
سكت. قلت: “جاوبني إجابة واضحة. أنت شايف إن اللي حصل يتعدى؟” بص لأمه. ثم بصلي. ثم قال الجملة اللي أنهت آخر حاجة في قلبي ناحيته: “لو كنتِ سمعتي الكلام من الأول، ما كانش ده حصل.” في اللحظة دي… ما صرختش. ما عيطتش. ما رميتش حاجة. بس حسيت إن باب كبير اتقفل جوايا. باب كنت فاتحاه له سنين. قلت بهدوء: “تمام.”
مشيت ناحية الدولاب، وطلعت شنطة صغيرة من فوق. حماتي ضحكت. “رايحة فين؟” قلت: “مش رايحة. إنتو اللي هتمشوا.” هشام عقد حواجبه. “إيه؟” حطيت الشنطة على السرير وبدأت ألم الحاجات اللي فضلت سليمة. موبايل. لابتوب. ملف أوراق. علبة دهب صغيرة. وباسبورتي. قال هشام: “سارة، إنتِ بتتريقي؟” قلت وأنا بقفل الشنطة: “لا.” حماتي قامت من مكانها. “هو البيت بيتك لوحدك؟”
وقفت قدامها. “أيوه.” اتسعت عينيها. “نعم؟” قلت: “الشقة باسمي. العقد باسمي. القسط بينزل من حسابي. وأنتو الاتنين ضيوف.” هشام اتنفض. “إنتِ بتقولي إيه؟” بصيتله. “بقول الحقيقة اللي كنت بحاول ما أذلّكش بيها.” وشه احمر. “إنتِ عايزة تهدمي البيت؟” رديت: “لا. البيت اتهدم أول ما أنت وقفت تتفرج على أمك وهي مدمرة حاجتي، وبدل ما تقولها عيب، قلتلي بلاش دراما.” حماتي بدأت تصوت:
“شايف يا هشام؟ شايف مراتك؟ دي عايزة تطرد أمك!” قلت: “لا تصوتي. الجيران لو طلعوا، هاقولهم يشوفوا الهدوم المتقطعة، والمقص، والكاميرات.” تجمدت. “كاميرات؟” ابتسمت. “أيوه. كاميرا الأوضة مش شغالة طبعًا، لكن كاميرا الممر شغالة. وسجلت حضرتك وإنتِ داخلة بشنطة، وخرجة من الأوضة بعد ساعة ومعاكي المقص في إيدك.” وشها اصفر. هشام بصلي بحدة. “إنتِ مركبة كاميرات في البيت من ورايا؟” قلت:
“من وراك؟ لأ. إنت وقّعت على فاتورة تركيبها من سنة لما قلتلك إني بخاف أسيب البيت لوحده. بس واضح إنك ما بتقرأش غير رسائل البنك لما الفلوس تنزل.” سكت. حماتي قالت بسرعة: “كاميرا ولا مش كاميرا، أنا أم جوزك وليا حق أربيكي.” قلت: “تربي مين؟ أنا مش بنتك. وأنا مش صغيرة. وأنا مش خدامة. وأنا مش ماكينة فلوس.” ثم رفعت التليفون. بدأت أطلب رقم. هشام قرب مني بسرعة.
“بتتصلي بمين؟” قلت: “بالمحامي.” حماتي اتفزعت. “محامي؟” “أيوه. أستاذ مروان. هو ماسك شغلي وعقودي، وهيعرف يتصرف.” هشام حاول يلين صوته. “سارة، خلاص. إحنا انفعالنا. اقفلي. نتكلم.” نظرت له باستغراب. “دلوقتي نتكلم؟ بعد ما هدومي اتقطعت؟ بعد ما أمي الله يرحمها اتشتمت في ذكراها؟ بعد ما قلتلي لو كنت سمعتي الكلام ما كانش ده حصل؟” مد إيده يمسك دراعي. رجعت خطوة. “إوعى.”
وقف. وفي عينيه غضب. الغضب اللي كان بيظهر كل مرة يحس إنه فقد السيطرة. رن التليفون. رد المحامي. “أستاذة سارة؟” قلت: “أستاذ مروان، محتاجاك دلوقتي.” سألني بقلق: “في مشكلة؟” بصيت لهشام وحماتي. “تخريب ممتلكات داخل شقتي. وتهديد بإجباري على ترك عملي. وعايزة أعرف الإجراءات القانونية لإخراج شخصين مقيمين عندي بدون حق.” سكتت الأوضة. حتى حماتي بطل نفسها يطلع. صوت المحامي جه جاد:
“أنتِ في أمان؟” قلت: “حاليًا أيوه.” “اقفلي باب أوضتك عليكِ، ومتدخليش في أي نقاش. صوري كل حاجة. وأنا في الطريق.” قفلت. هشام كان بيبصلي كأنه مش مصدق. “إنتِ وصلتيها للمحامي؟” قلت: “إنتو وصلتوها للمقص.” حماتي صرخت: “أنا مش هسيب البيت ده!” ابتسمت. “هنشوف.” دخلت الحمام وغسلت وشي. كنت محتاجة دقيقة واحدة بعيد عنهم. بصيت لنفسي في المراية. عيوني حمرا.
