
الفصل الرابع “أمي اختفت.” قالتها نور المنشاوي، ثم انهار صوتها كأن الكلمة الأخيرة خرجت من مكان مكسور داخلها. وقفت في غرفة صناديق الأمانات وأنا ممسك بالهاتف، والملف المفتوح أمامي، وصورة فؤاد وهو يسكب شيئًا في كوب أمه ما زالت بين أصابعي. لم أعرف ماذا أقول. كل الكلمات بدت صغيرة أمام ما يحدث. سألتها بصوت منخفض: “اختفت إزاي؟ إنتِ فين دلوقتي؟” شهقت نور وهي تحاول السيطرة على بكائها. “أنا في الفيلا. جيت من ساعة تقريبًا. الحراس بيقولوا إنها خرجت مع فؤاد من بدري… بس مفيش حد عارف راحوا فين. تليفونها مقفول. والسواق الجديد بيقول إنه ما شافهاش.”
تجمد الدم في عروقي. “سواق جديد؟” قالت بسرعة: “آه… فؤاد قال إن أمي طردتك الصبح وإنه جاب سواق مؤقت. بس أنا مش مصدقاه. حسن… أمي ما كانتش هتعمل كده إلا لو في حاجة.” نظرت إلى الرسائل والملفات أمامي. كانت نور لا تعرف أن أمها فعلت ذلك فعلًا. لكن ليس لأنها صدقت اتهام السرقة. بل لأنها كانت تحاول إنقاذي. قلت لها: “اسمعيني كويس يا نور. أرجوكِ ما تتكلميش مع حد في البيت عني. ولا تقولي إنك كلمتيني.”
صمتت لحظة. ثم قالت بخوف: “إنت عرفت حاجة؟” نظرت حولي بحذر. كان مدير البنك واقفًا عند الباب، يحاول ألا يتدخل، لكنه فهم أن الأمر أكبر من مجرد صندوق أمانات. قلت: “عرفت حاجات كتير. بس مش على التليفون.” قالت فورًا: “طيب أقابلك فين؟” كان عليّ أن أفكر بسرعة. لا الفيلا آمنة. ولا البنك آمن لو كانوا يراقبونني. ولا بيتي آمن إذا عرفوا عنواني. قلت: “تعرفي مسجد الرحمن اللي قريب من الحديقة الدولية؟” قالت: “أيوه.” “بعد نص ساعة. قدام الباب الجانبي. وتعالي لوحدك. من غير سواق. من غير حد من البيت.”
قالت بصوت مرتجف: “حاضر.” ثم أغلقت. وضعت الهاتف في جيبي وأنا أشعر أن قدمي لا تحملانني. المدير اقترب مني بهدوء وقال: “هل تحتاج إلى مساعدة قانونية؟ السيدة ليلى تركت اسم محامٍ معتمد ضمن التعليمات.” التفت إليه بسرعة. “محامي؟” هز رأسه. ثم أخرج بطاقة صغيرة من داخل الصندوق. كان مكتوبًا عليها: “محمود الجندي، محامٍ بالنقض.” وتحت الاسم رقم هاتف. قلبت البطاقة فوجدت بخط السيدة ليلى: “هو يعرف جزءًا من الحقيقة، وليس كلها. لا تثق في أحد ثقة كاملة.”
هذه الجملة وحدها جعلتني أشعر أنني داخل شبكة لا أعرف بدايتها من نهايتها. جمعت الملفات بسرعة. قال المدير: “لا يمكنك الخروج بكل هذا دون توقيع استلام.” قلت بحدة: “وقّعني.” ووقّعت. لكنني لم آخذ كل شيء. كانت غلطة أن أحمل جميع الأدلة معي. تركت نسخًا داخل الصندوق، وأخذت فقط الأهم: التقرير الطبي، الصورة، فلاش ميموري، نسخة من التوكيلات المزورة، ورسائل السيدة ليلى. ثم وضعتها داخل حقيبة سوداء صغيرة أعطاها لي مدير البنك. قبل أن أغادر، سألته:
“هل أحد غيري يعرف أنني جئت؟” تردد الرجل لحظة. وهذه اللحظة كانت كافية لتجعل قلبي ينقبــ,,ـــــض. قلت: “قول الحقيقة.” تنهد. “منذ عشر دقائق اتصل رجل ادعى أنه من مكتب السيدة ليلى، وسأل هل حضرت أم لا. لم نؤكد له شيئًا.” “اسمه؟” “لم يذكر.” ابتسمت بمرارة. كانوا قريبين. أقرب مما أتخيل. خرجت من البنك من الباب الخلفي بناءً على نصيحة المدير. الشارع كان أهدأ من الواجهة الرئيسية. لكن هدوءه لم يطمئنني. كل سيارة متوقفة بدت كعين.
