Advertisements
Advertisements
منوعات

غيب من المدرسة حكايات رومانى مكرم 1

Advertisements

ولما اكتشفت إن اللي حصل النهارده كان مجرد بداية لكابوس أكبر بكتير… رحلت خالتي نادية من الشقة بخطوات سريعة وتركيبتها الخبيثة تملأ الأركان برائحة الغدر. بقيتُ أنا، “ملك” ذات الثلاثة عشر عامًا، مسمرة وراء الباب. كان صوت ضــ,,ـــــربات قلبي مسموعًا لدرجة أنني خشيت أن يرتد صداه في جدران الصالة الفارغة. نظرتُ إلى الساعة المعلقة على الحائط، كانت العقارب تتحرك ببرود كأنها تقود أمي نحو حبل المشنقة.

رأيت حقيبة أمي القماشية الرمادية القديمة ملقاة على الكرسي الخشبي. تلك الحقيبة التي تحمل تفاصيل شقائها؛ بقايا فواتير، قلم حبر جاف جاف سائل، ومنديل معطر قديم. والآن، يقبع في قاعها سوار ذهبي مرصع بالماس، يلمع ببريق الشؤم الذي زرعته خالتي.

تقدمتُ بخطوات ترتعش. كانت الفكرة الأولى التي قفزت إلى عقلي هي أن آخذ السوار وألقيه من النافذة، أو أخبئه في مكان آخر. لكن الرعب شلّ تفكيري؛ ماذا لو عادت خالتي فجأة؟ ماذا لو كان هناك من يراقب البيت؟ الأهم من ذلك، كلمات خالتي في الهاتف: *”أول ما فاطمة ترجع هيلاقوا الذهب في شنطتها”*.. هذا يعني أن الشرطة أو أصحاب الذهب لديهم علم مسبق بمكان المكيدة، وأن التفتيش سيكون دقيقًا وموجهًا.

قضيت الساعات التالية في جحيم من الترقب. حاولت الاتصال بأمي عدة مرات، لكن شبكة الهاتف في المصنع الذي تعمل به كانت سيئة للغاية، وفي المرة الوحيدة التي تجمّع فيها الخط، جاءني صوتها المنهك: “أيوة يا ملك يا بنتي.. بطنك لسه بتوجعك؟ أنا قريبة من البيت، ربع ساعة وأكون عندك.” لم أستطع النطق. انحبس صوتي في حلقي كغصة مريرة، وأغلق الخط. ومع هبوط الظلام، تحققت الكوابيس.

أضاءت الأنوار الزرقاء والحمراء جدران صالتنا الصغيرة عبر زجاج النافذة. كانت سيارة الشرطة قد صفت بالفعل أمام الباب، يرافقها رجل وامرأة يبدو عليهما الثراء الفاحش، والوجوه تقطر غضبًا. وفي نفس اللحظة، كانت أمي ترجلت من “الميكروباص” عند أول الشارع، تمشي بخطواتها المتهالكة، تحمل كيسًا بلاستيكيًا فيه بعض الخضار لعشائنا. شاهدتُ المشهد من شق الشباك. استقبلها الضابط ومعه صاحب البلاغ. رأيت علامات الذهول والاندهاش ترتسم على وجه أمي المحتقن بالتعب وهي تُسأل عن الحقيبة. لم تتردد، ولم تخف، بل سلمت لرجال الشرطة حقيبتها بكل ثقة وبراءة وهي تقول:

“فتشوها يا باشا.. أنا شقيانة طول عمري بالحلال، عمري ما أمد إيدي على حاجة مش بتاعتي.” لكن الثقة تحولت إلى صرخة مكتومة مزقت قلبي، عندما أدخل الضابط يده وجذب المنديل الأبيض، ليتهاوى منه السوار الذهبي ضاحكًا ببريق الغدر تحت كشافات الإضاءة. “مش بتاعي! والله العظيم ما أعرف جيه هنا إزاي!” صرخت أمي، بينما كانت القيود الحديدية “الكلبشات” تطوق معصميها النحيلين اللذين أنهكهما غسيل الصحون والعمل في المصانع.

