
أما أحمد فكان واقفًا بيني وبين السرير، وعيناه مليئتان بالخوف. الخوف الحقيقي. ذلك النوع من الخوف الذي لا يصنعه الكذب العادي. بل تصنعه الأسرار الكبيرة. قلت بصوت مرتجف: ـ من إمتى؟ لم يجب. فنظرت إلى سارة. ـ من إمتى وإنتِ حامل؟ انفجرت بالبكاء. لكن أحمد تدخل بسرعة. ـ منى… ارجعي أوضتك الأول. صرخت فيه: ـ ما تلمسنيش! ارتد خطوة للخلف.
كانت أول مرة أصرخ فيها عليه منذ سنوات طويلة. وأول مرة أرى الرعب في عينيه بهذه الصورة. اقتربت من السرير رغم الألم الذي كان يمزق بطني. ثم سألت سارة: ـ الطفل ده ابن مين؟ انخفض رأسها. ولم تنطق. لكن صمتها كان أسوأ من أي إجابة. شعرت أن الأرض تميد بي. خمسة عشر عامًا من الزواج. خمسة عشر عامًا من الحب والثقة. ثم أكتشف كل شيء بهذه الطريقة؟
بعد موت طفلتيّ مباشرة؟ بعد أن دفنت أحلامي كلها؟ لم أعد أرى أمامي بوضوح. فجأة بدأ صوت أجهزة المراقبة يعلو. وشعرت بدوار شديد. ثم اختفى كل شيء. — عندما فتحت عيني من جديد كنت في غرفتي. والطبيب يقف بجوار السرير. كان غاضبًا. قال بحزم: ـ لو كررتي الحركة دي ممكن يحصل نزيف جديد. لم أرد. كل ما كنت أفكر فيه هو الغرفة رقم 8.
وسارة. وأحمد. بعد دقائق خرج الطبيب. وبقي أحمد وحده. دخل الغرفة ببطء. وجلس على الكرسي المجاور للسرير. لكنني أدرت وجهي بعيدًا. قال بصوت منخفض: ـ لازم تسمعيني. أغمضت عيني. ـ مفيش حاجة أسمعها. ـ فيه. ـ هتقول إيه؟ إنها غلطة؟ ولا هتقول إنك بتحبها؟ ولا هتقول إن الطفل مش ابنك؟ صمت. ثم قال: ـ الطفل فعلًا مش ابني.
ضحكت بمرارة. ـ طبعًا. ـ أقسم بالله. ـ بطّل حلفان. ـ منى… اسمعيني للنهاية. التفت نحوه أخيرًا. وكانت عيناه حمراوين من السهر. قال: ـ اللي هقوله دلوقتي كان المفروض تعرفيه من سنين. شعرت بانقباض في صدري. ـ أعرف إيه؟ تنهد طويلًا. ثم قال: ـ سارة مش بنت عمك. توقفت الدنيا للحظة. حدقت فيه دون فهم. ـ إيه؟ ـ سارة أختك.
شعرت أن قلبي توقف. حرفيًا. توقفت أنفاسي. وتسمرت عيناي في وجهه. ـ إنت مجنون؟ هز رأسه. ـ لا. ـ أختي إزاي؟ ـ أختك من أبوك. ساد الصمت. صمت ثقيل. مرعب. قال بصوت مكسور: ـ قبل أكتر من أربعين سنة كان عند أبوك بنت من زواج قديم. العيلة كلها خبت الموضوع. وأمك نفسها ما عرفتش غير بعد سنين. والبنت دي اتربت بعيد عنكم.
وما حدش قال الحقيقة. حتى لما رجعت القاهرة واتعرفت عليكم قالوا للناس إنها بنت عمك. مش أختك. كنت أشعر وكأن شخصًا يقرأ قصة عن حياة إنسانة أخرى. ليست حياتي. ليست عائلتي. ليست الحقيقة. قلت: ـ مستحيل. ـ دي الحقيقة. ـ وأنت عرفت منين؟ ـ أبوك قبل ما يموت بسنتين. قالي كل حاجة. طلب مني أحافظ عليها.