كل رجل يمسك هاتفًا بدا كأنه يراقبني. استقليت تاكسي عاديًا وطلبت من السائق أن يأخذني إلى شارع جانبي، ثم غيرت التاكسي مرة أخرى بعد عشر دقائق. لم أكن رجل مخابرات ولا أعرف شيئًا عن الهروب والمراقبة، لكن الخوف يجعل الإنسان يتعلم بسرعة. وصلت إلى المسجد قبل الموعد بخمس دقائق. وقفت بالقرب من البوابة الجانبية، أحمل الحقيبة وكأنها تحمل حياتي وحياة السيدة ليلى معًا. بعد قليل وصلت نور. كانت ترتدي عباءة سوداء ونظارة شمسية كبيرة، لكن وجهها كان شاحبًا لدرجة أنني عرفتها فورًا.
نزلت من سيارة أجرة ونظرت حولها بقلق. اقتربت مني وقالت بصوت منخفض: “حسن… إيه اللي بيحصل؟” لم أجب فورًا. أشرت لها أن تمشي معي ناحية سور الحديقة. حين ابتعدنا قليلًا، أخرجت رسالة أمها الأولى وناولتها إياها. قرأتها نور. ومع كل سطر، كان وجهها يتغير. وعندما وصلت إلى جملة “هناك من يحاول .ي”، وضعت يدها على فمها. ثم همست: “يا رب… يا رب كنت حاسة.” سألتها بسرعة: “حاسة بإيه؟” رفعت عينيها المليئتين بالدموع. “أمي بقالها فترة خايفة. كانت بتقفل باب أوضتها بالمفتاح. بطلت تاكل من أكل البيت إلا قدامي. مرة قالت لي: نور، لو حصلي حاجة، ما تصدقيش إخواتك.”
“قالت لك أسماء؟” هزت رأسها. “لا. كانت خايفة حتى مني. مش لأنها مش واثقة فيّ… لكن لأنها كانت خايفة عليّ.” فتحت الحقيبة وأخرجت الصورة. “بصي.” أخذتها نور. وفي اللحظة التي رأت فيها فؤاد في الصورة، ارتعشت يدها. لم تصرخ. لم تبكِ. فقط جلست على الرصيف كأن ساقيها خانتاها. “كنت عارفة إنه طماع… بس مش قاتل.” قلت: “الصورة مش الدليل الوحيد.” أريتها التقرير الطبي. ثم التوكيلات المزورة. ثم أخبرتها عن رسالة الصندوق. كانت تسمعني بصمت. لكن عينيها كانتا تقولان كل شيء.
هناك نوع من الألم لا يخرج في صورة دموع. يبقى واقفًا داخل العينين كجرح مفتوح. قالت بعد صمت طويل: “لازم نبلغ الشرطة.” قلت: “أيوه. بس لازم نعرف أمك فين الأول.” هزت رأسها وهي تحاول التفكير. “فؤاد عنده أماكن كتير. شقة في الزمالك. شاليه في العين السخنة. ومخزن قديم تابع لشركة بابا في طريق السويس.” توقفت عند الكلمة الأخيرة. “مخزن؟” نظرت إليّ. “أيوه. مكان مهجور تقريبًا. بابا كان بيستخدمه زمان لتخزين معدات الشركة. بعد وفاته فؤاد مسك مفاتيحه.”
شعرت أن الجواب أمامنا. سألتها: “ليه ممكن ياخدها هناك؟” قالت بصوت مخنوق: “علشان محدش يلاقيها.” وقبل أن نكمل، رن هاتفها. ظهر اسم فؤاد على الشاشة. تجمدت نور. نظرت إليّ. قلت بسرعة: “ردي. افتحي الاسبيكر. حاولي تباني طبيعية.” ضغطت على زر الرد. جاء صوت فؤاد هادئًا أكثر مما يجب. “نور… إنتِ فين؟” ابتلعت ريقها وقالت: “برّه. بدور على ماما.” ضحك ضحكة قصيرة. “ماما كويسة. ما تعمليش قلق.” قالت: “كويسة فين؟” صمت لحظة. ثم قال: “عندها كشف مهم. والدكتور طلب إن مفيش حد يزعجها.”
نور ضغطت على يدها بقوة. “أي دكتور؟” تغير صوته قليلًا. “إنتِ بتحققـي معايا؟” قالت بسرعة: “أنا بس قلقت.” قال ببرود: “ارجعي البيت. وكل حاجة هتبقى واضحة بالليل.” ثم أضاف بعد لحظة: “وبلاش تكلمي حسن. الراجل ده طلع حرامي، وماما كانت طيبة زيادة عن اللزوم معاه.” نظرَت نور إليّ برعب. هو يعرف. أو يشك. قالت بصوت بالكاد ثابت: “أنا ما كلمتوش.” ضحك فؤاد. “كويس. خليكِ عاقلة يا نور. علشان العيلة محتاجة تفضل متماسكة.” ثم أغلق الخط.
