الحقيقة المؤجلة بقلم مجهول حصري لحكايات اسما السيد _ ممنوعه من النسخ

فتحته بإيد مرتعشة… ولقت صورة قديمة ليها وهي طفلة عندها ٤ سنين، نايمة على كتف أبوها. وورا الصورة مكتوب: “أبوك مخبي عنك الحقيقة الكاملة.” في اللحظة دي… مريم حسّت إن في سر أكبر من مجرد أم سابت بنتها ومشت. ولما واجهت كريم بالصورة… وشه اتغير فجأة بطريقة خوّفتها لأول مرة في حياتها. وقال جملة واحدة: “في حاجات كنت مستعد أمـ,ـوت… علشان ماتعرفيهاش.” مريم بصتلي بصدمة. أول مرة تشوف الخوف الحقيقي في عيني. قالت بصوت متوتر:
“يعني إيه يا بابا؟ إيه الحقيقة اللي مستخبيّة عني؟”
قعدت على الكنبة ببطء، وحسيت إني فجأة كبرت عشرين سنة زيادة. الصورة كانت لسه في إيدي. تنهدت طويل… وقلت:
“في ليلة أمك سابتنا فيها… هي ما سابتناش لوحدها.” مريم عقدت حواجبها. “كان فيه راجل معاها.” الصمت ملي المكان. “راجل أكبر مننا بسنين… غني جدًا… وكان مستعد يعمل أي حاجة علشان ياخدها وتسافر معاه.” مريم همست:
“تقصد… كانت مرتبطة بحد؟” هزيت راسي ببطء. “وأنا اكتشفت ده قبل ما تمشي بيوم.” بدأت ملامحها تتوتر. كملت:
“اتخانقت معاه خناقة كبيرة تحت بيت أهلها… والراجل ده هددني.”
“هددك بإيه؟” بلعت ريقي. “قاللي لو حاولت أمنع داليا من السفر… هيندمني طول عمري.” مريم قربت مني بقلق:
“وده له علاقة بالصور؟” هزيت راسي. “بعد ما داليا اختفت، بدأت تحصل حاجات غريبة.” عيونها وسعت. “حد يراقب البيت… مكالمات من غير صوت… مرة لقيت باب الشقة مفتوح وإنتي صغيرة نايمة جوا.” شهقت:
“إيه؟! وعمري ما قولتلي؟” قولتلها:
“كنت خايف.” سكت شوية… وبعدين طلعت من درج قديم ظرف أصفر متبهدل. فتحته قدامها. كان فيه صور… ليا وأنا خارج من الشغل، وليها وهي طفلة في الحضانة.
وفي صورة أخيرة… لداليا. لكنها ما كانتش لوحدها. كانت واقفة جنب نفس الراجل. بدلة سودة… ونظرة تخوف. وتحت الصورة مكتوب: “البنت دي مش بنتك لوحدك.” مريم حسّت الدنيا بتلف بيها. قالت بصوت مكـ,ـسور:
“يعني إيه الكلام ده؟!” رديت بسرعة:
“أنا عمري ما شكّيت إنك بنتي. عمري.” لكن جوايا… الحقيقة اللي دفـ,ـنتها سنين كانت بتخنقني. مريم قامت واقفة بعصبية:
“فيه حد بيلعب بينا! لازم نفهم!” وفي نفس اللحظة… جرس الباب رن. مرة.
اتنين.
تلاتة. بصينا لبعض بخوف.
قربت من الباب بحذر. ولما بصيت من العين السحرية… الدـ,ـم اتجمد في عروقي. كان نفس الراجل اللي في الصورة. واقف قدام الباب بعد ١٨ سنة… وكأنه عمره ما اختفى. قلبي كان بيدق بعـ,ـنف وأنا واقف قدام الباب. مريم كانت واقفة ورايا، ماسكة طرف التيشيرت بتاعي بخوف. الجرس فضل يرن. مرة.
اتنين.
تلاتة. وأخيرًا… فتحت الباب. الراجل كان أكبر في السن دلوقتي، شعره داخله الشيب، لكن نفس النظرة الباردة زي ما هي. بصلي بثبات وقال:
“مساء الخير يا كريم.”
حسيت إيدي بتترعش. “إنت عايز إيه؟” ابتسم ابتسامة خفيفة مستفزة:
“أظن بعد ١٨ سنة… بقى من حقي أتكلم مع بنتي.” مريم شهقت ورايا. أما أنا… فحسيت النار ولعت جوايا. مسكت الراجل من قميصه بعنف:
“إياك تنطق الكلمة دي!” لكنه ما خافش. بالعكس… قرب مني وقال بهدوء مرعب:
“قولتلها الحقيقة؟ ولا لسه بتضحك عليها؟” مريم صرخت:
“حد يفهمني!” سِبته بالعافية. الراجل عدل هدومه وبص لمريم مباشرة:
“اسمـي هشام.” سكت لحظة. “وأنا كنت بحب أمك قبل ما تعرف أبوك.”
