
الفصل الثالث: السر الذي دفنته زينب عشرين عامًا لثوانٍ طويلة… ولا أنا ولا أحمد قدرنا نتكلم. فضلنا واقفين في ممر المستشفى، والناس داخلة خارجة حوالينا، لكن بالنسبة لينا العالم كله كان واقف. أحمد مسك الورقة بإيده. وقراها مرة. واتنين. وتلاتة. كأنه مش مستوعب المكتوب. أما أنا فكنت حاسة إن قلبي بيدق في وداني. قلت بصوت مبحوح: — يعني إيه محمود مش حفيد العيلة؟ أحمد بلع ريقه. وبص للورقة تاني. كان فيه سطر تاني تحت الجملة.
سطر قصير جدًا. لكن أثره كان أقوى من أي حاجة. “لو حصلي حاجة… افتحوا الفلاشة.” بصيت للفلاشة الصغيرة اللي على الكرسي جنبنا. حاجة عادية جدًا. قطعة بلاستيك رخيصة. لكن واضح إنها شايلة أسرار تكفي تهد بيت كامل. — بعد ساعة… الدكتور خرج من غرفة العمليات. قال إن الحاجة زينب حالتها مستقرة. لكنها لسه فاقدة الوعي. وإن محدش يقدر يقابلها. أحمد سأل: — إمتى هتفوق؟ الدكتور هز كتفه. — ممكن ساعات… وممكن يوم كامل. خرجنا من المستشفى.
وأول حاجة عملناها إننا رجعنا البيت. كانت الساعة قربت على الفجر. ليان نايمة عند أختي. والبيت لأول مرة من سنين حسيته هادي. هادي بشكل مخيف. قعدنا قدام اللابتوب. وحطينا الفلاشة. وأحمد ضغط فتح. ظهر فولدر واحد. اسمه: “الحقيقة.” جسمي كله اتشد. أحمد فتحه. كان جواه عشرات الملفات. صور. مستندات. وتسجيلات صوتية. وأول ملف كان رسالة مكتوبة. بدأ أحمد يقرا بصوت عالي: “لو وصلتوا للملف ده، يبقى أنا غالبًا فقدت السيطرة على كل حاجة. ويمكن لأول مرة أكون مضطرة أقول الحقيقة.”
سكت ثانية. وكمل. “الحقيقة اللي خبيتها أكتر من عشرين سنة.” نفسي اتحبس. “محمود ليس ابن مصطفى.” أحمد شهق. وأكمل القراءة. “والده الحقيقي رجل اسمه أشرف سلامة.” الصالة كلها سكتت. أنا كنت أعرف مصطفى. أخو أحمد الكبير. راجل طيب جدًا. عمره ما أذى حد. وعاش طول عمره فاكر إن محمود ابنه. أحمد قال بصوت مكسور: — مستحيل. لكن المستندات كانت قدامنا. تحاليل. صور. رسائل قديمة. وحتى اختبار DNA. كل حاجة موجودة. كل حاجة مثبتة. كأن زينب كانت بتجهز الملف من سنين.
— لكن الصدمة الحقيقية ماكنتش هنا. كانت في الملف اللي بعده. اسمه: “سامح.” أحمد فتحه. وبدأت الكارثة تكبر. كل التحويلات البنكية اللي راحت من فلوس مصطفى. كل الفلوس اللي كنت أنا بدفعها لمحمود. كل الديون اللي اتعملت. كلها تقريبًا كانت رايحة لشخص واحد. سامح. ابن أخت الحاجة زينب. الشخص اللي كانت بتعتبره “الغلبان المسكي,,ن”. لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا. لأن الملف كان فيه صور. كتير جدًا. سامح واقف قدام عربية فاخرة. سامح في الساحل. سامح بيشتري شقة.
