Advertisements
Advertisements
منوعات

صوره قديمه حكايات اسما

Advertisements

شعرت بقوة تسري في عروقي للمرة الأولى منذ تلك الليلة السوداء قلت لها مش هنسكت لازم يعرفوا إنك بريئة مش بس علشاني علشان اسمك وكرامتك
اتصلت بياسر وطلبت منه أن يجمع عائلته في نفس الصالة التي طُردت منها عندما دخلت هذه المرة لم أشعر بالخوف نفسه كان معي حقي وكرامة جدتي جلست أمامهم بهدوء وأخرجت الخطاب وقرأته بصوت ثابت رأيت الوجوه تتغير مرة أخرى لكن هذه المرة لم يكن الخوف هو المسيطر بل الارتباك
تحدث ياسر بقوة لم أرها فيه من قبل وقال كفاية ظلم أربعين سنة لو في حد لازم يعتذر النهارده فهو إحنا ساد الصمت طويلاً ثم

تنهد والده وقال بصوت خافت يمكن أخطأنا وربنا ابتلانا بالمال بعد الفقر عشان يختبرنا بس نسيّنا أصلنا
لم يكن الاعتذار كاملاً ولا سهلًا لكن شيئًا انكسر داخل تلك العائلة غرور قديم تراجع خطوة للأمام قالت والدة ياسر بصوت مرتجف إحنا كنا صغيرين وخفنا على سمعتنا سامحينا يا رحمة
نظرت إلى جدتي فوجدت الدموع في عينيها لكنها ابتسمت وقالت المسامح كريم
خرجت من تلك الفيلا مرة أخرى لكن هذه المرة لم أكن مطرودة كنت مرفوعة الرأس لم يكن الطريق سهلاً بعد ذلك احتجنا وقتًا طويلاً لنعيد بناء الثقة ونتجاوز الجراح القديمة لكنني تعلمت درسًا لن أنساه أبدًا أن الحقيقة

قد تُدفن سنوات طويلة لكنها لا تموت وأن صورة بسيطة قد تكشف ما يخفيه الناس خلف جدران الفخامة
بعد أشهر أقيم زفافنا في قاعة متواضعة لكنها مليئة بالحب جلست جدتي في الصف الأول ترتدي جلبابًا جديدًا بسيطًا وتبتسم بنفس العينين المليئتين بالحنان اللتين ظهرتا في تلك الصورة القديمة وعندما عُرضت الصورة على الشاشة الكبيرة لم يصرخ أحد هذه المرة بل صفق الحضور احترامًا لامرأة صمدت أمام الظلم وانتصر حقها أخيرًا
أمسكت بيد ياسر وهمست له أن الماضي مهما كان ثقيلًا لا يجب أن يحكم مستقبلنا طالما نملك الشجاعة لمواجهته ابتسم لي وقال إن تلك الصورة التي كادت تفرقنا كانت

السبب في أن نتعلم معنى العدل والوفاء
وهكذا أدركت أن ما ظننته نهاية حياتي لم يكن سوى بداية طريق جديد طريق أعرف فيه قيمة اسمي وأصلي وأهلي وأن الحب الحقيقي لا يقوم على المال أو المكانة بل على الصدق والشجاعة وأن جدتي رحمة لم تكن مجرد امرأة بسيطة في صورة باهتة بل كانت رمزًا لقوة لا تنكسر مهما طال الزمن

