
اتجمدت أوضة المراقبة كلها.
الفني وقف بإيده على الكيبورد ومش بيتحرك، والممرضتين اللي كانوا واقفين عند الباب بصوا للشاشة وكأنهم شايفين شبح، أما أنا فحسيت إن قلبي بيدق بطريقة وجعاني جسديًا.
لأن الراجل اللي واقف ورا رنا كان نسخة من ابني.
نفس الطول.
نفس الوقفة.
حتى الطريقه اللي بيميل بيها راسه شوية وهو واقف.
لكن لما الصورة اتكبرت أكتر… ظهر الفرق.
العينين.
أحمد كانت عينيه أهدى. أدفى. حتى وهو زعلان.
أما الراجل ده… فعينيه كانت باردة بشكل غريب.
كأنك تبص لوش بني آدم من غير روح.
ريم شهقت وهي حاطة إيديها على بقها. — لا… لا مستحيل…
المقدم ليلى قربت من الشاشة أكتر. — مين ده؟
ريم بدأت ترجع لورا بخوف حقيقي. — أنا… أنا شفته قبل كده.
لفتلها ليلى بسرعة. — فين؟!
ريم بلعت ريقها. — يوم عزاء أحمد.
الهواء اتسحب من صدري.
افتكرت اليوم ده فورًا.
العزاء كان مليان ناس.
رجالة داخلة طالعة. قرايب. صحاب. جيران.
كنت تايهة أصلًا من الصدمة.
لو كان فيه حد شبه أحمد… يمكن فعلًا ماخدتش بالي.
ريم همست: — كان واقف بعيد تحت الشجرة اللي قدام البيت…
وباصص علينا طول الوقت.
ليلى سألت: — وقولتيش ليه؟
ريم ضحكت ضحكة متقطعة كلها رعب. — لأن وقتها افتكرته تهيؤات… كنت حرفيًا بفقد عقلي.
لكن دلوقتي… دلوقتي أنا متأكدة.
ليلى بصتلها بثبات. — متأكدة من إيه؟
ريم همست: — رنا ماكنتش لوحدها.
سكتنا كلنا.
قلبي كان بيدق بعنف لدرجة إني حسيتهم سامعينه.
ليلى سألت: — تقصدي إن فيه حد بيساعدها؟
ريم هزت راسها ببطء. — رنا عمرها ما كانت ذكية كفاية تخطط لكل ده لوحدها.
الفني رجع الفيديو من الأول ببطء.
كلنا بقينا مركزين في كل تفصيلة.
رنا ماشية بهدوء. شايلة الطفل. خارجة من المستشفى.
والراجل واقف بعيد كأنه بيأمن خروجها.
وفجأة… وقف الفيديو على لحظة صغيرة جدًا.
الراجل مد إيده لرنا.
وكان في إيده… خاتم فضي.
قلبي وقف.
الخاتم ده أنا أعرفه.
صرخت بدون وعي: — ده خاتم أحمد!
ليلى لفتلي بسرعة. — متأكدة؟
دموعي نزلت غصب عني. — ده خاتم جوزه… أنا اللي جبتهوله.
الصمت بقى مرعب.
إزاي راجل غريب يلبس خاتم ابني؟
وفجأة… فكرة بشعة ضـ,ـربت دماغي.
بصيت لليلى وأنا حاسة إني بتخنق. — الج*ثة…
ليلى فهمت قبل ما أكمل.
وشها اتغير فورًا. — تقصدي ج*ثة أحمد؟
همست: — أنا ما شفتوش.
ريم بصتلي بصدمة.
كملت وأنا حاسة برجلي بتنهار: — يوم الحـ,ـادثة… قالولي العربية اتحرقت جامد… والج*ث/ة مش*وهة… وقالوا التعرف كان من المحفظة والخاتم والعربية.
ليلى سكتت ثواني طويلة.
ثواني حسيتهم عمر كامل.
وبعدين طلعت تليفونها بسرعة وطلبت رقم.
أول ما حد رد قالت: — عايزة ملف حـ,ـادث أحمد السيوفي كامل حالًا… وتقارير الطب الشرعي الأصلية.
قفلت وبصتلنا.
ولأول مرة… شوفت التوتر الحقيقي في وشها.
همست: — لو اللي بفكر فيه صح… يبقى إحنا داخلين على مصيبة.
أنا حرفيًا كنت هقع.
لأن الفكرة اللي بدأت تدخل دماغي كانت مستحيلة.
مستحيل.
لكن كل حاجة حوالينا كانت بتزقنا لنفس السؤال:
ماذا لو أحمد… ما ماتش؟
في اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح بعنف.
عسكري دخل وهو متوتر: — يا فندم… لقينا عربية الست ريم.
ليلى لفت بسرعة. — فين؟
— قدام المستشفى.
اتجمدنا كلنا.
ريم همست: — عربيتي؟!
العسكري كمل: — بس مفيش حد جواها.
جرينا كلنا لتحت.
المطر كان بدأ ينزل خفيف، والهوا بارد بشكل خانق.
عربية ريم كانت فعلًا واقفة قدام باب المستشفى.
لكن الباب الخلفي مفتوح.
ولما قربنا…
شهقت ريم.
لأن الشنطة البنية… كانت جوه العربية تاني.
نفس الشنطة اللي طلعتها بإيدي من الترعة.
رجلي ضعفت.
إزاي رجعت هنا؟!
ليلى رفعت إيدها بسرعة. — محدش يلمس حاجة.
لكن قبل ما حد يتحرك…
طلع صوت خافت.
