
طرد-ت المربية من بيتي بعد ما شكيّت إنها بتسر,قني وتكدب عليا…لكن قبل ما تمشي، بنتي الصغيرة حضنتها وهي بتعيط وتصرخ:”ماما… بالله عليكي ما تطرديش أختي!”
اتجمدت مكاني…لأني كنت متأكدة إن بنتي ماعندهاش أي إخوات.
كانت ياسمين عندها 36 سنة، واتعلّمت تعيش وهي متحكمة في كل حاجة حواليها.
بعد ما جوزها كريم سابها هي وبنتها الصغيرة ليلى، وماسابش وراه غير الديون والكدب، بقت الصراحة بالنسبة لياسمين مش مجرد صفة… دي كانت قانون حياتها.
ولما شغّلت بنت صغيرة اسمها ندى تشتغل مربية لليلى، كانت فاكرة إنها أخيرًا هتعرف تثق في حد من جديد.
ندى كانت بتحكي لليلى حواديت قبل النوم بأصوات مختلفة، وتضفر لها شعرها بطريقة عمر ياسمين ما كان عندها وقت تتعلمها.
وكانت تسيب رسومات صغيرة على باب التلاجة… شمس، قطط، وعيلة مرسومة بإيدين ماسكين بعض.
ولأول مرة بعد الطلاق، البيت حسّ إنه فيه راحة.
لكن بعدها بدأت الحاجات الغريبة.
ورقة ميتين جنيه اختفت من تسريحة ياسمين.
مفتاح العربية الاحتياطي مش في مكانه المعتاد.
وجارتها قالت لها مرة وهي بتتكلم عادي:
“شفت البنت اللي عندك النهارده جنب عربيتك.”
رغم إن ندى أقسمت إنها ما خرجتش من البيت أصلًا.
ومن يومها، ياسمين بدأت تراقب كل حاجة.
تعدّ فلوسها.
تراجع مكان المفاتيح.
وكل مرة تسأل ندى سؤال بسيط:
“إنتِ خرجتي النهارده؟”
كان الرد دايمًا واحد:
“لا… كنت هنا طول الوقت.”
وفي يوم رجعت ياسمين البيت بدري من غير ما تقول.
دخلت المطبخ ولقت ندى واقفة جنب كرسي، وعلى الكرسي شنطة ضهر مفتوحة، وكانت بتقفل السوستة بسرعة كأنها مستعدة تمشي.
ومفتاح العربية الاحتياطي كان مرمي قدامها على الرخامة.
في اللحظة دي… قلب ياسمين اتقبض.
قالت لها بصوت متماسك:
“ندى… لمي حاجتك. آسفة، بس شغلك انتهى. أنا ما ينفعش أعيش في بيتي مع حد بيكدب عليا.”
ندى ما جادلتش.
ما حاولتش تدافع عن نفسها.
بس وطّت راسها ومِسكت الشنطة بهدوء.
وفجأة دخلت ليلى جري.
بصت للشنطة… وصرخت كأن حد بينزع قلبها من جواها.
“لا! يا ماما بالله عليكي ما تمشيهاش!”
ورمت نفسها على رجلين ندى وهي بتعيط بعنف لدرجة إن جسمها كله كان بيترعش.
“أرجوكي… ما تطرديش أختي!”
ياسمين تجمدت مكانها.
“أختك؟” قالتها بصوت شبه الهمس، وهي مش متأكدة إنها سمعت صح.
ليلى رفعت عينيها وسط دموعها، مرعوبة إنها قالت حاجة ماكانش المفروض تتقال.
