تكون “مش بنتي”. وفجأة… صوت تصفيق خرج من آخر المعمل. لفّينا. ورجل دخل من الضلمة. لابس بالطو أبيض. شعره أبيض بالكامل. وعينيه هادية بشكل مر-عب. ابتسم وهو بيبص للين على الشاشة. — الحقيقة صعبة… أليس كذلك؟ كريم رفع المسد-س فورًا:
— الدكتور سامح. الرجل ابتسم أكتر. — أخيرًا قابلنا بعض يا مريم. وبعدين قال بهدوء خلى الد-م يتجمد في عروقي:

— تحبي تشوفي النسخ التانية من بنتك؟ الدكتور سامح وقف وسط المعمل كأنه صاحب متحف… مش مجرم مستخبي تحت الأرض. ضغط زر صغير في الريموت اللي بإيده. وفجأة…
الحيطة الزجاجية اللي ورانا اتحركت ببطء. شهقت. غرف. صف طويل من الغرف الزجاجية. وفي كل غرفة…
طفلة. بنفس عمر لين تقريبًا. بعضهم نايم.
بعضهم واقف يبص ناحيتنا ببرود. وكلهم… يشبهوا لين. بنفس العيون.
نفس الملامح.
حتى نفس طريقة الوقوف. ركبي ضعفت. — لا… لا… الدكتور سامح اتكلم بهدوء:
— البشر بيحبوا يسمّوها وحشية… لكن بعد عشرين سنة، العالم كله هيطلب التكنولوجيا دي.

كريم صرخ:
— إنت مريض! لكن سامح تجاهله. كان مركز معايا أنا. — لين كانت أنجح نسخة مستقرة عاطفيًا… لأنك ربيتيها بعيد عن المشروع. نفسي اتقطع. — يعني إيه نسخة؟! مين أبوها؟ مين أمها؟! سامح سكت لحظة…
وبعدين قال: — لين اتصنعت من الحمض النووي لطفلة ماتت في تجربة أولى… ومن تبرعات جينية متعددة. مافيش “أب وأم” بالشكل اللي تعرفيه. دموعي نزلت فورًا. لكن الغريب…
إن الغضب بدأ يطغى على الصدمة. بصيت للشاشات.
للأطفال.
للخوف في عيون بعضهم.

وقلت بصوت مرتعش:
— دول مش مشاريع… دول أطفال. سامح ابتسم بأسف:
— ودي مشكلتكم دائمًا… العاطفة. وفجأة… صوت إنذار دوّى في المعمل كله. كريم بص للشاشات بسرعة:
— الشرطة وصلت هنا؟! سامح هز راسه بهدوء:
— لا… حد فجّر المدخل الرئيسي. وفي نفس اللحظة… إضاءة المعمل بدأت تومض. وصوت إطلاق نار بعيد اتسمع فوق. كريم شدني بسرعة:
— لازم نطلع حالًا! لكن قبل ما نتحرك… الأبواب الزجاجية للغرف بدأت تتفتح أوتوماتيك. الأطفال خرجوا ببطء.

عشرات العيون المتشابهة بصتلنا في نفس اللحظة. سامح همس بفخر:
— شايفة؟ التزامن العصب-ي شغال بكفاءة ممتازة. لكن واحدة من البنات…
وقفت. كانت شبه لين أكتر من الباقيين. قربت مني ببطء. وقالت بصوت خافت: — ماما؟ قلبي اتفتت. بصيتلها وأنا بترعش. البنت قربت أكتر. وفي عينيها خوف حقيقي…
مش برود زي الباقيين. مدّت إيدها الصغيرة ناحيتي. وفي اللحظة دي… رصاصة اخترقت كتف الدكتور سامح. صرخ ووقع. لفّينا بسرعة. ولقيت سيف واقف عند باب المعمل. متبهدل.
بينزف.
وماسك سلاح.

صرخ:
— خدي الأطفال وامشي! كريم جرى يساعده، بينما الإنذار كان بيعلى أكتر. سامح حاول يزحف ناحية جهاز التحكم، لكنه كان بينزف بشدة. بصلي بكره مرعب:
— لو خرجوا برا… العالم كله هينهار. قربت منه ببطء. كل الوجوه اللي اتأذت بسببهم عدت قدامي. نادين.
الأطفال.
لين.
سنين الخوف. ورفعت المسد-س اللي وقع منه. سامح بصلي بثبات:
— مش هتعرفي تضغطي الزناد. بصيت في عينه. وقلت:
— عندك حق. وبدال ما أقتله… ضربت الرصاصة في أجهزة التحكم الرئيسية.

الشرر انفجر في المعمل كله. الشاشات طفت.
الأبواب الإلكترونية تعطلت.
والأنوار بدأت تنهار. كريم صرخ:
— المكان هيو-لع! شلت أقرب طفلة ليا — اللي نادتني “ماما” — ومسكت إيد بنت تانية. وسيف بدأ يخرج الأطفال ناحية الممر. الدخان بدأ يملى المكان بسرعة. سامح كان بيصرخ بجنو-ن وهو بيحاول يوصل للأجهزة المحترقة. آخر حاجة شفتها قبل ما أطلع…
إنه فضل جوه المعمل وسط الن-ار. ماحاولش يهرب. كأنه فضّل يموت مع مشروعه. طلعنا للنفق وسط الفوضى. القوات الخاصة كانت دخلت الدار بالفعل.

الأطفال خرجوا واحد ورا التاني للنور لأول مرة. بعضهم كان خايف من السما نفسها. ولين…
أول ما شافت البنات اللي شبهها… مسكت إيدي بخوف وهمست:
— دول أخواتي؟ ركعت قدامها. الدموع مالية عيني. وبصيت للبنات الصغيرين اللي واقفين ضايعين حوالينا. وقلت:
— أيوه… بشكل ما. بعد شهور… القضية قلبت العالم. المعامل السرية اتقفلت.
أسماء دولية كبيرة اتفضحت.
والناس انقسمت:
في ناس شافت الأطفال “تجارب”.
وناس شافتهم بشر كاملين. أما أنا… فخدت قرار. استأجرت بيت كبير بعيد عن القاهرة.

ولين ما بقتش وحدها. البنت اللي قالتلي “ماما” يوم المعمل عاشت معانا. وبعدين اتنين كمان. ماكنتش أقدر أسيبهم يترموا في ملاجئ أو معامل تانية. وفي ليلة هادية… كنت براقب البنات وهما بيلعبوا في الجنينة. لين جريت عليا تضحك:
— ماما! بصي! إحنا بقينا عيلة كبيرة! حضنتها بقوة. وبصيت للسما. بعد كل الر-عب…
كل الد-م…
كل الأسرار… الحاجة الوحيدة اللي كنت متأكدة منها أخيرًا… إن الإنسان مش بيتحدد بطريقة خلقه. لكن بطريقة حبه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!