مريم كانت عينيها مليانة دموع. “بس لما حملت بيكي… اختارت كريم.” بصيتله بغضب:
“كداب!” هشام ضحك بسخـ,ـرية:
“أمال ليه داليا رجعت دلوقتي؟” الصمت خنق المكان. كمل:
“لأنها طول عمرها عايشة وهي حاسة بالذنب.” مريم بدأت تتراجع لورا وهي مش قادرة تستوعب. بصتلّي وقالت:
“بابا… الكلام ده حقيقي؟” في اللحظة دي… كل السنين اللي حاولت أحميها فيها انهارت. نزلت عيني في الأرض. وده كان كفاية. مريم حطت إيديها على بقها بصدمة. “إنت… إنت كنت عارف؟” طلعت أنفاسي بالعافية:
“ماكنتش متأكد.”
صرخت:
“لكن شكّيت!” دموعي نزلت لأول مرة قدامها. قولتلها:
“كنت خايف أخسرك.” مريم كانت بتبصلي وكأن قلبها بيتقطع. أما هشام… فطلع ورقة من جيبه. “تحليل DNA.” ورماها على الترابيزة. “ودي الحقيقة.” إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح الورقة. لكن قبل ما أقرأ… مريم خطفتها مني. وعينيها اتحركت بسرعة على السطور. وفجأة… سكتت. سكون مرعب. بعدين رفعت عينيها ببطء. لكن الغريب… إنها ما بصتش لهشام. بصتلي أنا. وقربت خطوة. واتنين. وبعدين قالت بصوت كله دموع: “عارف إيه أغبى حاجة في اللي بيحصل؟”
ماحدش رد. قالت وهي بتبكي:
“إن الورقة دي ممكن تثبت مين خلّفني… لكنها عمرها ما هتثبت مين ربّاني.” هشام اتجمد. أما أنا… فانهرت. مريم قربت مني وحضـ,ـنتني جامد. وقالت وسط عياطها:
“أنت أبويا… حتى لو الدنيا كلها قالت غير كده.” في اللحظة دي، هشام فهم إنه خسر. مش تحليل.
ولا قضية.
ولا دم. خسر البنت اللي افتكر إن الجينات تكفي علشان يبقى أب. هشام وقف ساكت ثواني طويلة. أول مرة ملامحه تتكسـ,ـر بالشكل ده. بص لمريم وهي حـ,ـضناني… وكأنه استوعب متأخر أوي إن ١٨ سنة حب ما يتغلبوش بورقة.
قال بصوت أهدى:
“أنا ماجتش أخدك منه.” مريم مسحت دموعها بسرعة وقالت بحدة:
“أمال جيت ليه؟” تنهد هشام وبص ناحيتي:
“علشان الحقيقة لازم تتقال كاملة.” قلبي اتقبض. لأول مرة… حسيت إنه مش جاي يعمل مشكلة وبس. هشام قعد ببطء وقال:
“داليا ما سابتكوش علشان تكرهكم.” ضحكت بسخرية:
“أيوه؟ أمال سابت بنتها ١٨ سنة ليه؟” رد وهو باصص في الأرض:
“علشان أنا دمرّت حياتها.” الصمت نزل علينا كلنا. مريم همست:
“إزاي؟” هشام مرر إيده على وشه بتعب:
“أبويا كان راجل نفوذ كبير… ولما عرف إن داليا حامل، رفض تمامًا إنها تتجوز كريم.”
اتجمدت مكاني. كمل:
“هددها… وقالها لو ما اختفتش من حياتكم، هيأذي كريم وياخد البنت.” مريم بصتلي بسرعة. وأنا افتكرت كل المكالمات الغريبة… والناس اللي كانت بتراقبنا. هشام قال:
“داليا كانت ضعيفة وخافت… وأنا وقتها كنت جبان وسكت.” في اللحظة دي، باب الشقة خبط بخفة. كلنا اتلفتنا. ولما فتحت… لقيت داليا. وشها كان مرهق جدًا، وعينيها حمرا من العياط. واضح إنها سمعت كل حاجة. بصت لمريم وقالت بصوت مكسو-ر:
“أنا استاهل تكرهيني… بس والله ما سبتك يوم من قلبي.”
مريم كانت متجمدة. داليا قربت بحذ-ر:
“كل سنة يوم عيد ميلادك كنت بروح أقف بعيد عن المدرسة أو الجامعة… بس ماكنتش أقدر أقرب.” دموعها نزلت أكتر. “كنت بخاف لو حد عرف مكاني… يأذوكم.” سألتها مريم بوجع:
“وليه ما رجعتيش بعد ما كبرت؟” داليا سكتت… وبعدين قالت:
“علشان كنت فاكرة إنكم بقيتوا أحسن من غيري.” في اللحظة دي، حسيت إن كلنا ضحايا أخطاء قديمة أكبر مننا. لكن مريم… كانت أكتر واحدة موجوعة. بصتلنا إحنا التلاتة، وقالت بصوت مهزوز:
“أنا تعبت.” وبعدين قالت الجملة اللي كسـ,ـرت قلوبنا كلنا: “طول عمري كان نفسي يبقى عندي أم… ودلوقتي لما لقيتها، اكتشفت إني مش عارفة أسامحها.” داليا انهارت في العياط. أما أنا… فوقفت أبص لبنتي، وعرفت إن أصعب حاجة في الدنيا مش إنك تخسر حد… لكن إن قلبك يفضل محتار بين الحب والو-جع.
