Advertisements
Advertisements
منوعات

سرّ البيت القديم الجزء التاني حكايات اسما السيد

Advertisements

وقفت أمام الخزانة الحديدية وأنا أحدق في الظرف الأصفر. كانت يداي ترتجفان بشدة. أمي؟ ورانيا؟ خيانة؟ ماذا كانت جدتي تعرف؟ ولماذا كتبت هذه الكلمات قبل سنوات طويلة؟ ابتلعت ريقي بصعوبة ثم فتحت الظرف. في داخله وجدت مجموعة أوراق قانونية ورسالة طويلة بخط يد جدتي. جلست على الأرض وسط القبو البارد وبدأت أقرأ. “إذا وصلتِ إلى هذه الأوراق يا نورا، فهذا يعني أن أسوأ مخاوفي قد تحققت.” شعرت بقشعريرة في ظهري. واصلت القراءة. “منذ سنوات طويلة وأنا أراقب ما يحدث داخل العائلة بصمت. كنت أريد حمايتك، لكنني كنت أخشى أن أتكلم قبل أن أمتلك الأدلة الكافية.”

ثم جاء السطر الذي أوقف قلبي. “وفاة والدك لم تكن مجرد حادث عادي كما قيل لكم.” شهقت دون إرادة. كأن الهواء اختفى من حولي. عدت أقرأ بسرعة أكبر. كانت جدتي تشرح كيف أن أبي قبل وفاته بأسابيع بدأ يجمع مستندات تثبت اختلاس مبالغ ضخمة من شركته. وكان يشتبه في شخص واحد فقط. خالد. زوج أمي الحالي. لكن الصدمة الحقيقية جاءت بعدها مباشرة. كتبت جدتي: “بعد وفاة والدك بشهور قليلة جدًا، تزوجت أمك من خالد.” تجمدت.

كنت أعرف هذه الحقيقة. لكنني لم أفكر فيها يومًا بشكل عميق. كنت صغيرة وقتها. كل ما عرفته أن أمي كانت وحيدة وأن خالد ساعدها. لكن جدتي أضافت: “السرعة التي حدث بها الزواج كانت أول شيء جعلني أشك.” ثم أخرجت من الظرف صورة قديمة. نظرت إليها. وكدت أسقط من الصدمة. كانت الصورة لأمي وخالد. لكن تاريخ الصورة كان قبل وفاة أبي بسنة كاملة. سنة كاملة! حدقت في الصورة غير مصدقة. كانا يقفان معًا في أحد المطاعم.

ويبدوان قريبين جدًا. قريبين أكثر مما ينبغي. شعرت بالغثيان. هل كانت العلاقة بينهما موجودة قبل وفاة أبي؟ أغلقت عيني للحظة. لا. ربما يوجد تفسير آخر. لكن كل شيء بدأ يبدو مخيفًا. واصلت قراءة رسالة جدتي. “عندما واجهت أمك بالصورة أنكرت كل شيء.” ثم كتبت: “لكن بعد سنوات اكتشفت ما هو أخطر.” وجدت مرفقًا آخر. كان كشفًا بنكيًا قديمًا. وفيه تحويلات مالية ضخمة. بعضها خرج من حساب شركة أبي. وبعضها دخل إلى حسابات باسم خالد. تاريخ التحويلات؟

قبل وفاة أبي بأسابيع. شعرت بأن رأسي يدور. كل دقيقة تمر كانت تهدم جزءًا جديدًا من حياتي. ثم وجدت مستندًا أخيرًا. وكان عبارة عن نسخة من وصية قديمة. وصية أبي. وقفت فجأة. أبي لم يترك وصية… هكذا أخبرونا دائمًا. لكنها كانت أمامي. نسخة كاملة. مختومة. وموقعة. بدأت أقرأها بسرعة. وفي السطر الثالث تقريبًا شعرت بأن الأرض اختفت من تحتي. “في حال وفاتي، تؤول ملكية منزلي وأصولي التجارية إلى ابنتي نورا عند بلوغها الخامسة والعشرين.” نورا.

أنا. ليس أمي. ليس رانيا. أنا. تابعت القراءة. وكان هناك بند آخر. “تُدار الممتلكات مؤقتًا بواسطة والدتي حتى تبلغ ابنتي السن القانونية.” وضعت يدي على فمي. إذا كانت هذه الوصية صحيحة… فمعنى ذلك أن البيت لم يكن من حق أمي أصلًا. ولم يكن من حق رانيا أيضًا. بل كان من حقي أنا. شعرت بأن جسدي كله يرتجف. وفجأة تذكرت شيئًا. قبل سنوات طويلة جدًا. كنت في السادسة عشرة تقريبًا. سمعت جدتي وأمي تتشاجران. وكانت جدتي تصرخ:

“البيت مش بتاعك!” وقتها لم أفهم شيئًا. أما الآن… فكل شيء بدأ يتضح. رفعت هاتفي فورًا واتصلت بمحامي العائلة القديم. الأستاذ سامح عبدالعزيز. نفس الاسم المكتوب على الظرف. رد بعد عدة رنات. قلت بتوتر: “أنا نورا…” ساد الصمت لثوانٍ. ثم قال بصوت مذهول: “نورا؟”
“أيوه.” تنهد ببطء. ثم قال جملة جعلت دمي يتجمد. “كنت مستني المكالمة دي من سنين.” شعرت بقلبي يقفز داخل صدري. سألته بسرعة: “إيه اللي حضرتك تعرفه؟” رد بصوت منخفض: “تعالي مكتبي بكرة الصبح… لأن اللي هقولهولك في التليفون مش هتقدري تستوعبيه.”

حاولت الإلحاح. لكنه رفض. وأغلق المكالمة بعد أن أكد موعد اللقاء. خرجت من البيت القديم وأنا أحمل الصندوق كله. وفي طريقي للسيارة كنت أشعر أن حياتي السابقة تنهار قطعة قطعة. وصلت منزلي بعد منتصف الليل. لكن النوم كان مستحيلًا. ظللت أراجع الأوراق والصور حتى الفجر. ثم لاحظت شيئًا غريبًا. في إحدى الصور القديمة التي كانت داخل الصندوق ظهر أبي واقفًا أمام شركته. لكن في الخلفية كان يوجد شخص بالكاد يظهر. كبرت الصورة باستخدام هاتفي. وعندما اتضحت الملامح…

شعرت بقشعريرة عنيفة. كان خالد. يراقب أبي من بعيد. لكن الأكثر رعبًا أن الصورة كانت ملتقطة قبل وفاة أبي بأيام قليلة فقط. وفي ظهر الصورة كتبت جدتي بخط صغير: “آخر صورة التقطت لوالدك قبل موته بثلاثة أيام.” في تلك اللحظة أدركت أن لقائي بالمحامي في الصباح قد يغير كل شيء. لكنني لم أكن أعرف أن المفاجأة الأكبر كانت في انتظاري هناك… لأن المحامي كان يحتفظ بسر أخفاه أكثر من عشرين سنة. سرًّا إذا خرج للنور…

فقد يرسل أكثر من شخص إلى السج-ن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!