أما ندى… فوشها شحب فجأة، كأن الكلمة دي كشفت سر كانت مخبياه بروحها كلها. مترجم حصري لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليـكم باللينـك – حكـايات أسمـا السيـد
ياسمين حست إن الهوا اختفى من حوالين وشها
الكلمة خبطت فيها بعنف
أختي
ليلى عمرها ست سنين
وعمرها ما قالت الكلمة دي قبل كده
ولا مرة سألت عن إخوات
ولا حتى لعبت لعبة العيلة الكبيرة اللي فيها أخ وأخت
بصت لياسمين بعينين مليانين رعب وندم وكأنها كانت عارفة إنها غلطت
ندى ركعت بسرعة قدامها ومسكت كتفها
“ليلى… اسكتي حبيبتي”
لكن البنت كانت منهارة
“لا! ما تمشيش! انتي وعدتيني!”
ياسمين قربت خطوة
صوتها خرج ناشف
“إيه اللي بيحصل هنا؟”
ندى قامت ببطء
وشها أبيض بطريقة مخيفة
“مفيش حاجة يا مدام”
“بنتي قالت لك أختها”
“هي صغيرة ومش فاهمة”
لكن ليلى هزت راسها بعنف
“لأ! ندى أختي بجد!”
ياسمين حست إن قلبها بيدق جوه ودانها
بصت للبنت
“مين قالك كده؟”
ليلى شهقت وهي بتبص لندى
كأنها بتستأذنها
ندى قالت بسرعة
“أنا همشي خلاص”
ومدت إيدها تمسك الشنطة
لكن ياسمين مسكتها قبل ما تتحرك
“لا… دلوقتي محدش هيمشي”
الصمت وقع تقيل بينهم
حتى صوت التلاجة كان واضح
ياسمين أخدت نفس طويل
“اقعدي”
ندى فضلت واقفة
“قولت اقعدي”
قعدت ببطء على طرف الكرسي
وعينيها في الأرض
ليلى فضلت لازقة فيها
بتبكي بصوت مكتوم
ياسمين حست بخوف غريب
الخوف اللي بييجي لما تحس إن حياتك اللي كنت فاهمها كويس طلعت كدبة
قالت وهي بتحاول تسيطر على صوتها
“هسألك سؤال واحد… وإياكي تكدبي”
ندى رفعت عينيها أخيرًا
“إنتِ تعرفي كريم؟”
مجرد سماع الاسم خلاها تتجمد
وده كان كفاية
ياسمين رجعت خطوة كأن حد زقها
كريم
حتى بعد سنتين طلاق كانت بتحاول تنسى اسمه
الراجل اللي خانها وسابها غرقانة في القروض
الراجل اللي اختفى بعد ما باع دهبها من غير علمها
الراجل اللي أقسم وهو خارج من البيت إن حياته كلها معاها كانت غلطة
ندى بلعت ريقها
وبصت لليلى
ثم قالت بصوت واطي
“هو… كان أبويا”
ياسمين حست الدنيا بتلف
“إيه؟”
“كريم كان أبويا”
ليلى بصت لياسمين بخوف
مش فاهمة ليه أمها شكلها اتغير كده
ياسمين ضحكت ضحكة قصيرة متقطعة
“إنتي مجنونة”
ندى سكتت
“إنتي جاية بيتي تلعبي عليا؟”
“أنا ماكنتش عايزة أقول”
“إزاي أبوكي؟ كريم عمره ما قال عنده بنت!”
ندى رفعت عينيها لأول مرة بثبات
“عشان كان مخبي وجودي”
الكلمة نزلت على ياسمين زي حجر
ندى كملت
“أمي اتجوزته عرفي وهي صغيرة… ولما حملت فيا سابها”
ياسمين افتكرت فجأة
قبل جوازها بكريم بسنين كان بيختفي أيام ويقول عنده مشاكل مع أهله
وكان يتهرب من أي كلام عن ماضيه
لكنها عمرها ما سألت كتير
كانت بتحبه
وده كان كفاية وقتها
“إنتي بتكدبي”
ندى هزت راسها
“عندي شهادة ميلاد باسمه”
ليلى بصت بينهم وهي بتعيط
“هو يعني ندى أختي بجد؟”
ياسمين ماعرفتش ترد
قلبها كان بيتفتت بحاجة مش مفهومة
غضب
صدمة
خيانة قديمة رجعت تتفتح من أول وجديد
قالت بعصبية
“ولما انتي عارفة كل ده… اشتغلتي عندي ليه؟”
ندى مسكت إيديها ببعض
“أنا ماكنتش ناوية أقول أي حاجة… والله”
“جاوبي!”
