Advertisements
Advertisements
منوعات

صوره قديمه حكايات اسما

Advertisements

عندما عُرض البيت للبيع شعرت بمزيج غريب من المشاعر حزن على ذكريات متناقضة وارتياح لأن المكان الذي حمل صرخة الطرد سيصبح مجرد ذكرى
انتقلنا إلى منزل أصغر كثيرًا في حي هادئ لم يكن فخمًا لكنه كان مريحًا بسيطًا أقرب إلى بيت جدتي القديم من عالم القصور
في أول ليلة لنا هناك جلست أرضع ابنتي في غرفة صغيرة مطلية بلون أبيض بسيط شعرت براحة لم أشعر بها من قبل كأنني عدت إلى جذوري دون خجل أو خوف
بدأ ياسر مشروعًا جديدًا من الصفر بعيدًا عن اسم العائلة الكبير عمل بجد وتواضع تعلّم كيف يبدأ خطوة خطوة دون اعتماد على إرث أو نفوذ
كنت أعمل إلى جانبه أحيانًا أساعده في تنظيم الحسابات وأحيانًا أبيع منتجات بسيطة عبر الإنترنت مستلهمة مهارة جدتي في الخياطة حتى قررت أن أفتتح مشغلًا صغيرًا باسمي يحمل اسم رحمة
لم يكن المشروع ضخمًا لكنه كان صادقًا كانت النساء البسيطات يأتين للعمل معنا وأشعر كل يوم أنني أحقق وصية جدتي دون أن أنطق بها
وذات يوم دخلت إلى المشغل فتاة شابة تبدو خجولة قالت إنها سمعت عن المكان من إحدى الجارات وتريد فرصة عمل أخبرتني قصتها كانت قد اتُهمت ظلمًا في بيت عملت فيه بالخدمة وطُردت دون دليل شعرت بقشعريرة تسري في جسدي كأن التاريخ يعيد نفسه
نظرت إليها طويلاً ثم قلت لها هنا محدش هيسألك عن ماضيك طول ما إيدك نظيفة وقلبك طيب
عندما عدت إلى البيت تلك الليلة تأملت صورتي القديمة مع جدتي المعلقة على الحائط أدركت أن تلك الصورة التي كادت تدمر حياتي كانت بذرة لكل هذا التحول لو لم تُعرض يومها لما انكشفت الحقيقة ولما تغيرت قلوب ولما تعلمنا معنى العدل
مرت السنوات وأصبح مشغلي معروفًا في الحي وصار مشروع ياسر الصغير يكبر بثبات ليس بسرعة الثراء القديم لكن بنجاح متزن لا يعتمد على استعراض أو غرور
وفي احتفال بسيط بمناسبة مرور عشرة أعوام على زواجنا جمعنا الأهل والأصدقاء في قاعة متواضعة علّقنا فيها صورًا كثيرة من رحلتنا من بينها بالطبع صورة جدتي وهي تحتضنني رضيعة
وقفت أتأملها طويلًا لم تعد صورة تثير الرعب أو الصدمة بل أصبحت رمزًا لرحلة كاملة من السقوط والقيام من الظلم والمغفرة من الفقد والبداية
اقتربت ابنتي التي أصبحت في العاشرة من عمرها وسألتني ماما ليه الصورة دي مهمة قوي كده
ابتسمت ومسحت على شعرها وقلت لأن الست دي علمتني إن الكرامة أهم من أي حاجة وإن الحقيقة حتى لو اتأخرت بتيجي
نظرت إلى الصورة ثم قالت بفخر يبقى أنا عايزة أبقى زيها
في تلك اللحظة شعرت أن الدائرة اكتملت وأن الماضي الذي حاول البعض دفنه أو إنكاره صار حجر أساس لمستقبل أقوى
لم أعد أخشى الصور القديمة ولا ذكريات الألم لأنها لم تعد سلاحًا ضدي بل قصة قوة أحكيها دون خوف
وهكذا بدأ فصل جديد لا يقوم على الهروب من الماضي بل على احتضانه كما احتضنتني جدتي يومًا بين ذراعيها بحب بسيط صادق حب استطاع أن يهز قصرًا ويغيّر عائلة ويبني حياة كاملة من جديد

انت في الصفحة 3 من 3 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!