
جوزي بكل بساطه قالي إنه أخيرًا لقى “حب عمره الحقيقي”… وعاوز ينفصل عن البومه اللي هي انا اللي قرفت حياته..سكت..وابتسمت وانا في دماغي خطه هتغير كل حياتي.
اليوم اللي قالي فيه “كريم” إنه عايز يطلقني، كنت واقفة حافية في مطبخ الفيلا اللي أنا دفعت تمنها، ولابسة روب حرير أوف وايت كان جابهولي زمان من دبي. الغريب إن التفاصيل دي لسه محفورة في دماغي… لأن الخيانة عمرها ما بتنزل على الإنسان زي الصاعقة. أوقات بتيجي في صباح عادي جدًا… ريحة قهوة طازة مالية المكان… وشمس داخلة من الشبابيك… وجوزك قاعد قدامك وكأنه داخل يعمل عرض شغل مش يهد حياتك.
المطبخ بتاعنا كان متجدد بأكتر من أربعة مليون جنيه. أنا اللي اخترت كل تفصيلة فيه الرخام الرمادي، والنجف النحاسي، والخشب الفاتح، وماكينة القهوة الإيطالي، وحتى المقابض الصغيرة بتاعة الأدراج.
كان “كريم” دايمًا يضحك عليا لما أقعد نص ساعة أختار شكل مقبض واحد. بس أول ما حد يزورنا، كان يبقى أول واحد يقول: “ياسمين عندها ذوق يجنن… تعرف تعمل أي مكان شيك من غير ما يبقى مبالغ فيه.”
في الصباح ده، كان قاعد عند الرخامة لابس البلوفر الكحلي اللي جبتهوله في عيد ميلاده. ماسك المج بتاع القهوة بإيده الاتنين، وباصصلي كأنه حافظ الكلام اللي هيقوله قدام المراية، وبعدين قال: “ياسمين…
أنا لقيت حب حياتي الحقيقي.”حب حقيقي.
مش: “خنتك.” ولا: “كدبت عليكي.” ولا: “استغليت تعبك وفلوسك علشان أعيش حياة تانية.”
لأ… قال “حب حقيقي”، وكأنه بطل مسلسل رومانسي، مش راجل عنده اتنين وأربعين سنة قاعد في بيت متبني بفلوسي أنا… وتعبي أنا… وسهر سنين كاملة علشان أوصل للي وصلتله…لثانية… البيت كله سكت.
برا، شجرة الياسمين اللي زرعتها يوم اشترينا الفيلا كانت مزهزة، وسما القاهرة لونها بين الرمادي والأزرق… نفس شكل الأيام اللي بتبان عادية جدًا قبل ما الحياة تنقلب.
وكريم طبعًا كمل كلام..الرجالة اللي بيحضّروا للخيانة من بدري، بيعتقدوا إن الهدوء نوع من الصدق.
قال: “اسمها فريدة…
الموضوع حصل لوحده. هي مختلفة يا ياسمين. بسيطة… حقيقية… مش مهتمة بالفلوس ولا المظاهر. بتحس بيا فعلًا.”
شربت رشفة من القهوة. طعمها كان مر… مش بسبب القهوة، لكن لأن جسمي فهم معنى كلامه قبل عقلي.
“بسيطة” يعني لسه ما شافتش حساباته البنكية. “حقيقية” يعني عمرها ما دفعتله فاتورة متأخرة. “مش مهتمة بالفلوس” يعني متعرفش مين اللي بيدفع تمن العشا الفخم والهدايا والسفر.
كان مركز معايا أوي. مستني عياط… صريخ… خناقة… أي رد فعل يريحه ويخليه يحس إنه ضحية.
بس أنا ما اديتوش حاجة.ابتسمت.
مش ابتسامة مكسورة. ولا طيبة. ابتسامة هادية… حقيقية… ومخيفة شوية.
لأن بعد شهور من كشف الحسابات، وصور التحويلات، والمكالمات، والسكوت اللي كنت مرتباه بدقة… حسيت أخيرًا براحة…هو بنفسه دخل الفخ اللي كنت مجهزاه من شهور…قلت بهدوء: “شكرًا إنك قولتلي.”
