
بعد سنة كاملة…
الحياة بدأت تبان طبيعية. أو على الأقل…
أقرب حاجة للطبيعي بعد كل اللي حصل. البيت الجديد في الفيوم بقى مليان صوت البنات طول الوقت. لين.
ليلى.
وسارة. ثلاث نسخ متشابهة…
لكن كل واحدة فيهم ليها روح مختلفة تمامًا. لين بتحب الرسم.
ليلى هادية وبتخاف من الضلمة.
وسارة مش بتسكت ثانية. وأنا…
بقيت “ماما” للتلاتة. في البداية كنت بخاف. كل مرة واحدة منهم تمرض…
كل مرة يسرحوا بنفس الطريقة…
كل مرة يقولوا نفس الجملة في نفس الوقت…
كان الرعب يرجعلي. لكن مع الوقت…
بدأت أشوفهم كأطفال وبس. مش مشروع.
مش تجربة.
مش نسخ. بشر. وفي يوم ممطر… كنت برتب أوضة المكتب القديمة. لقيت صندوق صغير كنت مخبياه من القضية. جواه:
الفلاشة.
صور سيف.
ورسالة ماقريتهاش قبل كده. الرسالة كانت من نادين. إيدي اترعشت وأنا بفتحها. “لو وصلتي للرسالة دي…
يبقى الأغلب إني مت. أنا عارفة إنك عمرك ما هتسامحيني.
بس فيه حاجة لازم تعرفيها. أنا ما اخترتش أدخل المشروع.
أنا اتولدت جواه.
أبويا رباني على إن الأطفال دول منتجات.
ولما كبرت…
بقيت أخاف أخرج. لكن لما شفت لين…
أول مرة أحس إنهم مش نسخ. عشان كده ساعدت سيف يخبّي الهارد ديسك. وعشان كده في آخر لحظة…
اخترت الرصاصة بدل البنت. لو تقدري…
حاولي تخليهم يعيشوا كبشر طبيعيين. ومتخليش حد يعرف حقيقتهم.” قعدت أعيط وقت طويل. لأول مرة…
حسيت إني فهمت نادين فعلًا. مش سامحتها. لكن فهمتها. قفلت الرسالة وحطيتها في الصندوق. وفجأة… سمعت البنات بيضحكوا برا. خرجت الجنينة.
ولين كانت بتجري ورا فراشة.
ليلى بتحاول تسقي زرع بخرطوم أكبر منها.
وسارة غرقت نفسها بالمية وبتضحك بجنون. ضحكت رغماً عني. لكن وأنا ببصلهم… لمحت عربية سودا واقفة بعيد عند آخر الطريق الترابي. قلبي اتقبض فورًا. العربية فضلت واقفة ثواني… وبعدين مشيت ببطء. جريت دخلت البيت وقفلت الباب. رجعت أبص من الشباك. مافيش حد. يمكن مجرد عربية عادية. أو يمكن لا. وفي نفس الليلة… بعد ما البنات ناموا… لقيت ظرف أبيض تحت باب البيت. مفيش اسم.
مفيش عنوان.
فتحته بحذر. وكان جواه صورة واحدة فقط. صورة لِـ لين…
وهي في المدرسة الصبح. متصورة من بعيد. وتحت الصورة جملة مطبوعة: “الدفعة الثانية جاهزة.”
إيديا تجمدت على الصورة.
بصيت ناحية أوضة البنات فورًا. كلهم نايمين. لكن قلبي رجع يدق بنفس الرعب القديم…
الرعب اللي كنت فاكرة إنه انتهى. قفلت الشبابيك كلها بسرعة، وطفيت نور الصالة. الصورة كانت واضحة جدًا. معنى كده إن حد كان بيراقب لين من أيام. مش صدفة.
مش تهديد فارغ. مراقبة حقيقية. قعدت على الكنبة وأنا بحاول أتنفس. وفجأة…
الموبايل رن. رقم مجهول. ترددت ثواني…
وبعدين رديت. صمت. وبعدين صوت راجل عجوز:
— واضح إنك ما فهمتيش الدرس يا مريم.
جسمي كله اتشنج. — مين؟! ضحكة خافتة خرجت من السماعة. — المشروع ماكانش شخص واحد… ولا معمل واحد. اللي ماتوا مجرد موظفين. بلعت ريقي:
— إنتوا عايزين إيه؟! — الأطفال ملكنا. بصيت ناحية أوضة لين بغض-ب مر-عب. — مستحيل ألمسهم حد. الراجل سكت لحظة…
وبعدين قال بهدوء: — الدفعة الثانية محتاجة الأم الأصلية. نفسي وقف. — إيه؟! لكن الخط اتقفل. في اللحظة دي… سمعت صوت خبط خفيف من فوق. مش على الباب. على السقف. اتجمدت.