الدموع لمعت في عينيها
“كنت محتاجة شغل”
“من بين كل البيوت جيتي بيتي؟”
ندى سكتت لحظة طويلة
ثم قالت الحقيقة
“أنا كنت عايزة أشوفه”
ياسمين اتجمدت
“إيه؟”
“كنت فاكرة إنه لسه عايش هنا”
الصمت اتقطع بأنفاس ليلى
ندى كملت بصوت مكسور
“أنا طول عمري بشوف صورته القديمة معاكم على فيسبوك… كنت بشوف ليلى… وشفت شبهها فيا”
وبصت للبنت اللي حضناها
“ولما عرفت إنه سابكم… ماعرفتش أمشي”
ياسمين حست بغثيان
كل يوم
كل ضحكة
كل مرة كانت ندى تقعد مع بنتها
كان وراها السر ده
“وإنتي كنتي بتسرقي؟”
ندى رفعت راسها بسرعة
“لا”
“الفلوس؟ المفتاح؟”
“الفلوس ليلى خدتها”
ياسمين بصتلها بصدمة
ليلى شهقت
“أنا آسفة”
ياسمين ركعت قدامها
“إنتي خدتي الفلوس؟”
البنت هزت راسها وهي بتبكي
“كنت عايزة أجيب هدية لندى عشان عيد ميلادها”
ياسمين حست إن الدنيا بتتشق تحتها
“والمفتاح؟”
ندى ردت بسرعة
“وقّع مني لما كنت بنقل الشنطة”
“وشنطة الضهر؟”
“كنت بجهز هدومي… بعد ما حضرتك قولتيلي أمشي”
الصمت رجع تاني
بس المرة دي كان أتقل
ياسمين قامت ببطء
وبصت لندى كأنها أول مرة تشوفها فعلًا
ملامحها
عينها
حتى طريقة وقوفها
فيها حاجة من كريم فعلًا
وده خلاها تتنفس بصعوبة
ليلى مسحت دموعها بصعوبة
وقالت بصوت صغير
“ماما… هي مش وحشة”
الكلمة كسرت حاجة جوه ياسمين
لأنها فجأة افتكرت نفسها وهي صغيرة
لما أبوها كان يطرد الناس من حياته بسهولة
ويمسحهم كأنهم ماكانوش موجودين
وهي كانت تكرهه على ده
غمضت عينيها ثواني
ثم سألت
“أمك فين؟”
ندى بلعت ريقها
“ماتت من تلات شهور”
ياسمين سكتت
“ومافيش حد عندي”
ليلى حضنت دراعها أكتر
“خليها تقعد”
ندى بسرعة قالت
“لا… أنا همشي”
لكن صوتها كان مليان انكسار
ياسمين بصتلها طويل
ثم قالت بهدوء متعب
“وريني شهادة الميلاد”
ندى فتحت الشنطة بإيد مرتعشة
وطلعت ملف قديم
الورقة كانت متكرمشة من كتر الاستخدام
ياسمين أخدتها
وقلبها وقف فعلًا لما شافت الاسم
كريم سامح الجندي
الأب
إيديها بدأت ترتعش
كل السنين اللي عاشتها معاه
كل مرة قالها فيها إنه مابيخبيش أسرار
كل مرة خلاها تشك في نفسها
طلعت وهم
ندى قالت بهدوء
“أنا آسفة”
لكن ياسمين ماكانتس سامعاها
كانت بتبص للصورة الصغيرة في الورقة
ندى وهي رضيعة
وفجأة
بشكل موجع
شافت ليلى فيها
نفس العينين
قعدت على الكرسي ببطء
وحطت إيدها على وشها
ليلى قربت منها بخوف
“ماما؟”
ياسمين بصتلها
ثم فتحت دراعها
ليلى جريت حضنتها فورًا
والبنت الصغيرة فضلت تبكي وهي بينهم
بعد نص ساعة
