Advertisements
Advertisements
منوعات

أغيب من المدرسة حكايات رومانى مكرم 3

Advertisements

ومدت يدها بعنــ,,ـــــف لتخطف الحقيبة من حجري، لكن في نفس اللحظة، انفتح باب السيارة السوداء بقـ,ـوة، ونزل منها طارق المنياوي وعلامات الغـ,ـضب والجنون تملأ وجهه. يبدو أنه أدرك أنني أحاول استدراجهم في الكلام. تقدم نحو الطاولة بخطوات واسعة، وضغط على ذراعي بقوة آلمتني بشدة وهو يقول: “البت دي بتلعب بينا يا نادية! هاتي الشنطة دي هنا!” وفي وسط الصراع وجلبة المقهى، ظهر المحامي فجأة ومعه اثنان من رجال المباحث بملابس مدنية كانوا يراقبون الموقف عن كثب. صـ,ـرخ المحامي: “سيب البنت يا طارق! الشرطة هنا!”

حاول طارق الهروب والركض نحو سيارته، لكن رجلا المباحث هجما عليه وشلا حركته تمامًا، في حين انخرطت خالتي نادية في صراخ هستيري وهي تحاول التملص والاختباء وراء الكراسي. تم اقتيادنا جميعًا إلى قسم الشرطة في سيارات ميكروباص تابعة للمباحث. وهناك، في مكتب رئيس المباحث، وضعتُ الأوراق والخطابات والإقرار على المكتب، وحكيت كل شيء من البداية. لكن الصدمة الثالثة والكبرى، والتي لم تكن في الحسبان، حدثت عندما دخل مكتب رئيس المباحث رجل وقور، ذو هيبة بالغة وشعر أبيض، وعيناه تقطران حزمًا..

كان هو المستشار رفعت بنفسه، صاحب البلاغ وخال طارق. نظر المستشار رفعت إلى ابن أخته طارق وهو مكلبش باحـ,ـتقار شديد، ثم التفت إليّ ونظر إلى الأوراق والخطابات القديمة الملقاة على المكتب. فجأة، رأيت عينيه المتصلبتين تلمعان بدموع محـ,ـبوسة، وتغيرت نبرة صوته تمامًا وهو يمسك بالخطاب القديم والصورة الممزقة التي تجمع جدي وأمي وفاطمة. التفت المستشار رفعت إلى رئيس المباحث وقال بصوت مرتعش من الصدمة: “فاطمة؟.. فاطمة عبد الرحمن هي المتهمة في القضية دي؟” نظر إليه رئيس المباحث باستغراب وقال: “أيوة يا فندم، دي الست اللي شغالة عند حضرتك ونادية اتهمتها بالسـ,ـرقة.. في حاجة يا سيادة المستشار؟”

مسح المستشار رفعت على وجهه بذهول ونظر إليّ بعمق، ثم قال كلمات جعلت الغرفة كلها تصمت، وجعلت قلبي يقف للمرة الألف: “فاطمة دي.. فاطمة دي كانت خطيبتي وحب عمري من 25 سنة.. الشاب اللي في الصورة ده يبقى أنا!” التفتُّ إليه والصدمة تلجم لساني؛ المستشار رفعت الوقور، صاحب القصر والنفوذ، هو نفسه “المهندس شريف” خطيب أمي القديم الذي غيرت الأيام اسمه ومكانته! نظر المستشار رفعت إلى طارق ونادية بغضب زلزل أركان المكتب وقال: “يعني إنتوا استغليتوا اسمي ونفوذي عشان تدمروا الست الوحيدة اللي صنتها في غيابها؟”

ظننتُ في تلك اللحظة أن الكابـ,ـوس انتهى، وأن أمي ستخرج حالاً بعد أن ظهرت براءتها وعاد حقها القديم.. لكن خالتي نادية، وهي في قمة انكسارها وفشلها، نظرت إلى المستشار رفعت بضحكة شريرة ومجـ,ـنونة، وقالت له وهي تبكي وتضحك في نفس الوقت: “فاكر نفسك عرفت الحقيقة يا شريف بيه؟ فاكر إنك لما تطلع فاطمة هتعوضها عن السنين اللي فاتت؟.. فاطمة ما رفضتلكش طلب زمان عشان ضيق الحال زي ما هي مفهمة الكل ومفهمة بنتها.. فاطمة سابتك عشان السر اللي لو عرفته دلوقتي، هتكره اليوم اللي شفتها فيه، وهتتمنى لو كنت سبتها تعفن في السـ,ـجن!”

تراجع المستشار رفعت خطوة للخلف، ونظرتُ أنا إلى خالتي برعـ,ـب.. ما هو هذا السر الأخير الذي تخبئه عائلتنا؟ وما الذي فعلته أمي في الماضي وجعلها تدفع ثمنه حتى الآن؟ ساد صمت رهيب في مكتب رئيس المباحث، صمت لم يكن يقطعه سوى أنفاس المستشار رفعت المتلاحقة وعيني خالتي نادية اللتين كانت تلمعان بانتصار مريض، كأنها تلعب آخر كروتها لتدمير الجميع حتى وهي تسقط. تقدم المستشار رفعت نحو نادية بخطوات متصلبة، وعروق وجهه بارزة من شدة الغضب، وقال بصوت هز جدران المكتب:

“انطقي! سر إيه اللي بتتكلمي عنه؟ فاطمة طول عمرها ست شريفة وأشرف منك ومن اللي مشغلينك!” ضحكت نادية بمرارة وصوت باح وهي تنظر إليه: “شريفة؟ طيب اسألها… اسألها لمّا سابتك زمان من 25 سنة، وقالتلك إنها مش قادرة تكمل عشان ضيق الحال، راحت فين؟ وليه اختفت تلات شهور كاملين عن البلد قبل ما ترجع وتتجوز أبو ملك؟” التفتُّ إلى خالتي وأنا أصرخ وعيوعي تنهمر: “انتي كدابة! أمي عمرها ما عملت حاجة غلط! انتي عاوزة توقعيها وخلاص بعد ما اتكشفتي!”

رئيس المباحث أشار لعسكري يمسكني ويهديني، وتوجه بنظرته للمستشار رفعت اللي كان وشه بيتحول للون الأبيض كأنه بيسمع كابـ,ـوس. نادية كملت كلامها وهي بتبص للمستشار بغل:

انت في الصفحة 2 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!