
ومع كل دقيقة كان وجهه يزداد صرامة. بعد نصف ساعة قال: “هذه ليست محاولة . فقط.” نظرنا إليه. أكمل: “هذه شبكة تزوير واستيلاء على أموال، وربما غسل أموال. والسيدة ليلى كانت تجمع الأدلة منذ شهور.” نور قالت بصوت مكسور: “وأمي؟” خلع المحامي نظارته. “أمك كانت ستعقد اجتماعًا معي غدًا لتقديم بلاغ رسمي. إذا اختفت اليوم، فهذا يعني أنهم عرفوا.” قلت: “عرفوا منين؟” نظر إلى الأرض. ثم قال: “هناك احتمال أن يكون أحد العاملين معها قد خانها.”
نور قالت فورًا: “مين؟” لم يجب. لكنه فتح ملفًا صغيرًا من مكتبه. “قبل أسبوع، طلبت مني السيدة ليلى أن أتحرى عن شخص داخل البيت.” أخرج صورة. وضعها أمامنا. كانت صورة ناهد. مدبرة منزل السيدة ليلى. المرأة الهادئة التي كانت تفتح لنا الباب دائمًا، وتقدم القهوة، وتقول للسيدة ليلى: “ربنا يخليكي لينا يا هانم.” نور شهقت. “ناهد؟ مستحيل. دي معانا من عشرين سنة.” قال المحامي بهدوء: “أحيانًا أقرب الناس هم الأسهل في الشراء.” أحسست بغضب شديد.
كم كانت السيدة ليلى وحيدة؟ حتى البيت الذي عاشت فيه لم يعد آمنًا لها. قال المحامي: “سنذهب الآن إلى النيابة، لكن قبل ذلك يجب أن نحدد مكان السيدة ليلى قدر الإمكان. أي معلومة عن المخزن؟” نور أخرجت هاتفها وفتحت صورًا قديمة. “كنت هناك مرة وأنا صغيرة. المكان قريب من طريق فرعي بعد بوابة شركة قديمة اسمها المنشاوي للتجارة.” المحامي أخرج هاتفه واتصل بشخص. تحدث معه بكلمات مختصرة. ثم أغلق. “لدي ضابط أثق به. لن أقول إنه يستطيع التحرك رسميًا الآن دون بلاغ، لكنه سيقابلنا.”
قلت: “إمتى؟” “خلال ساعة.” لكن الساعة كانت رفاهية لا نملكها. لأن هاتف نور رن مرة أخرى. هذه المرة لم يكن فؤاد. كان رقمًا مجهولًا. ردت بيد مرتجفة. لم يتكلم أحد في البداية. ثم جاء صوت ضعيف. مبحوح. متقطع. “نور…” انتفضت نور واقفة. “ماما؟” الصوت كان بعيدًا كأنه يخرج من بئر. “ما… تثقيش… في فؤاد…” ثم سمعنا صوت ارتطام. وصوت رجل يصرخ: “اقفلي الخط!” ثم انقطع الاتصال. نور صرخت: “ماما!” حاولت الاتصال مرة أخرى. الهاتف مغلق.
لكن المكالمة القصيرة كانت كافية. لأنني سمعت شيئًا في الخلفية. صوت لم أستطع تجاهله. صوت قطار بعيد. وصوت كلاب. وصوت صفارة مصنع. قلت بسرعة: “هي مش في مستشفى.” المحامي نظر إليّ. قلت: “في صوت قطار. ومكان مفتوح. وممكن يكون قريب من طريق السويس فعلًا.” نور أمسكت بذراعي. “لازم نروح.” المحامي قال: “سنذهب… لكن ليس وحدنا.” خرجنا من مكتبه بعد عشر دقائق. كان قد اتصل بالضابط. واتفق معه على اللقاء قرب الطريق. ركبنا سيارة المحامي. أنا في الخلف بجوار نور.