لم أحتمل. ركضت إلى الشارع، وارتميت في حــ,,ـــــضنها وأنا أبكي بهستيريا: “أمي بريئة! خالتي نادية هي اللي حطته!” لكن صوتي الطفولي ضاع وسط جلبة العساكر وصيحات أصحاب الذهب، ودفعني أحد الجيران برفق بعيدًا عن السيارة وهي تتحرك مغادرة، وبداخلها أمي التي تنظر إليّ من خلف الزجاج بعيون باكية ومصدومة. بقيتُ وحيدة في الشقة الباردة بعد أن تفرق الجيران، بعضهم ينظر إليّ بشفقة، وبعضهم يهمس بكلمات الاتهام. جلستُ على الأرض، وفي رأسي يدور سؤال واحد يحــ,,ـــــرق عقلي: **لماذا؟**

لماذا تفعل خالتي نادية، الأخت الشقيقة، بأمي هذا؟ أمي التي طالما اقتطعت من قوتنا لتعطي أبناء نادية، أمي التي ساندتها في طلاقها وفي مرضها. لم يطل انتظاري للإجابة. في اليوم التالي، وأثناء محاولتي تجميع أوراق أمي الشخصية وعقد إيجار الشقة لتقديمها للمحامي الذي تبرع به أحد الجيران الشرفاء، عثرتُ على صندوق خشبي قديم وصغير كان يقبع في أعلى خزانة ملابس أمي. صندوق مغلق بقفل صدئ، لكنه انكسر بسهولة بين يديّ مستخدمة سكــ,,ـــــين المطبخ.

بداخل الصندوق، لم أجد مجوهرات أو أموال، بل وجدت رزمة من الخطابات القديمة الصفراء، يعود تاريخها إلى خمسة وعشرين عامًا مضت، وصورة ممزقة من المنتصف تم لصقها بشريط لاصق بعناية. كانت الصورة تجمع جدي الراحل، وأمي فاطمة في شبابهما، وبجانبها رجل وسيم بملامح وقورة. وفي ظهر الصورة كُتب بخط جدي: *”خطوبة ابنتي الغالية فاطمة على المهندس شريف – ألف مبروك”*.

فتحتُ الخطابات، وكانت صادرة من ذات الرجل “شريف”. قرأت الكلمات بعيون متسعة من الصدمة. لم يكن شريف مجرد خطيب سابق لأمي؛ بل كان الحب الوحيد في حياة خالتي نادية. الخطابات كشفت المستور: نادية كانت قد حاولت بكل الطرق المستميتة في الشباب أن تلفت انتباه شريف، لكنه اختار أمي لشهامتها وطيبتها. وحينما رفضته أمي لاحقًا بسبب ضيق حاله وتفضيلها العمل لمساعدة أسرتها، اعتبرت نادية أن فاطمة “دمرت” فرصتها في السعادة والحياة الرغدة، وأنها استخفت برجل كانت نادية مستعدة لبيع عمرها من أجل نظرة منه.

لكن المفاجأة الأكبر، والصدمة التي جعلت جَسدي ينتفض، كانت في الخطاب الأخير الأسفل في الصندوق. لم يكن من شريف، بل كان تنازلًا رسميًا قديماً عن قطعة أرض ورثتها أمي وخالتي عن جدي في القرية. نادية كانت قد زورت توقيع أمي قبل سنوات وباعت الأرض لحسابها الخاص لتسديد ديون زوجها الهارب. وأمي، عندما اكتشفت الأمر وقتها، لم تبلغ عنها حماية لسمعة العائلة، لكنها أجبرت نادية على توقيع إقرار برد المبلغ على أقساط، وهو الإقرار الذي كان يمثل سيفًا مسلطًا على رقبة نادية، إذ كان يمكن لأمي بموجبه أن تسجــ,,ـــــنها في أي وقت.

نادية لم تكن تسرق السوار لتبتاع به ثيابًا، ولم تكن تضعه في حقيبة أمي لمجرد غيرة نساء.. كانت نادية تضــ,,ـــــرب عصفورين بحجر واحد: التخلص من عقدة النقص القديمة تجاه أختها، وإدخال أمي السجــ,,ـــــن بتهمة سرقة جنائية تسقط بها أهليتها ومصداقيتها، وتضيع معها قضية الأرض والإقرار المالي للأبد. أمسكتُ بالإقرار المالي والخطابات، وشعرت بنــ,,ـــــار الغضب تشتعل في عروقي. نظرت إلى مرآة الصالة، ولم أرَ الفتاة الصغيرة ذات الثلاثة عشر عامًا التي تخاف من الامتحانات المدرسية؛ بل رأيت وجهًا جديدًا صلبًا كالحجر.

ارتديت حجابي الصغير، وحزمت الأوراق في حقيبتي، وعزمت على الذهاب إلى بيت خالتي نادية. لم أكن ذاهبة لأعاتبها، بل كنت ذاهبة لألعب معها بذات أوراق اللعبة القذرة التي بدأتها.. لكنني لم أكن أعلم أن نادية كانت قد خططت للخطوة التالية بالفعل، وأن وصولي لبيتها سيكشف لي عن شر أعمق مما تخيلت.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!