Advertisements
Advertisements
منوعات

الدمية الجزء التالت حكايات اسما السيد

Advertisements

الانفجار ماكانش ضخم…

لكنه كان كفاية يقلب الأوضة لجح-يم. نور أبيض ضرب عيني.
صوت صفارة حادّة خرّمت وداني.
والحيطة اللي جنب الشباك اتفجر-ت شظا-يا. حضنت لين بكل قوتي ووقعت على الأرض. صرخا-ت.
دخا-ن.
ريحة نا-ر وتراب ود-م. لثواني ماكنتش سامعة غير طنين. وبعدين… سمعت نادين بتصرخ بشكل هستيري:
— باباااا! رفعت راسي ببطء وسط الدخان. اللواء حسام كان واقع على الأرض. نص وشه متغرق دم. لكن لسه حي. أما الراجل الضخم…
فكان ساكن تمامًا. مات. سيف وقع بالكرسي على جنبه، بيكح بعن-ف ويحاول يفك نفسه.

ولين كانت بتعيط في حضني. لكن وسط الفوضى…
في حاجة شدت انتباهي. الدمية نفسها. اتفتحت بالكامل بعد الانفجا-ر. ومن وسط القطن المحر-وق…
ظهر جسم معدني صغير. هارد ديسك. نادين شافته في نفس اللحظة. وعينيها اتغيرت. ما بقاش فيها خوف…
بقى فيها جنون. هجمت ناحيته فورًا. لكن قبل ما توصل… طلقة دوّت من برا الأوضة. نادين وقفت مكانها بصدمة. بقعة دم صغيرة ظهرت على كتفها. وبعدين صوت كريم:
— ابعدي عنه! دخل وهو بينزف من جنبه، والمسدس في إيده بيترعش.

ورا ضهره…
كان فيه نور أزرق وأحمر بيملأ السطح. عربيات شرطة. بس مش شرطة عادية. قوات خاصة. حسام أول ما شاف النور…
وشه شحب لأول مرة. همس:
— مستحيل… كريم ضحك بتعب:
— فاكر إنك ماسك كل الناس؟… فيه ناس أكبر منك وقعتك خلاص. نادين بصت لأبوها بذعر:
— قلتلي كلهم تحت إيدنا! لكن حسام ما ردش. كان بيبص للهارد ديسك. كأنه شايف نهايته. وفجأة… سيف صرخ:
— مريم! خدي لين واهربي! لفّيت بصدمة. لقيت حسام، رغم إصابته، مطلع مسدس صغير من ضهره.

وكان مصوبه ناحية لين مباشرة. الوقت وقف. عينيه كانت باردة بشكل مرعب. وقال بهدوء:
— لو مش هنعرف ندفن السر… يبقى محدش هيعيش بيه. صرخت وجريت أحضن بنتي… لكن قبل ما يضرب… نادين اتحركت فجأة. وقفت قدام المسدس. الطلقة خرجت. واخترقت صدرها. هي نفسها بصت لأبوها بعدم تصديق. حسام اتجمد. أما نادين…
فوقعت على ركبها ببطء. الدم نزل على فستانها الأبيض. وبصتلي. ولأول مرة…
ماكانش في عينيها شر. كان فيهم تعب. ندم. همست بصعوبة:
— أنا… ماكنتش عايزة البنت تموت…

وسعلت دم. كريم جرى يشد المسدس من إيد حسام، والقوات الخاصة اقتحمت المكان أخيرًا. صوت صريخ وأوامر وناس بتجري. لكن أنا…
ماكنتش شايفة غير لين. حضنتها بقوة وأنا بعيط لأول مرة من بداية الكابوس. وبين كل الأصوات…
سمعت نادين بتقول آخر جملة قبل ما عينيها تقفل: — اسألوا… عن الأطفال اللي تحت المستشفى القديم… وبعدين…
سكتت. المكان اتحول لفوضى كاملة. رجالة القوات الخاصة كبّلوا اللواء حسام وهو بيصرخ ويهدد بأسماء ومناصب، لكن محدش كان بيسمعه.