شعري منكوش. إيدي عليها بقايا خيوط وقماش. لكن ملامحي مختلفة. مش ملامح واحدة مكسورة. ملامح واحدة صحيت. فتحت الموبايل. دخلت تطبيق البنك. أول حاجة عملتها إني وقفت التحويل الشهري اللي كان بيروح لحساب هشام. ثاني حاجة: ألغيت الكارت الإضافي اللي معاه. ثالث حاجة: أوقفت الكارت الإضافي اللي مع حماتي. رابع حاجة: غيرت كلمة السر لكل الحسابات. خامس حاجة: دخلت على تطبيق شركة الكهرباء والغاز والنت، ووقفت التفويض التلقائي للدفع من حسابي.
ولأول مرة من سنين… حسيت إني بتنفس. خرجت من الحمام. لقيت هشام ماسك موبايله ووشه متوتر. واضح إن أول رسالة وصلتله. “ليه الكارت اترفض؟” مش قدام حد.” قلت: “كنت محتاج الخصوصية دي قبل ما تسمح لأمك تقطع هدومي.” نزل عينه. حماتي بدأت تبكي. لكن بكاءها كان غريب. مش بكاء ندم. بكاء واحدة اكتشفت إنها ممكن تخسر الراحة اللي كانت عايشة فيها.
قالت: “أنا ست كبيرة… هتسيبيني أروح فين؟” بصيتلها. وجعني السؤال رغم كل حاجة. لأن قلبي مش حجر. بس افتكرت العباية. افتكرت كوب الشاي. افتكرت ابتسامتها وهي بتقولي “أهو كده تتكسري.” قلت: “عندك بيتك القديم.” قالت: “ده مؤجر.” قلت: “يبقى عندك ابنك يدبرلك.” هشام بصلي بحدة. “يعني إيه؟” قلت: “يعني أنت راجل البيت، صح؟ اتفضل بقى كون راجل البيت.”
سكت. أستاذ مروان قال: “الأفضل تلموا حاجتكم الليلة بهدوء. وأنا هفضل موجود لحد ما الموضوع يخلص.” حماتي صرخت: “أنا مش همشي!” قلت بهدوء: “يبقى المحضر.” هنا هشام مسك إيد أمه. “تعالي يا ماما.” بصتله بصدمة. “إنت كمان هتسيبها تعمل فينا كده؟” قال بصوت مكسور: “مش وقته.” “مش وقته؟ دي بتطرد أمك!” لم أتكلم. وقفت أتابعهم وهم بيلموا حاجتهم.
حاجة قليلة. لأن أغلب اللي في البيت كان من مالي. حتى شنطة السفر اللي حطوا فيها هدومهم، أنا اللي اشتريتها لهشام في عيد ميلاده. بعد ساعة، كانوا واقفين عند الباب. هشام بصلي. “إنتِ هتندمي.” قلت: “ممكن.” ثم أضفت: “بس مش قد ما ندمت إني سبتك سنين تاخدني كأني مضمونة.” حماتي بصقت الكلام من بين أسنانها: “ربنا ينتقم منك.” ابتسمت. “قولي آمين.”
خرجوا. واتقفل الباب. لأول مرة من سنين… الشقة سكتت. سكتة غريبة. مش مريحة. لكن حقيقية. وقفت في وسط الصالة. الهدوم المتقطعة جوه. البيت فاضي. والليل طويل. وفجأة رجلي ما شالتنيش. قعدت على الأرض. وبكيت. بكيت على نفسي. على سنين كنت فاكرة فيها إن الحب معناه أتحمل. إن الست الشاطرة هي اللي تسند وتستر وتعدّي. إن عيب أقول أنا تعبت.
بكيت على أمي، وعلى عبايتها، وعلى كل مرة احتجت فيها حد يقف جنبي وملقتش. المحامي وقف بعيد باحترام. ثم قال بهدوء: “أستاذة سارة… أنتِ عملتي الصح.” مسحت دموعي. “مش حاسة.” قال: “طبيعي. القرارات الصح ساعات بتوجع في الأول.” في الليلة دي… ما نمتش. لمّيت كل هدومي المتقطعة في أكياس. صورت كل حاجة. بعت صور العباية لخالتي. وبعت لها رسالة واحدة: “سامحيني. ما عرفتش أحافظ على حاجة أمي.”
بعد دقيقتين ردت. “حافظتي على نفسك. وده أهم.” فضلت أبص للرسالة كتير. كتير جدًا. وفي الصبح، قبل ما الشمس تطلع… وصلتني رسالة من البنك. حساب هشام حاول يستخدم الكارت الموقوف تلات مرات. مطعم. بنزينة. فندق رخيص على الطريق. ابتسمت بوجع. ما قدرش يعدي ليلة واحدة من غير فلوسي. لكن اللي ما كنتش أعرفه… إن هشام ما كانش ناوي يستسلم. ولا حماتي.
وفي نفس الصباح، كانت هي بتعمل مكالمة واحدة هتقلب الدنيا كلها. مكالمة لحد كنت فاكرة إنه خرج من حياتي من زمان. حد عنده مصلحة قديمة في إنه يشوفني مكسورة. وحد هيظهر بعد ساعات على باب شركتي… ويمد إيده بورقة كانت كفيلة تهز كل اللي بنيته. يتبع…