لم نتكلم لثوانٍ. ثم قالت نور: “هو عارف.” قلت: “أو بيختبرك.” قالت: “لا. فؤاد لما يقول جملة زي دي، يبقى بيهدد.” في تلك اللحظة اتخذت قرارًا. “هنتصل بالمحامي.” اتصلت بالرقم الموجود على البطاقة. رد رجل بصوت هادئ. “محمود الجندي.” قلت: “أنا حسن. السيدة ليلى المنشاوي تركت لي رقم حضرتك.” ساد صمت قصير. ثم قال: “أين أنت؟” لم يعجبني السؤال. تذكرت تحذير السيدة ليلى: لا تثق في أحد ثقة كاملة. قلت: “قبل ما أقول لحضرتك مكاني، محتاج أعرف أنت تعرف إيه.”
تنهد الرجل. “أعرف أن السيدة ليلى كانت تخشى على حياتها. أعرف أن بعض أبنائها يحاولون إجبارها على نقل أصول مالية باسمهم. وأعرف أنها تركت أدلة في صندوق أمانات.” قلت: “هل تعرف أنها اختفت؟” صمت. ثم تغير صوته. “متى؟” “النهارده.” قال بسرعة: “لا تتحرك وحدك. ولا تذهب إلى الشرطة بأي نسخة واحدة فقط من الأدلة. هؤلاء الناس لديهم علاقات. يجب أن ندخل من الباب الصحيح.” نور همست: “اسأله عن مخزن طريق السويس.” قلت: “هل تعرف شيئًا عن مخزن تابع للعائلة على طريق السويس؟”
توقف الرجل عن الكلام للحظة طويلة. ثم قال: “من أخبرك بهذا المكان؟” قلت: “نور.” قال بقلق واضح: “إذا كانت السيدة ليلى هناك، فأنتم في خطر شديد.” نور انتفضت. “يعني تعرفه؟” قال المحامي: “هذا المخزن ليس مهجورًا كما تعتقدون. فؤاد يستخدمه في أمور لا يريد لأحد أن يعرفها.” سألته: “أمور إيه؟” قال: “تهريب مستندات. تخزين أصول. وربما أكثر.” ثم أكمل: “اسمعني جيدًا يا حسن. لا تذهب إلى هناك وحدك.” نظرت إلى نور. كانت عيناها تقولان إنها ستذهب سواء وافقت أم لا.
قلت للمحامي: “لو استنينا، ممكن تمــ,,ـــــوت.” قال بصرامة: “ولو ذهبتم بلا خطة، ستمــ,,ـــــوتون أنتم أيضًا.” كنت أعرف أنه محق. لكنني كنت أعرف شيئًا آخر. السيدة ليلى اختارتني لأنها لم يكن لديها وقت. ولأنها كانت تعرف أن أبناءها سيتحركون بسرعة. قلت: “هنتقابل فين؟” أعطانا المحامي عنوان مكتبه في مصر الجديدة. قررنا الذهاب إليه فورًا. لكن قبل أن نتــ,,ـــــحرك، نظرت نور إلى يدي. “الحقيبة دي فيها الأدلة؟” أومأت. قالت: “لازم نعمل نسخة.” كانت محقة. دخلنا إلى مكتبة صغيرة قريبة، ونسخنا الأوراق، وحفظنا محتوى الفلاش على ذاكرة جديدة. ثم وضعت نور النسخة الاحتياطية داخل حقيبتها، بينما احتفظت أنا بالأصل.
كانت خطوة بسيطة. لكنها أنقذتنا لاحقًا. في الطريق إلى مكتب المحامي، لاحظت سيارة رمادية تسير خلفنا. قلت للسائق: “لو سمحت ادخل الشارع الجاي شمال.” دخل. السيارة دخلت خلفنا. نور فهمت فورًا. وجهها شحب. قلت للسائق: “معلش، وقف عند الصيدلية دي.” نزلنا بسرعة من البابين. دخلنا الصيدلية من الباب الأمامي وخرجنا من باب جانبي يؤدي إلى شارع خلفي ضيق. ركضنا بين المحلات حتى وصلنا إلى موقف ميكروباص. نور لم تكن معتادة على هذه الفوضى. كانت تلهث.
لكنها لم تشتكِ. ركبنا ميكروباص متجهًا إلى العباسية، ثم غيرنا الطريق مرة أخرى. وبعد ساعة من التوتر وصلنا إلى مكتب المحامي. كان مكتب محمود الجندي في عمارة قديمة، الطابق الرابع، بلا لافتة كبيرة. استقبلنا رجل في الستين، شعره أبيض ونظارته سميكة، لكن عينيه يقظتان. أغلق الباب خلفنا بنفسه. ثم قال: “أروني ما معكم.” وضعنا الملفات أمامه. قرأ. تصفح. استمع إلى جزء من التسجيلات.