والحقيبة بين قدمي. طوال الطريق كانت نور صامتة. تنظر من النافذة، ودموعها تنزل بلا صوت. قلت لها بهدوء: “هنلاقيها.” لم تنظر إليّ. قالت فقط: “أمي كانت دايمًا تقول إن البيت الكبير ممكن يبقى أضيق مكان في الدنيا لو اللي جواه ما بيحبوكش.” لم أعرف ماذا أقول. بعد حوالي أربعين دقيقة، خرجنا من القاهرة المزدحمة إلى طرق أوسع وأكثر عزلة. المباني قلت. والإضاءة أصبحت متقطعة. والظلام بدأ ينزل على أطراف المدينة. تقابلنا مع سيارة شرطة مدنية يقودها رجل في الأربعينيات.
نزل منها وعرّف نفسه بسرعة. “المقدم شريف.” سمع من المحامي ملخصًا سريعًا، ورأى الصورة والتقرير. ملامحه تغيرت. قال: “لو السيدة موجودة في المخزن، لازم نتــ,,ـــــحرك بحذر. مفيش اقتحام عشوائي.” نور قالت بانفعال: “يعني نستنى لما ي.وها؟” رد بهدوء صارم: “لو دخلنا غلط، ممكن ي.وها فورًا.” كانت الحقيقة قاسية. لكنها صحيحة. تحركنا بسيارتين. سيارة الضابط في الأمام على مسافة. وسيارة المحامي خلفه. بعد دقائق وصلنا إلى طريق ترابي جانبي. في آخره ظهرت بوابة حديدية قديمة. وخلفها مبنى مستطيل ضخم، جدرانه باهتة، ونوافذه العالية مكسورة.
المخزن. كان المكان مظلــ,,ـــــمًا إلا من ضوء أصفر خافت قرب الباب الخلفي. توقفنا بعيدًا. نزل الضابط وتحدث في لاسلكي صغير. ثم أشار لنا أن ننتظر. لكن نور لم تكن قادرة على الانتظار. فتحت باب السيارة بهدوء. لحقت بها فورًا. همست: “إنتِ رايحة فين؟” قالت: “لو أمي جوه، هتعرف صوتي.” “نور، ده خطر.” التفتت إليّ، ووجهها غارق في الدموع. “حسن… أنا بنتها. لو هي ماتت وأنا واقفة بعيد، مش هسامح نفسي.” لم أجد جوابًا. ربما لأنني كنت سأفعل الشيء نفسه لو كان أحد أولادي في الداخل.
تقدمنا بحذر خلف سور متهدم. ومن هناك رأينا الباب الجانبي للمخزن. كان مفتوحًا نصف فتحة. وصوت رجل يعلو من الداخل. لم نسمع الكلمات بوضوح في البداية. ثم اقتربنا أكثر. وفجأة سمعنا فؤاد. “كان لازم توقعي من الأول يا أمي. كل ده كان ممكن يخلص بهدوء.” ثم جاء صوت السيدة ليلى. ضعيفًا. لكن ثابتًا. “كنت فاكر إني خلفت راجل… طلعت خلفت حساب بنكي لابس بدلة.” ارتجفت نور. كادت تصرخ. وضعت يدي على فمها بسرعة وأنا أهمس:
“استني.” فؤاد صرخ: “كفاية كبرياء! فين الملفات؟” قالت ليلى: “مع واحد أشرف منك.” ساد صمت. ثم صوت صفعة قوية. نور انهارت بين يديّ. لكنها لم تصرخ. دموعها كانت تسقط بغزارة. أنا شعرت أن شيئًا أسود انفجر داخلي. السيدة العجوز التي اتهمتني لتنجيني كانت تُضــ,,ـــــرب الآن لأنها وثقت بي. لم أستطع البقاء ساكنًا. أخرجت هاتفي وبدأت التسجيل. كان الصوت واضحًا. فؤاد قال: “حسن؟ السواق الفقير؟ فاكرة إنه هيحميكي؟ ده لو لقيناه، هنخليه يتمنى إنه فضل حرامي وبس.”