سامح بيسافر. سامح بيصرف آلاف الجنيهات في أماكن عمره ما يقدر يدخلها من شغله الحقيقي. قلت وأنا مصدومة: — ده كان بيعيش ملك. أحمد قفل عينه. وقال: — على حسابنا. — وفجأة… لقينا تسجيل صوتي. أحمد ضغط تشغيل. وصوت الحاجة زينب طلع واضح. “سامح… أنا عملت كل اللي طلبته. أخدت الفلوس. وخلصت الورق. لكن أوعى تسيبني لوحدي.” صوت سامح رد ببرود: “ما تقلقيش يا خالتي.” زينب قالت: “أنا ضحيت بعيلتي كلها عشانك.” رد: “وأنا مقدر ده.”
لكن نبرة صوته كانت باردة. مخيفة. نبرة شخص بيستغل. مش شخص بيحب. فضلنا نسمع. لحد ما جت الجملة اللي خلت أحمد يقوم واقف فجأة. زينب قالت: “حتى أحمد ما يعرفش إنه مش ابنه.” أنا اتجمدت. أحمد اتجمد. التسجيل وقف. والصالة كلها سكتت. حرفيًا سكتت. أنا بصيت لأحمد. وهو بصلي. وشه كان أبيض. أبيض بشكل مرعب. قلت: — التسجيل فيه حاجة غلط. ما ردش. أعدت الجملة في دماغي. حتى أحمد ما يعرفش إنه مش ابنه. مش ابنه مين؟
مين المقصود؟ مين؟ أحمد فتح الملف بسرعة. كان فيه تسجيل تاني. شغله. وصوت سامح ظهر: “إنتِ أكيدة إن أحمد عمره ما عرف؟” زينب ردت: “لو عرف الحقيقة هيدمرني.” سامح ضحك. وقال: “يعني لحد دلوقتي فاكر إن عبد الحميد أبوه؟” زينب قالت: “أكيد.” سامح رد: “رغم إن أبوه الحقيقي م,,ات من سنين.” في اللحظة دي… أحمد وقع على الكنبة. أنا حسيت إن روحي خرجت. لأن المعنى بقى واضح. واضح جدًا. الحاجة زينب كانت مخبية سر عمره أكتر من أربعين سنة.
الراجل اللي ربى أحمد. واللي أحمد عاش وم,,ات وهو بيعتبره أبوه. ماكانش أبوه أصلًا. — فضل أحمد ساكت. دقايق. طويلة. مفيش كلمة. مفيش نفس تقريبًا. لحد ما قال أخيرًا: — أنا مين؟ الكلمة طلعت منه مكسورة. كأن طفل صغير تايه. مش راجل عنده سبعة وثلاثين سنة. أنا قربت منه. لكن معرفتش أقول إيه. لأن مفيش كلام ينفع. لما حياتك كلها تطلع مبنية على كدبة. تقول إيه؟ — وفجأة… الموبايل رن. كان مصطفى. أحمد رد. مصطفى كان بيصرخ.
— أحمد! أنت فين؟ — في البيت. — تعالى حالًا! — مالك؟ — محمود اختفى! أنا شهقت. أحمد وقف. — يعني إيه اختفى؟ مصطفى قال: — صحيت الصبح ملقتوش. وساب جواب. قلبي دق بعن,,ف. — جواب إيه؟ مصطفى كان بيبكي تقريبًا. وقال: — كاتب إنه عرف الحقيقة. وإنه رايح يدور على أبوه الحقيقي. الصالة لفّت بيا. لأن محمود عنده سبعتاشر سنة بس. طفل. ومش مستوعب اللي حصل. وأكيد لو عرف فجأة إنه مش ابن الشخص اللي رباه…
ممكن يعمل أي حاجة. أي حاجة حرفيًا. أحمد خطف مفاتيح العربية. وأنا جريت وراه. لكن قبل ما نخرج… الموبايل رن مرة تانية. رقم غريب. أحمد رد بعصبية: — أيوه. ثواني. وبعدين وشه اتجمد. قلت بخوف: — مين؟ بصلي ببطء. وقال: — قسم الشرطة. نفسي اتقطع. — عايزين إيه؟ رد بصوت مخنوق: — لقوا محمود. سكت ثانية. والكلم,,ات اللي قالها بعدها خلت الدم يتجمد في عروقي: — لقوه جنب ج,,ثة سامح. يتبع…

