الفصل الرابع فضلت باصة للموبايل كأن الصورة هتتغير لو ركزت فيها أكتر. الصندوق الأزرق. مفتوح. ومليان صور. صور نيرمين. وصوري. وصور ستات تانيين. بعضهم أصغر مني. وبعضهم أكبر. وبعضهم شبه مريم فعلًا. لكن بعضهم ماكانوش شبهها أوي. وده كان أغرب شيء. رفعت عيني لنيرمين. وقلت بصوت مخنوق: — مين دول؟ نيرمين كانت شاحبة. وكأنها هي كمان أول مرة تشوف الصورة دي.
قالت: — أنا أعرف اتنين منهم. — إزاي؟ — واحدة اسمها هبة. والتانية اسمها سارة. كانوا بعدي. بعد ما فسخت خطوبتي. سكتت. ثم أضافت: — كنت فاكرة إنه تجاوزني. واضح إني كنت غبية. أمي قعدت على الكرسي وهي بتتمتم بأذكار تحت نفسها. أما أنا فكنت حاسة إن قلبي بيقع من مكانه. لأن السؤال اللي بدأ يطلع في دماغي كان أسوأ من كل اللي فات.
كم واحدة؟ كم سنة؟ وإيه اللي كان بيعمله معاهم؟ رن الموبايل. رسالة جديدة. من ياسر. “افتحي الصورة الأخيرة.” إيدي كانت بترتعش. فتحت المرفقات. كانت صورة لصفحة من دفتر قديم. خط إيد ياسر. وفي أعلى الصفحة تاريخ من عشر سنين. وتحته جملة: “التجربة الثالثة فشلت. بدأت ترفض العطر.” شهقت. وأمي رفعت رأسها بسرعة. نيرمين مدت إيدها وخدت الموبايل.
قرت الصفحة. وبعدين وشها فقد لونه. — يا نهار أبيض. قلت: — إيه؟ ورّتني الشاشة. كان فيه أكتر من صفحة. ملاحظات. تواريخ. تعليقات. كل واحدة عليها اسم. هبة. سارة. نيرمين. وأسماء تانية. وجنب كل اسم ملاحظات. “استجابت للروتين.” “توقفت عن استخدام العطر.” “بدأت تسأل أسئلة.” “تشبه مريم بنسبة كبيرة.” حسيت معدتي بتتقلب. قلت:
— دي مش ملاحظات حب. دي دراسة. نيرمين هزت رأسها. — أيوة. دي دراسة. صمتنا كلنا. وفجأة جالي إحساس مرعب. إحساس إن ياسر مش مجرد راجل موجوع. في حاجة أعمق. وأخطر. رن جرس الباب تاني. المرة دي بقوة. خبط. خبط. خبط. وأمي اتخضت. لكن ياسر ما اتكلمش. ولا نادى باسمي. بس الخبط استمر. نيرمين قامت بسرعة.
— لازم نمشي. قلت: — نهرب؟ قالت: — لا. نسبق. — نسبق إيه؟ — نعرف الحقيقة قبل ما يحورها. الجملة دي خلتني أقرر. مسحت دموعي. وقمت. قلت: — الصندوق الأزرق. نيرمين بصتلي. — إيه؟ — لازم نشوفه. — في بيت ياسر؟ — أيوة. سكتت. ثم قالت: — إنتِ مجنونة. قلت: — يمكن.
بس تعبت من الخوف. تعبت من الرسائل. ومن الصور. ومن الأسرار. عايزة أعرف. عايزة أعرف أنا كنت إيه في حياته. وأهم حاجة… عايزة أعرف هل أنا في خطر ولا لا. أمي رفضت. صرخت. وقالت: — محدش هيروح حتة. لكن بعد ساعة كاملة من الكلام. وافقنا نتحرك. بس مش لوحدنا. أخو سلمى جه. وأخد عربية. وكان معاه اتنين أصحاب موثوقين.
ولما عرفوا القصة. أصروا ييجوا. طول الطريق لبيت ياسر. قلبي كان بيدق بجنون. كنت بحاول أفتكر أول يوم شفته فيه. أول وردة. أول هدية. أول مرة قالي فيها: “ريحة اللافندر لايقة عليكي.” كل ذكرى جميلة بدأت تتشوه. بدأت أسأل نفسي: هل كان بيحبني؟ ولا بيحب فكرة معينة عني؟ ولما وصلنا البيت… اتفاجأنا. الباب مفتوح. مش مكسور. مش مخلوع.
بس مفتوح. وكأن حد خرج بسرعة. دخلنا بحذر. البيت كان ساكت. بشكل مرعب. ناديت: — ياسر؟ مافيش رد. دخلت الصالة. فاضية. المطبخ. فاضي. أوضة النوم. فاضية. لكن المكتب… بابه مفتوح. ولما دخلت… شفت الصندوق الأزرق. على المكتب. كأنه مستنيني. قربت منه. وأنا حاسة إني داخلة على قبر. فتحته. ولأول مرة شفت كل حاجة.
صور مريم. مئات الصور. من الطفولة. من المدرسة. من البيت. ثم صور البنات التانيين. مرتبة بنفس الطريقة. وبعدين… ملفات. تقارير. رسومات. ملاحظات. لكن اللي خلى نفسي يتقطع فعلًا… كان دفتر قديم جدًا. جلده أزرق. نفس لون الصندوق. فتحته. وأول صفحة كانت بخط طفل. “أنا ياسر. عندي 12 سنة. مريم أختي أحسن حد في الدنيا.” قلبي وجعني.