كانت ليلى نامت على الكنبة من كتر العياط
البيت هادي بشكل مؤلم
ندى وقفت عند الباب
“أنا همشي دلوقتي”
ياسمين رفعت عينيها ليها
في لحظة كانت عايزة تطردها فعلًا
مش بسبب الكدب
لكن بسبب الوجع اللي وجودها كشفه
بس لما بصتلها
شافت بنت صغيرة متبهدلة من الدنيا
بنت مالهاش ذنب في أب أناني
قالت بصوت خافت
“عندك مكان تروحيه؟”
ندى سكتت
وده كان الرد
ياسمين غمضت عينيها للحظة
ثم قالت
“اقعدي الليلة”
ندى رفعت عينيها بصدمة
“بس بكرة هنفكر هنعمل إيه”
الدموع نزلت من عينيها فورًا
لكنها هزت راسها بس
تاني يوم
ياسمين ما راحتش الشغل
فضلت طول الليل صاحية
كل ذكرى مع كريم كانت بترجع بشكل مختلف دلوقتي
كانت فاكرة نفسها الضحية الوحيدة
لكن في بنت تانية اتسابت هي كمان
الصبح دخلت المطبخ
ولقت ندى واقفة تعمل بان كيك لليلى
ونفس الرسمة الصغيرة مرسومة جنب الطبق
شمس
وقطة
وعيلة ماسكة إيدين بعض
ياسمين فضلت واقفة تبص
ليلى دخلت تجري وهي بتضحك
“صباح الخير!”
ثم وقفت فجأة بخوف
كأنها مستنية قرار نهائي
ياسمين قربت من الترابيزة
وقعدت بهدوء
ندى بصتلها بتوتر
“أنا ممكن أمشي بعد الفطار”
ياسمين سكتت شوية
ثم قالت
“كريم يعرف بوجودك؟”
ندى ضحكت ضحكة حزينة
“هو عمره ما حاول يعرف أصلًا”
“معاكي رقمه؟”
هزت راسها
“لا”
لكن ياسمين كان معاها
ومن غير تفكير
مسكت موبايلها
واتصلت
رد بعد رنتين
صوته اللي كانت تعرفه أكتر من نفسها خرج مستغرب
“ياسمين؟”
قالت ببرود
“عندي مفاجأة ليك”
وسكتت لحظة
ثم قالت
“بنتك عندي”
الصمت اللي جه بعدها كان كافي يثبت كل حاجة
سمعت نفسه يتلخبط
“إنتي بتقولي إيه؟”
“بقول إن بنتك عندي يا كريم”
صوته بقى حاد
“ندى راحت عندك؟”
ياسمين قفلت عينيها
حتى الاسم يعرفه
يعني كان عارف
وكان ساكت
قالت بوجع
“كنت ناوي تخبي لحد إمتى؟”
كريم سكت ثواني طويلة
ثم قال بإرهاق
“الموضوع مش زي ما إنتي فاهمة”
ضحكت بسخرية
“الجملة المفضلة عندك”
ندى كانت واقفة بعيد
وشها شاحب
ياسمين قالت بحدة
“تعرف إنها كانت فاكرة إنك ممكن تحبها يوم؟”
كريم ما ردش
وده كان أبشع رد
بعد ساعات
جه البيت
ليلى كانت مستخبية ورا ياسمين
لأول مرة تخاف منه
ندى وقفت جامدة مكانها
كريم بصلها للحظة طويلة
وفي عينيه شعور معقد
ذنب
وخوف
وهروب قديم
قال بصوت واطي
“كبرتي”
ندى ضحكت بمرارة
“واضح إنك ملاحظتش غير دلوقتي”
ياسمين سابتهم في الصالة
ودخلت الأوضة
لكنها سمعت كل حاجة
سمعت ندى وهي تسأله ليه سابهم
وسمعته وهو يبرر
ويهرب
ويلف
وفي الآخر سمعته بيعيط