اتخض…واضح إنه كان متوقع دموع مش هدوء.
قومت من مكاني، أخدت مج القهوة، وعدلت الروب، وقلت: “ثانية واحدة.”
دخلت مكتبي وقفلت الباب بهدوء، وطلعت موبايلي واتصلت بمساعدتي.
“مها” ردت من أول رنة. كانت دايمًا كده. ست ذكية جدًا… عينها ما بتفوتش حاجة… وعندها ولاء عملي أغلى من أي كلام عاطفي.
قلت: “صباح الخير يا مها.”
ردت فورًا: “صباح النور يا مدام ياسمين.”
قلت وأنا محافظة على هدوئي لكن لما سمع اللي بقوله صوت الصدمه كان خارج لوحده يرضي غروري
قلت وأنا محافظة على هدوئي: “نفّذي المرحلة الأخيرة.”
سكتت مها ثانيتين… وبعدين سمعت صوت شهقة صغيرة حاولت تخبيها.
“يعني… هو اعترف؟”
بصيت من إزاز المكتب ناحية كريم. كان لسه قاعد مكانه في المطبخ، باصص حوالين نفسه بتوتر، مستني الانفجار اللي متوقعه.
قلت بابتسامة باردة: “أكتر من كده… هو بنفسه طلب يسيب المركب قبل ما تغرق.”
مها خدت نفس وقالت: “تمام يا فندم. المحامي مستني الإشارة… والبنك جاهز يجمّد التحويلات.”
غمضت عيني للحظة.
أربع سنين جواز.
سنتين حب قبلهم.
وعشر شهور كاملة وأنا بجمع الأدلة بهدوء.
مش علشان أنتقم.
علشان أبقى مستعدة.
أول مرة شكيته كانت من حوالي سنة.
مش بسبب رسايل حب… ولا ريحة برفان ست على هدومه… ولا حتى تأخير.
كريم كان أذكى من الأخطاء الرخيصة دي.
لكن الست اللي تبني شركة من الصفر وتعرف تقرأ الناس من نبرة صوتهم… تقدر تحس لما حد يبدأ يبص لها كأنها مرحلة قديمة في حياته.
كان بيبصلي كأنني شيء مضمون.
شيء موجود.
زي الرخام… أو التكييف… أو العربية.
موجودة وخلاص.
والمشكلة إن الرجالة لما يضمنوا الست اللي جنبهم، يبدأوا يتخيلوا إنهم أذكى منها.
في أول مرة اكتشفت فيها تحويل مالي غريب، كنت قاعدة في مكتبي في الشركة.
رقم صغير.
ماتين ألف جنيه.
متبعتين لشركة سياحة اسمها “Blue Horizon”.
ولأن نص شغلي قائم على المراجعة والتدقيق، طلبت كشف كامل من غير ما أقول له.
اكتشفت بعدها إن “Blue Horizon” مش شركة سياحة أصلًا.
كانت شركة وهمية باسم واحدة اسمها: فريدة السيوفي.
نفس الاسم اللي نطقه الصبح ده وهو فاكر إنه بيصدمني.
فاكرة اليوم اللي شفت صورتها لأول مرة.
بنت أصغر مني بعشر سنين تقريبًا.
شعرها أسود طويل.
ضحكتها عالية.
ونظرتها فيها النوع اللي بيخلي بعض الرجالة يحسوا إنهم لسه صغيرين ومطلوبين.
ماكنتش أكرهها.
الحقيقة؟
أنا حتى ماعرفهاش.
لكن كنت عارفة النوع ده كويس.
البنت اللي تدخل حياة راجل متجوز وتصدق فعلًا إنه ضحية زوجة باردة وقاسية ومش مقدراه.
بينما الحقيقة إنه بيعيش بفلوس مراته… وفي بيت مراتـه… وعلى نجاح مراتـه.
فتحت درج المكتب وطلعت ملف أسود.
الملف اللي بدأت أجهزه من شهور.
كل حاجة كانت جواه.
تحويلات.
رسائل.