البيت دور واحد…
ومفيش سبب يخلي حد فوق. الخبط اتكرر. تك…
تك…
تك… مسكت سكينة المطبخ ومشيت ببطء ناحية السلم الصغير اللي بيطلع للسطح. كل خطوة كانت تقيلة. ولما فتحت باب السطح… ماكانش فيه حد. الهواء بس. والضلمة. لكن على الأرض… كان فيه صندوق معدني صغير. رجعت بيه بسرعة وقفلت الباب. فتحته وأنا برتعش. جواه جهاز تسجيل قديم. ضغطت تشغيل. وفي البداية طلع تشويش… وبعدين صوت. صوت ست بتعيط. وفجأة…
عرفته. كان صوتي أنا. لكن تسجيل قديم جدًا.
“أرجوك… فين بنتي؟! قلتوا هترجعوها!” نفسي اتسحب بالكامل. التسجيل كمّل. وصوت راجل قال:
— النسخة الأولى ماتت أثناء الولادة… بس إحنا قدرنا نحافظ على العينة. صوتي أنا رجع تاني…
منهار:
— أنا وافقت على علاج… مش على ده! وقعت قاعدة على الأرض. الذكريات بدأت تضرب دماغي فجأة. المستشفى.
التخدير.
ولادة لين. حاجات كنت فاكرة إنها ضباب بسبب التعب… لكنها ماكنتش ضباب. كانت متخبّية. أنا ماكنتش مجرد “أم بالتبني”. أنا كنت جزء من التجربة من البداية.
وفجأة… جهاز التسجيل اشتغل لوحده تاني. آخر جزء في التسجيل. صوت الراجل نفسه قال: — لو سمعتي الرسالة دي يا مريم… يبقى ذاكرتك بدأت ترجع. وده معناه إنهم هييجوا ياخدوا منك النسخة الأخيرة. وبعدين… صوت طفل صغير همس قريب جدًا من الميكروفون: — ماما… افتحي الباب. وفي نفس اللحظة… حد خبط باب البيت الرئيسي. الخبط كان هادي المرة دي. وده كان أخوف بكتير من العنف. وقفت مكاني، وجسمي كله متجمد. الساعة كانت ٢:٤٣ الفجر. البنات نايمين.
أو المفروض إنهم نايمين. الخبط اتكرر. وبعدين…
صوت طفل صغير من برا: — ماما… أنا بردان. قلبي وقع. الصوت…
كان نسخة من صوت لين. جريت ناحية أوضة البنات. فتحت الباب بسرعة. لين وليلى وسارة كانوا في السرير فعلًا…
لكن قاعدين مستقيمين في نفس اللحظة. فاتحين عينيهم. ويبصوا ناحيتي بدون حركة. همست:
— لين…؟ لكن التلاتة ردوا بنفس الصوت بالضبط: — افتحي الباب يا ماما. رجعت لورا بخوف. وفجأة…
كل الأنوار في البيت بدأت تومض. صوت تشويش طلع من كل الأجهزة.
الراديو القديم اشتغل لوحده. والصوت العجوز رجع: — الارتباط العصبي بدأ يرجع… ابعديهم عن بعض فورًا. صرخت:
— إيه اللي بيحصل؟! لكن البنات نزلوا من السرير ببطء. وكلهم بيتحركوا بنفس الطريقة. نفس الخطوات.
نفس الميلان البسيط للرأس. لين قربت مني. وفي عينيها دموع. همست بصوتها الحقيقي أخيرًا:
— ماما… أنا خايفة. حضنتها فورًا. وفي اللحظة دي…
ليلى وسارة وقعوا على الأرض يصرخوا بألم. أجهزة البيت كلها انفجرت تشويش. والخبط على الباب تحول لضرب عنيف. حد بيحاول يدخل.
جريت ناحية المطبخ وأنا حاضنة لين، لكن فجأة سارة صرخت: — هم وصلوا! والباب الرئيسي اتكسر. دخل ثلاثة رجال لابسين أسود. خلفهم…
راجل عجوز على كرسي متحرك. شعره أبيض بالكامل. وعينيه باردة. ابتسم أول ما شاف لين. — أخيرًا… النسخة النهائية. صرخت:
— ابعدوا عنها! لكن الراجل العجوز رفع إيده بهدوء. وفجأة… لين بدأت تصرخ. وقعت من حضني وهي ماسكة دماغها بألم مرعب. أما ليلى وسارة…
فوقفوا فجأة. وبصوا للرجل العجوز. كأنهم اتنوّموا مغناطيسيًا. قال بهدوء:
— الرابط العصبي لسه شغال… ممتاز.