أول مرة في حياتها تسمعه بيعيط بجد
بالليل
بعد ما مشي
ليلى كانت نايمة في حضن ندى
وياسمين واقفة تبصلهم
فجأة البيت حس غريب
مش مثالي
مش مريح
بس حقيقي
ندى رفعت عينيها ليها بخوف
“أنا همشي بكرة”
ياسمين فضلت ساكتة شوية
ثم قالت
“ليلى عندها مدرسة الأحد”
ندى هزت راسها باستغراب
ياسمين كملت
“وماحدش بيوصلها غيرك بطريقة تخليها تضحك طول الطريق”
ندى بصتلها بعدم تصديق
وياسمين أخدت نفس طويل
“لو حابة… ممكن تفضلي شوية”
الدموع لمعت في عيني ندى
أما ليلى ففتحت عينيها بنص نوم وقالت بابتسامة صغيرة
“قولتلك يا ماما… دي أختي”
بعد شهرين
البيت اتغيّر بطريقة ياسمين نفسها ما كانتش فاهمة إذا كانت بتخوفها ولا بتطمنها
بقى فيه كوبين فرشة أسنان صغار جنب بعض
ضحكتين مختلفتين في أوضة ليلى
وصوت ندى وهي بتغني في المطبخ الصبح
لكن رغم كل ده
الحذر ما اختفاش بالكامل
ياسمين كانت كل ما تبص لندى تفتكر كريم
وكل ما تفتكر كريم تحس بجرح قديم بيتفتح تاني
ومع ذلك
في حاجة جوهها كانت بتلين يوم بعد يوم
يمكن لأنها شافت بعينيها قد إيه ندى اتحرمت
أو يمكن لأنها لأول مرة تشوف حد يحب ليلى من غير مصلحة
كريم حاول يتواصل أكتر بعد اللي حصل
بعت فلوس
اتصل مرتين
ووعد إنه “يعوض السنين”
لكن ندى ما كانتش بترد
وفي مرة ياسمين سمعتها بتقول له في التليفون
“أنا مش محتاجة أب يظهر لما أكبر خلاص”
وقفلت السكة في وشه
ياسمين ما علقتش
بس قلبها وجعها
لأن الجملة دي كانت تنفع تتقال عنها هي كمان
في ليلة مطر
الكهربا قطعت في البيت
ليلى كانت بتخاف جدًا من الضلمة
فجريت حضنت ندى فورًا
ياسمين كانت واقفة تشعل شمعة لما سمعت ليلى تسأل بصوت بريء
“هو انتي هتمشي في يوم؟”
الصمت نزل فجأة
ندى بصتلها بحنان
“ليه بتسألي؟”
“عشان كل الناس بتمشي”
الجملة نزلت على قلب ياسمين زي السكينة
بصت لبنتها
وفهمت فجأة إن ليلى ما كانتش خايفة من الضلمة
كانت خايفة من الفقد
ندى حضنتها وقالت
“طول ما انتي عايزاني… أنا هنا”
ليلى ابتسمت ونامت في حضنها بعد شوية
أما ياسمين فضلت واقفة مكانها
الكلام لف جواها بشكل موجع
كل الناس بتمشي
كريم مشي
الأمان مشي
حتى ثقتها في نفسها كانت ضاعت فترة
لكن ندى؟
البنت اللي دخلت بيتها كغريبة
بقت أكتر شخص ثابت فيه
بعدها بأسبوع
ياسمين رجعت بدري من الشغل
سمعت ضحك في الصالة
دخلت بهدوء
ولقت ليلى قاعدة على الأرض
وندى جنبها
وبيعملوا ألبوم صور
رسومات
صور مطبوعة
قصاصات ورق
ليلى رفعت صورة بحماس
“بصي دي أول مرة نروح البحر سوا!”