نسخ من عقود.
وصور.
حتى تسجيل صوتي لكريم وهو بيقول لصاحبه في الجولف: “ياسمين ناجحة بزيادة…
الواحد بقى حاسس إنه متجوز مدير بنك مش ست.”
الرجالة أوقات تكره الست اللي تنقذهم.
خصوصًا لو النجاح خلاها أقوى منهم.
رجعت للمطبخ بهدوء.
كريم رفع عينه أول ما شافني.
واضح إنه بدأ يقلق من الهدوء الطويل.
قال: “ياسمين… أنا عارف إن الموضوع صعب.”
ضحكت ضحكة صغيرة.
“صعب؟ لأ يا كريم… الموضوع أسهل مما تتخيل.”
اتلخبط.
“يعني إيه؟”
قعدت قدامه وحطيت مج القهوة على الرخامة.
وقلت: “يعني لو أنت لقيت حب حياتك الحقيقي… يبقى طبيعي تسيب كل حاجة وتمشي.”
قال بسرعة: “أنا مش عايز أظلمك.
وعايز الطلاق يبقى راقي ومحترم.”
راقي.
الكلمة دي خلتني أضحك فعلًا المرة دي.
“راقي؟ زي ما كنت راقي وإنت فاتح شركة باسم عشيقتك بفلوس من حساباتنا المشتركة؟”
اللون اختفى من وشه فجأة.
سكت.
ولأول مرة من بداية القعدة… شفت الخوف الحقيقي في عينه.
همس: “إنتِ بتقولي إيه؟”
فتحت الملف بهدوء.
طلعت أول ورقة.
تحويلات.
بعدها صور.
بعدها نسخة من عقد الشقة اللي اشتراها باسم فريدة في الساحل.
بعدها كشف الرحلات.
روما.
دبي.
اليونان.
كلها مدفوعة من بطاقات الشركة.
كريم كان بيبص للأوراق كأنها سكاكين بتتغرز فيه.
قلت بهدوء: “عارف أكتر حاجة ضايقتني؟ مش الخيانة.”
بلع ريقه.
“أمال إيه؟”
“إنك افتكرتني غبية.”
قام واقف فجأة بعصبية.
“إنتِ كنتِ بتتجسسي عليا؟!”
الرجالة الخاينة عندهم موهبة غريبة…
أول ما يتكشفوا، يتحولوا فجأة لضحايا.
رفعت حاجبي.
“أنت فتحت شركة وهمية، وسرقت فلوس من حسابات شراكتنا، وبتسألني كنت بتجسس عليك؟”
صوته بدأ يعلى: “دي فلوسي أنا كمان!”
هزيت راسي ببطء.
“لأ يا كريم. الشركة باسمي. البيت باسمي. وحتى العربية اللي بتسوقها متأجرة بعقد من شركتي.”
سكت.
حرفيًا سكت.
ودي كانت أول مرة يشوف الحقيقة من غير الزينة اللي كان عايش جواها.
كريم عمره ما كان فقير.
لكن عمره كمان ما كان غني لوحده.
أنا اللي بنيت كل ده.
وهو كان بيعرف يمثل دور الزوج الناجح جنب الست الصح.
وفجأة… موبايله رن.
بص للشاشة… واتوتر أكتر.
فريدة.
ابتسمت.
“رد.”
“مش وقته.”
“لا رد… يمكن حب حياتك الحقيقي قلقان عليك.”
رد بإيد مرتعشة.
أول ما فتح الخط، صوت بنت طالع بانهيار: “كريم! في ناس من البنك هنا… بيقولوا الحسابات اتجمدت!”
بصلي بصدمة.
وأنا أخدت رشفة قهوة بهدوء.
فريدة كملت بعصبية: “والشقة بتاعة الساحل! الراجل بيقول في مشكلة قانونية!”
كريم وشه بدأ يحمر.
“هقفل دلوقتي.”
لكنها ما سكتتش: “إنت قلت إن كل حاجة باسمك!”
قفلت المكالمة وهو بيتنفس بعنف.
وبعدين بصلي كأنه بدأ يفهم.