كريم وقع على الأرض من النزيف. وسيف…
كان لسه مربوط في الكرسي، بيبص لنادين الممددة قدامه كأنه مش مستوعب إنها ماتت فعلًا. أما أنا…
فكل تركيزي كان على لين. حضنا بعض كأننا بنحاول نتأكد إننا لسه عايشين. لكن جملة نادين الأخيرة فضلت تدور في دماغي: “الأطفال اللي تحت المستشفى القديم.” بعد ساعات… الفجر بدأ يطلع. أنا ولين كنا قاعدين في عربية إسعاف، ملفوفين في بطاطين. ضابط شاب جه ناحيتي وقال:
— محتاجين أقوالك يا مدام مريم… بس فيه حاجة أهم دلوقتي.

رفع تابلت قدامي. خبر عاجل. “حريق ضخم يلتهم المخزن ١٧ بالقاهرة الجديدة وسط أنباء عن مستندات خطيرة.” وتحته مباشرة… “مصادر أمنية: فتح تحقيق سري مع اللواء حسام المنياوي.” الدنيا كانت بتقع فعلًا. لكن المفاجأة الأكبر جات بعدها. كريم، رغم إصابته، طلب يشوفني. دخلتله عربية الإسعاف. كان شاحب جدًا. لكن أول ما شاف لين ابتسم. وبعدين بصلي بجدية:
— نادين قالت الحقيقة… فيه أطفال فعلًا. قلبي اتقبض. — أطفال إيه؟ طلع من جيبه ورقة صغيرة متكرمشة، عليها خريطة قديمة.

وأشار على مكان مهجور قريب من حلوان. — مستشفى خاص قديم اتقفل من سنين… الشبكة كانت بتستخدم السراديب اللي تحته. حسيت برعشة. — يعني… الأطفال لسه هناك؟ كريم هز راسه ببطء:
— معرفش… بس سيف حاول يهرب مجموعة منهم قبل ما يمسكوه. بصيت ناحية سيف من بعيد. كان قاعد محاط برجالة الأمن، وشه غرقان انهيار. الراجل اللي كرهته سنين…
طلع أسوأ مما تخيلت. وأيضًا…
مش أسوأ واحد في القصة. وفجأة… ضابط جري ناحية العربية وهو بيصر-خ:
— لقينا نفق تحت المستشفى!

كل اللي حوالينا اتحركوا بسرعة. أوامر لاسلكية.
عربيات بتتحرك.
صفارات. لين مسكت إيدي بخوف:
— ماما… هنروح فين؟ بصيت في عينيها. وكان لازم أقرر. أهرب ببنتي بعيد عن الجح-يم ده كله… ولا أكمل وأعرف كام طفل تاني ممكن يكون مستني حد ينقذه؟ لكن قبل ما أرد… تليفون الضابط رن. رد…
واتغير وشه فورًا. بصلي بصدمة وقال:
— فيه مشكلة. قلبي وقع. — إيه؟! بلع ريقه:
— اللواء حسام… اختفى. الكلمة نزلت عليّا كأن حد سكب تلج في ضهري.

— اختفى إزاي يعني؟! الضابط هز راسه بتوتر:
— العربية اللي كانت بتنقله اتهاجمت في الطريق الدائري… اتق-تل اتنين حراسة… وهو هرب. كريم شتم بصوت واطي:
— قلتلكم… الراجل ده عنده ناس في كل مكان. لين كانت ماسكة إيدي بقوة، حاسة إن في كارثة جاية حتى لو مش فاهمة. لكن قبل ما أتكلم… دوّى صوت انفجا-ر بعيد. كل الناس لفّت ناحية الشرق. عمود نار طلع في السما. الضابط لمس السماعة في ودنه ووشه شحب:
— المستشفى القديم.