صوت موبايل بيرن.
كلنا بصينا ناحية الشنطة.
الرنة جاية من جواها.
العسكري بص لليلى بخوف. — يا فندم…
ليلى قربت بحذر وفتحت الشنطة.
الموبايل كان جوه فعلًا.
تليفون قديم.
الشاشة منورة باسم واحد بس:
“أحمد”.
شهقت بصوت عالي.
إيديا بدأت تتلج.
ليلى ردت بسرعة وحطت الاسبيكر.
وكلنا حرفيًا وقفنا النفس.
ثانيتين.
ثلاثة.
وبعدين…
جالنا صوت تنفس.
تقيل.
متعب.
وبعدها… صوت راجل.
الصوت اللي سمعته طول عمري.
صوت ابني.
— أمي…
صرخت.
حرفيًا صرخت باسمه وأنا حاسة إن قلبي انفجر: — أحمد؟!
ريم وقعت على العربية وهي بتعيط.
لكن الصوت كمل بسرعة: — اسمعوني كويس… مفيش وقت.
ليلى خطفت التليفون. — إنت فين؟!
صوت أحمد كان متقـ,ـطع. — رنا مش أخطر حد… اللي معاها أخطر.
ليلى قالت بحدة: — مين؟!
لكن فجأة سمعنا صوت تكسير بعيد… وبعدين أحمد شهق كأنه حد ضـ,ـربه.
صرخت: — أحمد!
قال بسرعة وهو بيتنفس بالعافية: — الطفل… خلوه بعيد عنهم…
وبعدين… الخط اتقطع.
وقفت أبص للتليفون وأنا حاسة إني بحلم.
ابني حي.
حي.
لكن قبل ما نستوعب…
ريم همست برعب: — هي لقته.
ليلى لفتلها بسرعة. — مين؟
ريم كانت بتترعش بالكامل. — رنا… هي كانت بتدور عليه طول الشهور دي.
قلبي دق بعنف. — يعني إيه؟
ريم بصتلي بدموع. — أحمد ما ماتش في الحـ,ـادثة… أحمد هرب.
الدنيا لفت بيا.
— هرب؟!
ريم هزت راسها بعنف. — بعد ما اكتشف إن رنا حامل… وإنها مهووسة بيه… حاول يبلغ الشرطة.
ليلى سألت: — وبعدها؟
— بعدها العربية وقعت فعلًا… بس أحمد نجا.
شهقت. — ليه ما رجعش؟!
ريم انفجرت في العياط: — لأنه كان فاكر إن رنا هتق*تلكم كلكم لو ظهر!
سكتنا.
وهي كملت بانهيار: — كانت بتبعتله صور البيت… وصورك إنتِ… وصوري أنا… وكانت تقوله لو رجع هتبدأ تق*تلنا واحد واحد.
قلبي كان بيتقطع.
ابني كان حي طول الوقت… وبيستخبى.
لكن ليلى كانت لسه مركزة في الأهم. — والطفل؟
ريم غمضت عينيها. — الطفل هو السبب في كل حاجة.
قربتلها بعنف. — إزاي؟!
همست: — لأن رنا مقتنعة إن الطفل ده لازم ياخد مكان أحمد كله.
الجو حوالينا بقى أبرد.
ليلى سألت: — تقصدي الورث؟
— وكل حاجة… الاسم… الفلوس… الحياة اللي هي ماعاشتهاش.
في اللحظة دي، موبايل ليلى رن.
ردت بسرعة.
كلنا كنا باصين لوشها وهو بيتغير ثانية بثانية.
قفلت المكالمة ببطء.
وقالت الجملة اللي خلت جسمي يتجمد:
— لقينا البيت اللي أحمد كان مستخبي فيه.
قلبي طلع على لساني. — وهو فيه؟!
ليلى بصتلي مباشرة.
— كان فيه دم كتير.
شهقت ريم.
أما أنا… فحسيت الدنيا اسودت.
لكن ليلى كملت بسرعة: — بس مفيش ج*ثة.
اتنفست بالعافية.
لسه حي. لازم يكون حي.
وفجأة… العسكري اللي واقف بعيد صرخ: — يا فندم!
لفينا كلنا.
كان بيشاور ناحية الناحية التانية من الشارع.
في ست واقفة تحت المطر.
لابسة إسدال أسود.
وشها مستخبي.
لكن من وقفتها… عرفناها كلنا.
ريم شهقت: — رنا.
الست رفعت وشها ببطء.
ونفس الابتسامة الباردة ظهرت على وشها.
لكن اللي ق*تلني بجد…
إن الطفل كان في حـ,ـضنها.
حي.
وساكت.
كأنها أمه فعلًا.
ليلى طلعت مس*دسها فورًا. — حطي الطفل على الأرض وارمي إيدك ورا ضهرك!
لكن رنا ما خافتش.
بالعكس…
ابتسمت أكتر.
وقالت بصوت هادي جدًا: — متأخرين أوي.
وفجأة… العربية اللي كانت واقفة جنبها فتحت بابها.
ونزل منها الراجل اللي شبه أحمد.
قلبي وقف.
المطر نازل فوق وشه.
وأول ما قرب للنور…
شهقت بقوة.
لأن الراجل ده…
كان ابني فعلًا.
أحمد.
حي.
لكن عينيه… كانت مليانة رعب عمره ما عرفه قبل كده.
بصلي للحظة.
ولأول مرة من تمن شهور…
سمعته بيقول: — سامحيني يا أمي.
يتبع