“إنتِ عملتي إيه؟”
عدلت الروب الحرير وقمت بهدوء.
“اللي أي ست ذكية تعمله لما تكتشف إن جوزها بيستخدمها كبنك مفتوح.”
قرب مني بعصبية: “إنتِ مش فاهمة! الموضوع هيبوظ سمعتي!”
ضحكت.
“سمعتك؟ يا حبيبي… دي لسه البداية.”
في اللحظة دي جرس الباب رن.
كريم بص ناحية الباب بتوتر.
دخلت الخدامة تقول: “الأستاذ حسام والمحامي وصلوا يا مدام.”
الدم نزل من وشه.
حسام كان شريكه القانوني.
والمحامي بتاعي.
دخلوا الصالة بهدوء مرعب.
الأستاذ حسام سلم عليا الأول.
ثم بص لكريم بأسف واضح.
المحامي فتح الشنطة الجلد وطلع ملف أكبر.
وقال بمنتهى الرسمية: “أستاذ كريم، تم اكتشاف تحويلات غير قانونية واستخدام أموال الشركة في ممتلكات شخصية بأسماء أطراف خارجية. والمدام ياسمين قررت ترفع قضية اختلاس وإساءة ائتمان.”
كريم اتفجر: “إنتِ هتسجنيني؟!”
بصيتله بثبات.
“لا يا كريم.
إنت اللي سجنت نفسك يوم ما افتكرت إن الست اللي بنت إمبراطوريتها من الصفر… مش هتعرف تحميها.”
بدأ يتحرك بعصبية في المطبخ.
“إنتِ بتنتقمي!”
“لأ. أنا بنضف حياتي.”
وبعدين قربت منه لأول مرة من بداية اليوم.
وشميت ريحة البرفان اللي كنت بشمها مؤخرًا على قمصانه.
وقلت بهدوء قاتل: “عارف الغلط الحقيقي اللي عملته؟”
بصلي بصمت.
“إنك قلتلي إنك لقيت حب حياتك الحقيقي… قبل ما تتأكد إن حب حياتك الحقيقي مستعدة تعيش معاك وإنت مفلس.”
الكلمة ضربته أكتر من أي ورقة.
لأنه أخيرًا فهم.
فريدة ماحبتوش وهو راجل مديون ومطارد بقضايا.
هي حبت النسخة اللي بيسافر بيها بيزنس كلاس… ويدفع كاش… ويحجز أجنحة فندقية.
النسخة اللي صنعتها أنا.
وفجأة…
موبايله رن تاني.
فريدة مرة تانية.
المرة دي رد بسرعة كأنه بيحاول ينقذ آخر شيء.
لكن أول ما فتح الخط سمعناها بتقول بحدة: “كريم… إنت كدبت عليا؟!”
قفل عينه.
وهي كملت: “في واحدة بعتالي كل حاجة! الحسابات… القضايا… حتى صورك معايا!”
ابتسمت وأنا أبص في عينه.
مها كانت شغالة ممتاز كالعادة.
فريدة كانت بتصرخ: “أنا مش هدخل نفسي في فضايح! خلاص انتهينا!”
والخط اتقفل.
الصمت بعدها كان مرعب.
كريم وقف في نص المطبخ كأنه فجأة كبر عشر سنين.
الرجل اللي دخل الصبح فاكر نفسه بطل قصة رومانسية…
بقى مجرد راجل خسر كل حاجة في أقل من ساعة.
بصلي بصوت مكسور لأول مرة: “ياسمين… إحنا ممكن نحل الموضوع بهدوء.”
هزيت راسي.
“لا يا كريم. الهدوء كان قبل ما تخوني.”
وبعدين أخدت الملف من على الرخامة ومشيت ناحية الباب.
وقبل ما أطلع…
لفيت له وقلت: “بالمناسبة… الفيلا لازم تفضى قبل آخر الأسبوع.”
بصلي بصدمة: “إنتِ بترميني بره؟!”
ابتسمت ابتسامة هادية جدًا.
“لا يا كريم… أنا بسيبك تروح لحب حياتك الحقيقي.”
يتبع