قلبت الصفحة. لقيت يوميات. حقيقية. مكتوبة عبر سنين. بعد وفاة مريم. كل سنة. كل شهر. كل انهيار. كل محاولة يائسة للنسيان. وبعدين. وصلت لصفحة مكتوبة بعد وفاتها بثلاث سنين. وفيها جملة واحدة. “شفت بنت شبهها النهارده.” قلبت. “شفت بنت تانية.” قلبت. “يمكن لو لقيت حد شبهها أرتاح.” قلبت. “يمكن لو حافظت على نفس الريحة ما أنساهاش.”
قلبت. “يمكن لو خليتها تعيش تاني جوا حد تاني…” قفلت الدفتر. بقوة. مش قادرة أكمل. لأن الحقيقة كانت أوضح من أي شيء. ياسر ماكانش بيحاول يؤذيني. وماكانش بيخطط لجريمة. لكن كان غارق. غارق في حزن قديم لدرجة إنه فقد الحدود بين الحب والتعلق. بين الذكرى والواقع. بين الشخص الحقيقي. والشخص اللي بيتمنى وجوده. نيرمين كانت واقفة ورايا. وقالت بهدوء:
— دلوقتي فهمتي؟ هزيت رأسي. والدموع نازلة. — أيوة. فهمت. لكن ده ما يخليش اللي عمله صح. قالت: — طبعًا. وفجأة. سمعنا صوت. جاي من الجنينة الخلفية. جرينا ناحية الشباك. ولقيناه. ياسر. قاعد على الكرسي الخشبي القديم. لوحده. باصص للسماء. كأنه مستني حد. خرجت. والكل كان ورايا. ولما قربت منه. رفع رأسه. بصلي.
وابتسم. ابتسامة متعبة جدًا. قال: — أخيرًا شفتي كل حاجة. قلت: — أيوة. سكت شوية. ثم قال: — بقيتي تكرهيني؟ السؤال كان موجوع. بشكل حقيقي. بصيتله طويل. وقلت: — لا. بس بقيت أعرفك. ونفسي كنت أعرفك بدري. نزل رأسه. وقال: — كنت فاكر إني بحبك. سكت. ثم أكمل: — وبعد سنين اكتشفت إني بحب الإحساس اللي بيديني أمل إن مريم لسه موجودة.
بكيت. هو كمان بكى. لأول مرة. من غير ما يخبي. من غير ما يمثل القوة. قال: — لما شوفتك أول مرة خفت. لأنك شبهها. ولما حبيتك فعلًا خفت أكتر. لأنك مش هي. وأنا ماكنتش عايز أخسرك زيها. قلت: — فبدأت تسيطر. هز رأسه. — أيوة. — وبدأت تراقب. — أيوة. — وتمنعني أعرف الحقيقة. — أيوة.
سكت. ثم قال: — وآذيتك. أخيرًا. قالها. من غير تبرير. من غير شماعة. من غير مريم. من غير الحريق. قالها ببساطة. “آذيتك.” ودي كانت أول مرة أحسه صادق بالكامل. قلت: — إنت محتاج علاج يا ياسر. ابتسم وسط دموعه. — عارف. — ومحتاج تبطل تدور على مريم في الناس. أغمض عينيه. وقال: — عارف. سكتنا.
والهواء كان بارد. وفجأة قال: — فيه حاجة أخيرة لازم تعرفيها. قلبي اتقبض. — إيه؟ مد إيده لجيبه. وطلع ظرف صغير. وقال: — تقرير التحاليل الحقيقي. اتجمدت. — إيه؟ — من سنتين. أخدته بإيد مرتعشة. وفتحته. وقريت. وبعدين بصيت له. مش مصدقة. التقرير كان بيقول إن عندي فعلًا مرض مناعي جلدي نادر في بدايته. نفس المرض اللي كانت مريم مصابة بيه.
بالضبط. شهقت. وياسر قال: — يومها خفت. خفت أقولك. خفت تعيشي نفس مصيرها. فبدأت أراقب كل حاجة. كل علامة. كل تغير. كل عرض. قلت بصدمة: — وما قلتليش؟ نزل رأسه. — كان لازم أقول. بس خوفي كان أكبر. الدموع نزلت من عيني. لأن الحقيقة كانت أعقد من مجرد شر. وأعقد من مجرد حب. كانت خليط مؤلم من الفقد والخوف والهوس.
قلت: — وأنا كنت أستحق أعرف. قال: — أيوة. كنت تستحقي. وساعتها عرفت إن النهاية مش زي القصص. مش أبيض وأسود. مش وحش كامل. ولا ملاك كامل. بس إنسان مكسور. كسر ناس حواليه. وبعدين صحا متأخر. بعد شهور طويلة. بدأ ياسر علاج نفسي فعلي. بإرادته. وأوقف كل الطقوس القديمة. العطور. والتقارير. والمراقبة. وأخذت أنا علاجي الطبي.
وابتديت أتعافى. أما علاقتنا… فما رجعتش زي الأول. لأن زي الأول كان غلط. لكنها اتبنت من جديد. ببطء. وبشروط. وبحدود. وفي يوم من الأيام. كنت واقفة قدام التسريحة. وبحط عطر جديد. اخترته أنا. مش هو. دخل ياسر. وشم الريحة. ثم ابتسم. وقال: — أول مرة ما يبقاش لافندر. ابتسمت. وقلت: — أيوة. قال:
— حلو. وبس. ما طلبش أغيره. ما اتوترش. ما قربش الزجاجة. ولا سأل أسئلة. وساعتها عرفت. إن مريم أخيرًا بقت ذكرى. وإن منى أخيرًا بقت منى. مش نسخة من حد. ولا ظل لحد. ولا محاولة لإنقاذ الماضي. بس نفسها. وده كان أجمل انتصار في القصة كلها. النهاية.