مرّت سنة كاملة على زفافنا لكن آثار تلك الليلة لم تختفِ تمامًا كانت تهدأ أحيانًا ثم تعود كنسمة باردة تذكّرنا بأن الماضي لا يختفي بسهولة بل ينتظر لحظة ضعف ليطل برأسه من جديد
انتقلتُ إلى بيت ياسر بعد الزواج كان بيتًا واسعًا في التجمع الخامس مختلفًا تمامًا عن بيت جدتي الصغير الذي كبرت فيه حاولت أن أتأقلم مع الحياة الجديدة ومع نظرات بعض الأقارب الذين لم ينسوا بعد قصة الصورة كنت أشعر أحيانًا بأنني دخيلة على عالمهم رغم اعتذارهم القديم
ياسر كان يحاول بكل جهده أن يعوّضني عن أي إحساس بالنقص كان يقف بجانبي في كل موقف ويُشعرني أنني اختياره الأول لا التزامًا بل قناعة لكن شيئًا ما كان يزعجني نظرات والده الطويلة إلى جدتي كلما زارتنا كأن في صدره كلامًا لم يخرج بعد
في إحدى الأمسيات دعانا والد ياسر إلى العشاء في الفيلا نفسها التي بدأت فيها العاصفة جلستُ على نفس الأريكة تقريبًا وشعرتُ بقشعريرة خفيفة سرت في جسدي كأن الجدران تتذكر صرخة الطرد القديمة لكن الأجواء هذه المرة كانت هادئة أكثر دفئًا
بعد العشاء طلب والد ياسر أن يتحدث معي ومع جدتي على انفراد تعجبت لكنني وافقت جلسنا في مكتبه الفخم وأغلق الباب بهدوء ثم فتح درج مكتبه وأخرج ظرفًا قديمًا أصفر اللون وضعه أمام جدتي وقال هذا بقاله عندي سنين طويلة
نظرت جدتي إلى الظرف بارتباك ثم فتحته بيدين مرتجفتين كان بداخله إيصال أمانة قديم يحمل توقيعًا باسم السارق الحقيقي الذي ذكره خطاب الشاهد قالت جدتي بدهشة ده اسمه فعلًا هو اللي اتقبض عليه بعدين في قضية تانية
تنهد الرجل بعمق وقال الحقيقة إننا عرفنا بعدها بفترة إنك بريئة لكن كبرياءنا منعنا نعترف قدام الناس خفنا يقولوا إننا ظلمنا بنت غلبانة عشان نحمي نفسنا فاخترنا الصمت والصمت كان أكبر غلط عملناه
سادت لحظة ثقيلة من الصراحة لم أعهدها فيه من قبل ثم تابع بصوت مكسور أنا خسرت راحتي طول السنين دي يمكن ربنا ساق الصورة دي لبيتي علشان يجبرني أواجه نفسي
نظرت إلى جدتي فرأيت في عينيها شيئًا يشبه التحرر كأن عبئًا كان جاثمًا على صدرها منذ أربعين عامًا وآن له أن يسقط قالت بهدوء اللي فات فات المهم إننا ما نورّثش الكره لأولادنا
خرجنا من المكتب وأنا أشعر أن فصلًا جديدًا بدأ ليس فقط في حياتي أنا وياسر بل في حياة العائلتين معًا
لكن القدر لم يكن قد قال كلمته الأخيرة بعد أشهر قليلة مرضت جدتي فجأة اشتد عليها التعب ونقلناها إلى المستشفى جلستُ بجانب سريرها أستعيد كل لحظة مرت في حياتي معها كانت تمسك يدي وتبتسم ابتسامتها الهادئة نفسها
قالت لي في إحدى الليالي بصوت ضعيف متخافيش عليّ أنا عشت وشفت حقي راجع قدام عيني وده كان كفاية ليّ أهم حاجة إنك تعيشي مرفوعة الرأس
كنت أحارب دموعي وأخبرها أنها ستعود إلى بيتها قريبًا لكنني في داخلي كنت أشعر بأن الوقت يسرقنا
في صباح هادئ رحلت جدتي رحمة كما كانت دائمًا بصمت ووقار شعرت أن جزءًا مني انطفأ معها لكنني تذكرت كلماتها عن عدم توريث الكره
في جنازتها حضر والد ووالدة ياسر بأنفسهم وقفوا بجواري يستقبلون المعزين لم يكن حضورهم مجرد واجب اجتماعي بل اعتراف أخير بقيمتها أمام الجميع
بعد الدفن اقترب مني والد ياسر وقال لي بصوت خافت وعد مني إن اسم رحمة هيفضل متكرم طول ما أنا عايش
وبالفعل بعد أسابيع أعلن عن تبرع كبير لبناء مشغل خياطة خيري في الحي القديم يحمل اسم رحمة لدعم السيدات البسيطات شعرت يومها أن روح جدتي تبتسم في مكان ما
مرت الأيام وحملتُ بطفلي الأول عندما علمت بالخبر كان أول ما خطر في بالي هو تلك الصورة القديمة أدركت أنني سأصنع صورًا جديدة لأطفالي لكنني لن أخجل أبدًا من جذوري أو من بساطة أصلي
وعندما وُلدت ابنتي الصغيرة حملتها بين ذراعي ووقفت أمام صورة جدتي المعلقة في غرفة المعيشة قلت لها همسًا وعدتك إن كرامتك تفضل عالية وهعلّم بنتي تحبك وتفخر بيكي
نظر إليّ ياسر وهو يبتسم وقال أحيانًا ربنا بيستخدم أصغر حاجة صورة قديمة علشان يغيّر قلوب ناس كتير
أدركت حينها أن ما حدث لم يكن مجرد فضيحة عائلية أو سوء فهم قديم بل كان امتحانًا كشف معادن الجميع كشف ضعفي ثم قوّاني كشف كبرياءهم ثم ليّنه
وهكذا انتهى فصل الألم لكن بقيت الذكرى تذكّرني دومًا أن الحقيقة قد تتأخر لكنها تصل وأن الكرامة أثمن من أي زواج أو مال وأن صورة لامرأة بسيطة تحتضن حفيدتها يمكن أن تهز قصرًا كاملًا لكنها في النهاية تبني بيتًا أقوى قائمًا على الصدق والمغفرة والحب

