Advertisements
Advertisements
قصص وروايات

التلات أطفال حكايات المجهول حصري

Advertisements

قلت:“مين؟” رد:
“اسمها دكتورة نادين فؤاد.” الاسم كان غريب. طلبت تدخل. دخلت ست في أواخر التلاتينات، شكلها مرتب جدًا، لكن ملامحها متوترة. أول ما قعدت قالت:
“أنا كنت الدكتورة المشرفة على حالة ياسمين من البداية.” قلبي اتقبض. قلت بسرعة:
“في حاجة حصلت؟” سكتت لحظة…
وبعدين قالت:
“في حاجة لازم تعرفها عن حمل مراتك.” حسيت ببرودة سرت في جسمي. قالت:
“الحمل ده… ماكانش طبيعي.” بصيتلها بعدم فهم. كملت:
“ياسمين جاتلي من سنة تقريبًا، بعد ما فقدت الأمل تمامًا. وكانت منهارة نفسيًا… لأنها حست إن جوازكم بينهار بسبب موضوع الأطفال.”

بدأت أحس بالذنب يخنقني تاني. لكن الدكتورة كملت:
“وقتها عرضت عليها تدخل تجربة علاجية جديدة… نسبة نجاحها ضعيفة جدًا وخطيرة.” قلت بسرعة:
“تجربة؟! يعني إيه تجربة؟!” قالت:
“علاج هرموني وجيني لسه تحت الدراسة… وكان ممكن يسبب مضاعفات خطيرة جدًا، منها الوفاة.” حسيت الدم انسحب من وشي. همست:
“وهي وافقت؟” الدكتورة نزلت عينيها وقالت:
“وافقت… لكنها طلبت مني حاجة واحدة.” “إيه هي؟” “إننا ما نقولكش.” قمت واقف بعصبية:
“إزاي تخبوا عني حاجة زي دي؟!” ردت بهدوء:
“لأنها قالت إنك لو عرفت، هتمنعها. وكانت مستعدة تخاطر بحياتها كلها… عشان تديك العيلة اللي حلمت بيها.”

سكتت. وأنا حسيت إني اتخبطت في الحيطة. مراتي…
كانت مستعدة تموت عشاني. وفي المقابل؟
أنا كنت بسيبها. بعد ما الدكتورة نادين مشيت، فضلت واقف في المكتب لوحدي وقت طويل. مش قادر أستوعب. كل مرة كنت فاكر إني فهمت حجم تضحية ياسمين… كنت باكتشف إني لسه ماعرفتش غير جزء صغير. مراتي ماحاربتش عشان نفسها. حاربت عشاني أنا. رجعت البيت يومها بدري. فتحت الباب بهدوء، فسمعت صوت الأطفال بيعيطوا كلهم مرة واحدة، وصوت ياسمين بتحاول تهديهم وهي بتضحك في نفس الوقت.

المشهد كان فوضوي جدًا… بس دافي. وقفت أبص عليهم من بعيد للحظات. ياسمين كانت قاعدة على الكنبة، شعرها مربوط بسرعة، وعلامات الإرهاق واضحة عليها… لكن عينيها؟
كانت مليانة حياة. أول ما شافتني قالت:
“الحمد لله إنك جيت… ابنك قرر يعمل ثورة.” ابتسمت لأول مرة من قلبي من زمان. قربت منها، وخدت الطفل من إيديها، وبعدها بصيتلها شوية بدون كلام. هي لاحظت نظرتي فورًا. وقالت بقلق:
“مالك؟” قعدت جنبها بهدوء. وقلت:
“الدكتورة نادين جاتلي النهارده.” وشها فقد لونه في ثانية.

عرفت. عرفت إنها كانت مخبية الحقيقة كلها. نزلت عينيها للأرض وقالت بصوت ضعيف:
“كنت هقولك… بس خفت.” سألتها:
“خفتِ من إيه؟” بصتلي والدموع بدأت تلمع في عينيها:
“خفت تبصلي كأني مجنونة… أو أنانية. خفت تمنعني. وأنا… كنت مستعدة أعمل أي حاجة عشان ما أخسركش.” الكلمة كسرتني. مسكت وشها بين إيديا وقلت:
“إنتِ عمرك ما كنتِ عبء عليا يا ياسمين… أنا اللي كنت أعمى.” دموعها نزلت، وأنا حضنتها بقوة. ولأول مرة من سنين…
ماكانش بينا خوف.
ولا أسرار.
ولا مسافات.

في الليلة دي، بعد ما الأطفال ناموا، طلعت البلكونة وأنا واقف جنبها. القاهرة كانت هادية بشكل نادر، والهوا خفيف. بصتلها وقلت:
“فاكرة أول شقة بدأنا فيها؟” ضحكت وسط دموعها:
“اللي كانت الحنفية فيها بتسرب طول الوقت؟” ضحكت أنا كمان. وقلت:
“وقتها كنا مفلسين… بس كنا مرتاحين.” سكتنا شوية. وبعدين قلت:
“تعرفي إيه أغبى حاجة عملتها في حياتي؟” بصتلي باستغراب. قلت:
“إني افتكرت إن السعادة ممكن تتقاس بالنجاح والشغل والفلوس… ونسيت إن البيت من غير ناس بنحبهم مجرد حيطة وسقف.”

ياسمين سندت راسها على كتفي. وقالت بهدوء:
“إحنا لسه عندنا فرصة نبدأ صح.” بصيت لجوا البيت… على التلات أطفال نايمين جنب بعض. وعلى الست اللي حبتني حتى وأنا في أسوأ نسخة من نفسي. وفي اللحظة دي، أخيرًا فهمت إن ربنا أحيانًا بيأخر أحلامنا…
مش عشان يحرمنا منها. لكن عشان لما تيجي…
نعرف قيمتها الحقيقية. مع تحياتي لكم المجهول

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!