قلبي وقف. ركبوا القوات بسرعة، والعربيات انطلقت، وأنا من غير تفكير ركبت مع لين وكريم في عربية إسعاف ماشية وراهم. الطريق كله كان صفارات ودخان. ولما وصلنا… المشهد كان مرعب. المستشفى المهجور نصه مولّع.
شبابيك مكسورة.
وناس بتجري في كل اتجاه. لكن وسط الفوضى…
كان فيه أطفال. أطفال فعلًا. أربع أطفال خرجوا من باب جانبي وهم بيعيطوا، لابسين هدوم مستشفيات قديمة. واحدة من الممرضات كانت شايلة طفل صغير فاقد الوعي وهي تصر-خ:
— لسه فيه تحت!

جسمي كله اتجمد. نادين ماكدبتش. النفق كان حقيقي. وفجأة… سمعت لين تهمس:
— ماما… هناك. بصيت ناحية إصبعها. وعلى سطح المبنى المحترق… كان واقف اللواء حسام. هدومه متبهدلة ووشه محروق جزئيًا، لكنه لسه ماسك سلاح. وبجانبه… ولد صغير. عنده يمكن سبع سنين. الولد كان مرعوب، وحسام حاطط المسد-س في رقبته. صرخت الناس تحت. قناصة القوات الخاصة بدأوا يثبتوا سلا-حهم. لكن حسام صرخ من فوق:
— أي حد يقرب… الولد يموت! صوته كان مليان جنون. مش صوت رجل دولة.
صوت واحد خسر كل حاجة.

وبعدين… بص عليّا مباشرة وسط الزحمة. كأنه كان مستنيني. وشاورلي بإيده:
— إنتِ… اطلعي لوحدك. الضابط شدني فورًا:
— مستحيل. لكن حسام ضغط المسدس أكتر على رقبة الطفل. الولد بدأ يصرخ. لين دفنت وشها في حضني وهي بتعيط. أما أنا…
فكنت ببص في عيون حسام. وعرفت إنه مش بيمثل. الراجل ده مستعد يق-تل أي حد قبل ما يقع. كريم قرب مني بسرعة وهمس:
— لو طلعتي له… ممكن ما ترجعيش. بصيت للطفل فوق السطح. وبعدين للين.

وبعدين أخدت نفس طويل. وقلت:
— افتحولي الطريق. طلعت السلم الداخلي للمستشفى لوحدي. كل درجة كانت بتصرخ تحت رجلي من الحريق. ريحة الدخان خانقة.
والحرارة بتلسع جلدي. ولما وصلت السطح… لقيت حسام واقف عند الحافة، والولد بيترعش قدامه. الهواء كان مليان رماد. حسام ابتسم أول ما شافني. ابتسامة تعبانة… ومجنونة. — كنتِ أذكى مما توقعت يا مريم. قلت وأنا بحاول أثبت صوتي:
— سيب الولد. ضحك بخفوت:
— كلكم فاكرين إن القصة عن أطفال وشبكة وفلوس… لكن الحقيقة أكبر بكتير.

خطوة ورا خطوة قربت منه. — خلاص انتهيت… كل حاجة اتكشفت. هز راسه ببطء. — لا… اللي اتكشف مجرد واجهة. وبعدين طلع من جيبه موبايل صغير. ورماه ناحيتي. لقطته بتوتر. الشاشة كانت مفتوحة على فيديو مباشر. ولما بصيت… نفسي اتسحب بالكامل. لأن الفيديو كان لِـ لين. بنتي. لكنها ماكنتش تحت مع الإسعاف. كانت مربوطة على كرسي… في مكان مجهول. الموبايل وقع تقريبًا من إيدي. بصيت للفيديو وأنا مش قادرة أتنفس. لين كانت مربوطة فعلًا. فمها متغطّي بشريط…
وعينيها مليانة ر-عب.