كبرت ابنتي رحمة الصغيرة وسط حب كبير لم أتخيله يومًا كانت ضحكتها تملأ البيت دفئًا وكأن روح جدتي عادت لتسكن بين جدرانه من جديد كنت أحيانًا أراقبها وهي تحبو فوق السجاد الفاخر في صالة الفيلا فأبتسم للمفارقة قبل أعوام قليلة فقط كنت أخرج من هذا المكان مطرودة والآن تجري حفيدتي فيه بحرية وكأنها وُلدت لتكون هنا
ورغم كل ما حدث لم يكن كل شيء مثاليًا كما يبدو في الصور العائلية اللامعة فبعض الأقارب ما زالوا يتهامسون خلف ظهري يذكرون الماضي همسًا وكأنه سر لا يجب أن يُنسى كنت أسمع أحيانًا كلمات مثل دي بنت الخياطة أو أصلها بسيط وأشعر بوخز

خفيف في قلبي لكنني كنت أستحضر وجه جدتي فأبتسم وأتجاوز
في إحدى المناسبات الكبيرة التي جمعت معظم أفراد العائلة اقتربت مني سيدة لم ألتقِ بها من قبل عرفت أنها أخت والد ياسر نظرت إلى ابنتي في عربة الأطفال ثم قالت ببرود واضح الزمن غريب فعلاً مين كان يصدق إن بنت رحمة تبقى سيدة في عيلة المرشدي
لم يكن كلامها سبًا صريحًا لكنه حمل نبرة تعالٍ واضحة شعرت بوجهي يحمر للحظة ثم تذكرت أنني لم أعد تلك الفتاة المرتبكة التي طُردت يومًا من هنا نظرت إليها بثبات وقلت بهدوء فعلاً الزمن غريب بيعلّمنا إن الأصل الطيب هو اللي بيفضل مهما

اتغيرت الظروف
سمعت ياسر خلفي يقول بابتسامة حازمة وإحنا فخورين بأصلها قبل ما نفخر بأي حاجة تانية
تلك اللحظة الصغيرة كانت إعلانًا غير مباشر أن المعركة القديمة انتهت فعلًا وأن أي محاولة لإحيائها لن تنجح
لكن القدر خبأ لنا اختبارًا جديدًا لم نتوقعه
بعد ثلاث سنوات من زواجنا تعرضت شركة والد ياسر لأزمة مالية مفاجئة صفقة كبيرة انهارت وخسائر ضخمة تكبّدتها العائلة انتشرت الشائعات بسرعة في دوائر رجال الأعمال وبدأت الأسماء اللامعة تفقد بريقها شيئًا فشيئًا
تغيرت الأجواء في البيت أصبح القلق ضيفًا دائمًا على المائدة والوجوه التي اعتادت الثقة المطلقة بدت متجهمة متوترة
في

تلك الأيام عدت أتذكر حديث جدتي عن المال وكيف يمكن أن يكون ابتلاءً مثلما يكون نعمة
وذات مساء جلست مع ياسر في الشرفة كان صامتًا يحدق في أضواء المدينة البعيدة قلت له بصوت هادئ مهما حصل إحنا مع بعض هو ده الأهم
التفت إليّ وقال بصراحة يمكن لأول مرة أحس إننا بنفهم معنى الخسارة زمان لما ظلمنا جدتك كنا بنخاف على سمعتنا دلوقتي بنخاف على شركتنا يمكن ربنا بيفكرنا إن الكبرياء ما بيدومش
لم يمضِ وقت طويل حتى اضطروا لبيع جزء من ممتلكاتهم لتسديد الديون من بينها الفيلا الكبيرة نفسها التي شهدت بداية قصتي المؤلمة

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!