ثم صوت آخر. صوت ناهد. “يا فؤاد بيه، الوقت بيعدي. الست تعبت.” نور فتحت عينيها بصدمة. ناهد فعلًا معهم. فؤاد قال ببرود: “خليها توقع، وبعدها الدكتور يتصرف.” الدكتور؟ أي دكتور؟ ثم سمعنا صوت رجل ثالث: “الجرعة دي مش هتستحملها كتير.” تجمدت. لم يعد الأمر تهديدًا. كانوا ينوون .ها الليلة. في تلك اللحظة، ظهرت يد على كتفي. كدت أصرخ. كان المقدم شريف. همس بغضب: “قلت لكم تستنوا.” أعطيته الهاتف والتسجيل. استمع لثوانٍ. ثم تغير وجهه. أشار لرجاله.
كل شيء حدث بسرعة. رجال يتحركون في الظلام. أبواب تحاصر. خطوات مكتومة. ثم صرخ المقدم: “شرطة! محدش يتحرك!” انفجر المكان بالفوضى. صراخ. ركض. صوت كرسي يسقط. ثم طلقة. نور صرخت: “ماما!” اندفعت قبل أن أستطيع منعها. ركضت خلفها. دخلنا المخزن. رأيت السيدة ليلى مقيدة على كرسي، وجهها شاحب، وشفتاها زرقاوان قليلًا، وعلى ذراعها أثر حقنة. فؤاد كان يحاول الهرب من الباب الخلفي. ناهد تبكي وتصرخ أنها مظلومة. ورجل يرتدي بالطو أبيض يحاول إخفاء حقيبة أدوية.
نور ارتمت عند قدمي أمها. “ماما! ماما ردي عليا!” السيدة ليلى فتحت عينيها بصعوبة. رأت نور. ثم رأتني. ولأول مرة منذ عرفتها، ابتسمت. ابتسامة صغيرة متعبة. وقالت بصوت بالكاد يُسمع: “عرفت إنك هتيجي يا حسن.” لم أستطع الرد. فقط انحنيت وفككت الحبل عن يديها. المقدم شريف صرخ يطلب الإسعاف. لكن فؤاد، رغم إصابة أحد رجاله، حاول التسلل خلف صناديق خشبية. رآه المقدم. “فؤاد المنشاوي! مكانك!” فؤاد توقف. رفع يديه ببطء. ثم التفت إلينا. كانت عيناه خاليتين من أي ندم.
نظر إلى أمه وقال: “إنتِ اللي عملتي كده في نفسك.” السيدة ليلى نظرت إليه بضعف، لكنها قالت بوضوح مؤلم: “لا يا فؤاد… أنا بس كشفت حقيقتك.” اقتاده رجال الشرطة. أما ناهد، فكانت تجلس على الأرض وتبكي. نور صرخت فيها: “ليه؟ أمي عملت لك إيه؟” ناهد لم ترفع رأسها. قالت وهي تنتــ,,ـــــحب: “هددوني بابني… قالولي هيدمروه.” السيدة ليلى أغمضت عينيها. ربما من الألم. وربما من الخيبة. وصلت الإسعاف بعد دقائق بدت كأنها عمر كامل. حملوا السيدة ليلى على النقالة.
نور ركبت معها. وقبل أن يغلق المسعف الباب، أمسكت السيدة ليلى بيدي. قالت: “الملف…” قلت بسرعة: “في أمان.” ضغطت على يدي بأصابعها الضعيفة. “ما تسلمهوش غير قدام النيابة… والمحامي… والضابط… مع بعض.” أومأت. ثم أضافت: “وخلي بالك من ولادك.” لم أفهم الجملة في لحظتها. لكنني فهمتها بعد ساعة. عندما اتصلت بي زوجتي وهي تصرخ. “حسن! في رجالة تحت البيت بيسألوا عليك… وواحد منهم قال لو ما رجعتش، هيطلع لنا.” تجمدت في مكاني. كنت أظن أن إنقاذ السيدة ليلى هو نهاية الخطر.
لكن الحقيقة كانت أبشع. فؤاد لم يكن وحده. والأدلة لم تكن تهدد عائلته فقط. كانت تهدد رجالًا أكبر. رجالًا يستطيعون الوصول إلى بيتي. إلى زوجتي. إلى أولادي. وفي تلك اللحظة، وأنا واقف أمام المخزن والشرطة تملأ المكان، أدركت أن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد. بل بدأت الآن فقط. يتبع

