Advertisements
Advertisements
قصص وروايات

ابني بقلم مجهول حصري لحكايات اسما السيد ممنوعه من النسخ

Advertisements

وقفت أقرأ وأنا دموعي بتنزل. “كنت بروح أشوفه من بعيد كل سنة.
وسعاد كانت تبعتلي صوره.
وكان شبهك أكتر مع الوقت.
سامحيني… لو تقدري.” وقعت الرسالة من إيدي. 21 سنة…
وأمي كانت عارفة مكانه طول الوقت. في اليوم اللي بعده، صحيت على خبط على الباب. فتحت… ولقيت كريم واقف. وفي إيده كيس فطار. ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:
“ماما… تحبي نفطر سوا؟” الكلمة دي…
“ماما”… خلت كل الوجع اللي عشته يهون للحظة.

بعد أسابيع، بدأنا نحاول نبني علاقة من الصفر.
عرفت إنه مهندس، وبيحب القهوة السادة، وعنده نفس عادتي في التوتر لما يفكر.
وكان كل يوم فيه حاجة صغيرة تثبتلي إنه قطعة مني. لكن الأجمل… إني ما بقيتش لوحدي تاني.   بعد شهور، بقينا قريبين بشكل غريب… كأن الـ21 سنة اللي ضاعوا كانوا مجرد فجوة صغيرة بنحاول نعدّيها. كريم بقى ييجي كل يوم تقريبًا.
مرات يفطر معايا، ومرات يقعد ساكت في الجنينة بالساعات.
وكنا بنتعلم بعض من جديد.

عرفت إنه بيكره الشتاء.
وإنه لما بيتوتر بيعض على ضوافره — نفس عادتي بالظبط.
وهو عرف إني لحد دلوقتي بنام والنور مفتوح من يوم ما قالولي إن ابني مات. لكن رغم كل حاجة… كان في حاجة ناقصة. سؤال محدش فينا كان قادر يسأله. مين أبوه؟ أنا نفسي ماكنتش أعرف عنه غير اسمه الأول.
شاب صغير حبيته زمان، وأهلي قطعوا علاقتي بيه أول ما عرفوا إني حامل.
قالولي وقتها إنه سافر ومش عايز يعرفني تاني. وفي ليلة، كريم سألني فجأة:
“عمري ما سألت… هو كان عامل إيه؟”

سكت شوية.
وبعدين قلت:
“ماعرفش.” بصلي باستغراب. حكيتله كل حاجة.
إزاي أخفوا عني الرسائل.
إزاي غيروا رقم تليفوني.
وإزاي أقنعوني إن الراجل اللي حبيته تخلى عني. كريم فضل ساكت…
لكن ملامحه اتغيرت. قال:
“يعني ممكن يكون هو كمان ضحية؟” الجملة دي دخلت قلبي زي السكينة. لأول مرة، فكرت إن في حد تاني اتسرق منه عمر كامل. وبعد أسبوع… حصلت المفاجأة. كنت أنا وكريم قاعدين بنتفرج على ألبومات الصور القديمة، لما جرس الباب رن. فتحت… واتجمدت.

راجل واقف قدامي، شعره بدأ يشيب، لكن عينيه نفس العيون اللي فضلت فاكرها طول عمري. همس:
“ندى؟” حسيت نفسي هرجع بنت عندها 17 سنة. كان شريف. أول حب في حياتي.
وأبو كريم. كريم خرج من الصالة وهو مستغرب. شريف بصله… واتسعت عينيه بصدمة. قال بصوت مخنوق:
“يا نهار أبيض…” كريم بصلي:
“مين ده؟” ماقدرتش أتكلم. لكن شريف رد وهو عينه مليانة دموع:
“أنا… أبوك.” الصمت اللي حصل بعدها كان مرعب. كريم رجع خطوة لورا وكأنه اتخبط.