ياسمين قربت ببطء
ولقت صفحة كاملة عنوانها مكتوب بخط طفولي
عيلتي
وفيها صورة ليلى
وصورة ياسمين
وصورة ندى
يدين ماسكين بعض
قلبها انقبض
ليلى سألت بخوف
“زعلتي؟”
ياسمين بصتلها طويل
ثم قعدت جنبهم بهدوء
وأخدت القلم
ورسمت قلب صغير حوالين الصور
ليلى ضحكت بسعادة
ورمت نفسها في حضنها
أما ندى ففضلت ساكتة
وعينيها مليانة دموع
في نفس الليلة
رن جرس الباب
كريم
كان واقف وشكله مرهق بشكل واضح
قال إنه عايز يشوف ندى
لكن ندى لما شافته وقفت عند آخر الطرقة وما قربتش
كريم قال بصوت مكسور
“أنا بحاول أصلح اللي فات”
ندى ردت بهدوء غريب أكبر من سنها
“الناس ما بتصلحش طفولة كاملة بكلمتين”
الكلمة خلت كريم يسكت
ياسمين كانت واقفة تراقب
ولأول مرة ما حستش إنها مكسورة قدامه
بالعكس
شافته صغير
أضعف من كل الوجع اللي عمله
كريم بص لياسمين وقال
“إنتي أقوى مني بكتير”
هي ما ردتش
لأنها عرفت أخيرًا إن قوتها ما كانتش في إنها تتحكم في كل حاجة
قوتها كانت إنها رغم الخيانة والخوف لسه قادرة تفتح باب لقلبها تاني
بعد ما مشي
ندى دخلت أوضتها
وياسمين لحقتها
فضلوا ساكتين شوية
ثم ياسمين قالت
“عارفة… أول يوم شوفتك فيه كنت فاكرة إنك هتأذينا”
ندى ابتسمت بحزن
“وأنا أول يوم دخلت البيت كنت فاكرة إنك هتكرهيني لو عرفتي”
ياسمين قربت منها ببطء
وقالت بصوت دافي لأول مرة
“يمكن لو كنا اتقابلنا زمان… كنت هكرهك فعلًا”
ندى نزلت عينيها
“بس دلوقتي؟”
ياسمين مدت إيدها ولمست شعرها برفق
“دلوقتي أنا شايفة بنت مالهاش ذنب”
ندى انفجرت في العياط فجأة
العياط اللي كانت كاتماه شهور طويلة
وياسمين حضنتها
حضنتها كأنها بتحضن كل النسخ المكسورة جواهم هما الاتنين
بعد سنة
البيت بقى مليان صور أكتر
وصوت أعلى
وحياة حقيقية
ندى دخلت الجامعة بمنحة ساعدتها فيها ياسمين
وليلى بقت كل ما حد يسألها عندك إخوات تقول بفخر
“آه… عندي أخت كبيرة”
وفي يوم المدرسة طلبت من الأطفال يرسموا عيلتهم
ليلى رسمت نفسها
وأمها
وندى
ولما المدرسة سألتها
“فين بابا؟”
ليلى ردت بمنتهى البراءة
“مش كل العائلات لازم يبقى فيها بابا”
ولما ياسمين شافت الرسمة بالليل
ابتسمت وسط دموعها
لأنها أخيرًا فهمت
العيلة مش دايمًا الدم
ولا الورق
ولا حتى الحقيقة اللي بتوجع
العيلة هي الشخص اللي يفضل
لما كل الناس التانية تمشي
تمت