لكن ده مستحيل. لين تحت. أنا سيباها تحت بنفسي. رفعت عيني لحسام بصدمة. ابتسم. — الشبكة اللي بتحاربيها يا مريم… شغالة بقالها عشرين سنة. تتخيلي كام بنت شبه لين عدّوا علينا؟ قلبي كان هيقف. بصيت للفيديو تاني. وبعدين…
لاحظت حاجة. لين اللي في الفيديو لابسة بيجامة وردي. أما بنتي اللي سيبتها تحت…
كانت لابسة الجاكيت الأصفر اللي غطيتها بيه في عربية الإسعاف. نفسي رجع فجأة. دي مش لين. البنت شبهها بس. شبهها بشكل مرعب. حسام كان بيراقب وشي.

ولما فهم إني اكتشفت اللعبة…
اختفت ابتسامته. — ذكية فعلًا. قلت وأنا ببصله بثبات لأول مرة:
— انتهيت يا حسام. ضحك.
ضحكة قصيرة متعبة. وبعدين بص للولد اللي ماسكه. الولد كان بيعيط بصمت. حسام همس:
— تعرفي… أول مرة دخلت المجال ده كنت مقتنع إني بنقذ أطفال الشوارع. بديهم حياة جديدة… أكل… سفر… مستقبل. سكت لحظة. — بعدين الفلوس كبرت… والناس الكبار دخلوا… وبقى مستحيل أخرج. قلت بحدة:
— فبقيت تبيعهم. عينيه اتهزت لأول مرة.

وكأنه سمع الحقيقة بصوت عالي بعد سنين. النار حوالينا كانت بتقرب. السقف بدأ يطقطق. وفي الأسفل…
صوت القوات بيقرب. حسام بص للسماء السودا بالدخان. وبعدين سلّم الولد ليا فجأة. اتجمدت. شدّيته بسرعة بعيد عنه. وفي اللحظة دي…
حسام رجع خطوة لورا ناحية حافة السطح. صرخت:
— ماتعملش كده! ابتسملي بهدوء غريب. — قولي لبنتك… إن الوحوش مش بيتولدوا وحوش. وقبل ما ألحق أتحرك… رمي نفسه. صر-ختي ضاعت وسط صوت النار والناس تحت. جريت للحافة وأنا حاضنة الطفل.

لكن كل اللي شفته…
عربيات الإسعاف.
والدخان.
وجسد اللواء حسام ثابت على الأرض تحت. انتهى. بعدها بأسبوعين… القاهرة كلها كانت بتتكلم عن القضية. أسماء كبيرة اتقبض عليها.
مستشفيات وملاجئ اتقفلت.
وأطفال كتير رجعوا لعائلاتهم. كريم نجا من العملية، لكنه اختفى بعدها بأيام بدون أثر. أما سيف…
اعترف بكل حاجة. وفي المحكمة، أول مرة بصلي بصدق وقال:
— أنا استاهل الكره… بس حاولت أصلّح اللي أقدر عليه. ما رديتش. بعض الجروح مابتخفش بسهولة. وفي ليلة هادية بعدها بشهور…

كنت بحط لين في سريرها. بقت تنام من غير كوابيس أخيرًا. حضنتني وهمست:
— ماما… بابا كان وحش؟ سكتّ ثواني طويلة. وبعدين قلت:
— بابا عمل حاجات وحشة… بس في آخر لحظة حاول ينقذ ناس. فكرت شوية…
وبعدين قالت:
— يعني ربنا ممكن يسامحه؟ عيني دمعت رغمًا عني. بست جبينها وطفّيت النور. — ربنا أرحم مننا كلنا يا لين. قفلت الباب بهدوء… لكن قبل ما أمشي،
لمحت حاجة فوق مكتبها الصغير. دمية قديمة. نضيفة المرة دي.

ومخيطة بعناية. اتجمدت مكاني. قربت ببطء… ولقيت ورقة صغيرة متعلقة فيها. بخط أنا أعرفه كويس. خط كريم. “لسه فيه أطفال مارجعوش.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!