ركعت جنب لين وأنا بعيط:
— سيبوها! العجوز بصلي بثبات:
— إنتِ مازلتي مش فاهمة يا مريم… لين مش مجرد طفلة. عقلها هو المفتاح لنقل الوعي الكامل. نفسي اتخنق. — إنت مجنون! ابتسم:
— كل اختراع عظيم اتقال عليه جنون. وفي اللحظة دي… لين رفعت رأسها ببطء. لكن اللي بصلي من عينيها…
ماكانش بنتي. صوت مختلف خرج منها:
— التجربة اكتملت. اتجمدت مكاني. العجوز بدأ يضحك بسعادة حقيقية. لكن فجأة… ليلى صرخت. صرخة حادة جدًا.
والأنوار كلها انفجرت. البيت دخل في ظلام كامل. صوت الرجال.
صراخ.
خبط. وبعدين… طلقة. نور خافت دخل من الشباك. وشفت العجوز واقع على الأرض والد-م بينتشر تحته. لفّيت بصدمة. كريم كان واقف عند الباب الخلفي. بينهج.
وماسك مسدس بكاتم صوت. صرخ:
— مريم! خدي البنات واهربي حالًا! الرجالة الباقيين بدأوا يضربوا نار. كريم رد عليهم. البيت اتحول لفوضى. شلت لين بإيد، وليلى بالإيد التانية، وسارة جريت ورايا. طلعنا من الباب الخلفي ناحية الأرض الزراعية. ورايا…
كنت سامعة ضرب النار.
وصوت كريم بيصرخ. لكنّي ما بصتش ورايا. فضلنا نجري وسط الضلمة والمطر. لحد ما وصلنا للطريق الرئيسي. هناك…
وقفت عربية قديمة. والسواق نزل بسرعة. سيف. كان أضعف بكتير…
لكن حي. بصلي وقال:
— اركبي بسرعة! ركبنا. والعربية انطلقت وسط المطر. خلفنا…
النار بدأت تاكل البيت. ولين كانت في حضني بترتعش. بست شعرها وأنا بعيط. وبعد دقائق طويلة من الصمت… قالت بصوت صغير مر-هق:
— ماما… هو إحنا طبيعيين؟ دموعي نزلت فورًا. حضنت البنات التلاتة. وقلت:
— يمكن لأ… بصيت للطريق المظلم قدامنا. وللبنات اللي غيروا حياتي كلها. وكمّلت بهدوء: — بس إحنا عيلة… وده أهم من أي حاجة تانية. العربية اختفت وسط المطر… وورانا…
كل الأسرار بدأت تتحول لرماد. مرّت ثلاث سنين تانية. تنقلنا كتير.
غيّرنا أسماءنا.
وكل ما نحس إن حد قرب… نختفي من جديد. سيف عاش معانا فترة قصيرة. كان بيحاول يصلّح اللي ينفع يتصلّح. يطبخ للبنات.
يوديهم المدرسة.
يضحكهم. لكن الذنب كان واكله حي. وفي صباح شتوي…
خرج يجيب فطار، وما رجعش.
العربية بتاعته اتلاقت بعد يومين على طريق صحراوي. فاضية. مافيش جثة.
مافيش دم.
مافيش أي أثر. كأنه اختفى من العالم. ولين سألتني بعدها بأسبوع:
— بابا هيرجع؟ حضنتها وسكتّ. لأني تعبت من الوعود. كبروا البنات بسرعة. ولين بقت أهدى.
ليلى بقت ترسم أحلام غريبة قبل ما تحصل.
وسارة…
كانت أذكى من سنها بشكل يخوف أحيانًا. لكنهم كانوا عايشين. وده كان كفاية. وفي عيد ميلاد لين الـ١٣… قررنا نحتفل أخيرًا بشكل طبيعي. كيكة صغيرة.
أنوار بسيطة.
وضحك حقيقي لأول مرة من سنين.
كنت ببصلهم من بعيد وأنا حاسة إننا أخيرًا نجينا. لكن فجأة… سارة وقفت ساكتة. وعينيها ثبتت على الشباك. الضحك وقف. ليلى رفعت رأسها ببطء هي كمان. أما لين…
فاتجمدت وهي ماسكة الشمعة. همست:
— هو رجع. قلبي وقع. مشيت ببطء ناحية الشباك. والدنيا برا كانت مطر وضلمة. لكن عند آخر الطريق… كان واقف ولد صغير. يمكن عنده ١٠ سنين. لابس جاكيت أسود. وبيبص مباشرة علينا. مشيت خطوة أقرب… واتجمدت. لأن الولد…
كان نسخة طبق الأصل من سيف وهو صغير.
وفجأة… رفع الولد إيده ببطء. وفي كفه…
كان ماسك نفس الدمية القديمة. الدمية القذ-رة اللي بدأت كل شيء. اتبع