قال بعصبية:
“ليه دلوقتي؟ بعد العمر ده كله؟” شريف طلع ظرف قديم من جيبه.
كان مليان خطابات. قال:
“أنا كتبت لأمك مئات الرسائل.
أهلك كانوا بيرجعوهم.
وفي مرة أبوكي بنفسه جه هددني وقال إن الطفل مات وإن ندى مش عايزة تشوفني تاني.” بصيت ناحية أوضة أبويا…
وحسيت الغضب بيرجع يولع جوايا من جديد. شريف قال وهو بيبكي:
“دورت عليكم سنين.
ولما عرفت عنوانك من كام يوم… خفت تيجي متأخر.” كريم كان واقف تايه.
بين أب وأم اتحرم منهم عمر كامل.

وفجأة… عمل حاجة محدش توقعها. قرب من شريف.
وبدون كلام… حضنه. وشريف انهار من العياط. وأنا واقفة أبص عليهم…
وأحس إن العيلة اللي اتكسرت زمان… بتحاول تتلم من جديد. لكن في نفس اللحظة… سمعنا صوت سقوط جامد جاي من أوضة أبويا. جرينا كلنا ناحية الأوضة. لقينا أبويا واقع على الأرض، والعصاية بعيدة عنه.
وشه كان شاحب جدًا، وبيتنفس بالعافية. صرخت:
“هات الإسعاف بسرعة!” كريم جري يجيب تليفونه، وشريف نزل على ركبته يحاول يفوقه. أبويا فتح عينه بصعوبة… وبصلي.

ولأول مرة من سنين، شفته مكسور فعلًا. همس:
“أنا تعبت… تعبت من الذنب.” الإسعاف وصلت بسرعة، ونقلوه المستشفى.
والدكاترة قالوا إنها جلطة خفيفة بسبب الضغط والتوتر. فضلت قاعدة قدام العناية ساعات.
أنا وكريم… وشريف. ثلاثة غرباء جمعهم وجع واحد. حكايات المجهول وفجأة، كريم بص لشريف وقال:
“إنت ليه ما اتجوزتش؟” شريف ابتسم بحزن:
“لأني عمري ما حبيت غير أمك.” ماقدرتش أبصله. قلبي كان مليان مشاعر متلخبطة:
غضب… حنين… ندم… وخوف. بعد يومين، سمحوا لنا نشوف أبويا.

كان أضعف بكتير.
كبر عشر سنين في يومين. أول ما دخلت، مسك إيدي.
وقال بصوت متقطع:
“أنا عارف إنك مش هتسامحيني… بس اسمعيني.” سكت شوية عشان ياخد نفسه. “أمك قبل ما تموت، كانت كل ليلة تبكي.
كانت نفسها تقولك الحقيقة… لكن كانت جبانة.” الدموع نزلت من عيني غصب. كمل:
“وأنا كمان كنت جبان.
خفت من الناس… أكتر ما خفت على بنتي.” كريم كان واقف عند الباب ساكت.
لكن عينيه كانت مليانة غضب وحزن. أبويا بصله وقال:
“أنا حرمتك من أمك وأبوك… لو تقدر، سامح راجل عجوز غلط.”

كريم ما ردش. لف وخرج من الأوضة. ولما خرجت وراه، لقيته واقف في آخر الطرقة، ماسك دماغه بإيده. قال:
“أنا مش عارف أكرهه… ولا أتعاطف معاه.” قلت بهدوء:
“الاتنين صح.” في الليلة دي، روحنا البيت كلنا.
أول مرة من 21 سنة، البيت ماكانش حاسس بالوحدة. شريف عمل شاي.
كريم كان بيضحك على طريقة شريف القديمة في تشغيل الراديو.
وأنا… كنت ببص عليهم من المطبخ وقلبي بيوجعني ويفرح في نفس الوقت. لكن قبل ما الليلة تخلص…

كريم قال فجأة:
“في حاجة لازم تعرفوها.” بصيناله. طلع ملف من شنطته، وحطه على الترابيزة. وقال:
“أنا ما جيتش هنا صدفة.” الدنيا سكتت. فتح الملف… وكان جواه صور ليا.
وللبيت.
ولأبويا. وقال الجملة اللي جمدت الدم في عروقي: “أنا كنت بدور عليكم من سنة كاملة… وعرفت الحقيقة قبل ما أقابلكم بكتير.” بصيتله وأنا مش مستوعبة. قلت:
“يعني إيه؟” كريم أخد نفس طويل، وقعد على الكرسي.

انت في الصفحة 2 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!