
بصلي طويل.
وقال بهدوء: —لو مرجعتش… خليكي معاهم.
حسيت قلبي بيتقبض. همست: —إنت بتتكلم كأنك مودع. ضحك ضحكة تعبانة: —الجندي طول عمره بيودع يا مريم.
وبعدين عمل حاجة عمري ما هنساه.
مد إيده ببطء وحطها فوق إيدي.
وقال: —أنا عمري ما شكرتك.
دموعي نزلت وقتها رغمًا عني.
لأني لأول مرة حسيت إننا بقينا عيلة فعلًا.
لكن القدر كان مخبي لنا ضربة تانية.
قبل سفره بيومين… الحاجة وداد اختفت. ومعاها كل الفلوس اللي كنا محوشينها للعيال. ولما عرفنا راحت فين… حسن فقد أعصابه لأول مرة.
حسن خرج يدور عليها كالمجنون.
لف البلد كلها من أول السكة الزراعية لحد بيت أختها في القرية اللي جنبنا، لكن محدش كان راضي يقول مكانها. الناس كانت تبصله بشفقة وتسكت، كأن الكل عارف حاجة وإحنا آخر من يعلم. رجع قبل الفجر ووشه متغير. كان فيه انكسار جديد اتضاف فوق كل اللي الحرب عملته فيه. دخل البيت بهدوء، وأنا كنت قاعدة على الأرض أحاول أهدّي نور اللي نامت وهي بتعيط.
بصلي وقال: —أمي خدت الفلوس علشان تسدد ديون ابن خالتي.
ما استوعبتش. —كلها؟ هز راسه. —كل حاجة. حسيت الأرض بتميل تحت رجلي. الفلوس دي كانت أكل الشهور الجاية. كانت تمن علاج نور لو تعبت. كانت تمن الكتب اللي سلمى نفسها ترجع المدرسة علشانها. كانت الأمان الوحيد اللي عندنا.
لكن اللي ق*تلني فعلًا… إن حسن ما دافعش عنها.
ما قالش “دي أمي”. ما حاولش يبرر. بس قعد على الكرسي ودفن وشه بين إيديه كأنه أخيرًا تعب. الصبح، عمر دخل البيت شايل شوال بطاطس صغير.
حطه على الترابيزة وقال: —اشتغلت مع المعلم سيد الفجر كله.
بصله حسن بحزن. —إنت مش المفروض تشيل هم البيت. عمر رد بهدوء أكبر من سنه: —بس البيت بيقع لو محدش شاله. الولد ده كان بيكبر كل يوم عشر سنين. أما سلمى فباعت إسورة أمها القديمة من غير ما تقول لحد، وجابت بيها دقيق وزيت. ولما عرفت، زعقتلها: —ليه تعملي كده؟ دي الحاجة الوحيدة اللي فاضلالك من أمك!
قالت وهي بتحاول متعيطش: —وإيه فايدتها لو إحنا جعانين؟
البيت كله كان بيتحول لحاجة واحدة. مش ناس عايشين تحت سقف. ناس بتحارب علشان بعض. وفي وسط كل ده، حسن كان بيتفتت.
كنت أصحى أحيانًا ألاقيه واقف يبص للعيال وهم نايمين.
كأنه خايف يحفظ ملامحهم وينساهم. وفي ليلة قبل سفره بيوم واحد، سمعته بيتخانق مع نفسه برا. خرجت لقيته واقف في الضلمة ماسك ورقة السفر بإيد مرتعشة. قال من غير ما يبصلي: —لو روحت المرة دي… غالبًا مش هرجع.
قلبي اتقبض. —بلاش تقول كده.
ضحك بمرارة: —أنا عارف الحرب كويس.
سكت شوية، وبعدين بصلي لأول مرة بالشكل ده.
نظرة راجل شاف الم*وت كتير لدرجة بقى يخاف من الحياة أكتر. قال: —أنا كنت أناني لما اتجوزتك. ما رديتش.
كمّل: —جبتك هنا علشان عيالي… من غير ما أسألك إنتِ عايزة إيه.
بلعت ريقي بصعوبة. —وأنا وافقت علشان الجوع.
ابتسم بحزن. —بس الموضوع مبقاش كده.
الهواء نفسه وقف بينا.
وحسيت قلبي بيدق بعنف.
قال بهدوء: —أنا بقيت بخاف عليهم علشانك… مش علشاني.
دموعي نزلت من غير ما أحس. لكن قبل ما أي كلمة تخرج مني، سمعنا صوت خبطة قوية على الباب. فتحنا. ولقينا الحاجة وداد.
كانت حالتها صعبة بشكل مرعب.
عبايتها متبهدلة، وشها شاحب، وعينيها مليانة رعب حقيقي. أول ما شافت حسن وقعت على الأرض وهي بتصرخ: —الحقني يا ضنايا… هيق*تلوني! دخلناها بسرعة. طلعت إن ابن خالته اللي ادته الفلوس كان داخل في تجارة قذرة، والرجالة اللي شغال معاهم اكتشفوا إنه هرب بالفلوس وسابها في وشهم.
وكانوا فاكرين إن الباقي عند الحاجة وداد.
الست اللي طول عمرها قوية ولسانها طويل كانت بترتعش زي الأطفال. حسن فضل ساكت يسمع. وبعدين قال بهدوء مرعب: —الفلوس راحت فين؟ عيطت: —خدها كلها وهرب.
قعدت على الأرض أراقبهم وأنا حاسة إن الدنيا بتلف.
يعني إحنا اتسرقنا… واتبعنا… وفي الآخر الفلوس راحت لواحد هرب بيها؟ لكن المصيبة الأكبر كانت لسه جاية. بعد ساعة، سمعنا صوت خبط عنيف على الباب. العيال اتفزعوا فورًا.
نور استخبت في حضني.
أما حسن فقام بهدوء العسكري اللي عمره ما بينسى الخطر. فتح الباب بحذر. كان تلات رجالة. وشوشهم ما تعرفش الرحمة.
واحد منهم قال: —الحاجة وداد عندكم؟
حسن وقف قدام الباب كله. —عايزين منها إيه؟ الراجل بصله من فوق لتحت. —فلوسنا. الحاجة وداد بدأت تعيط هستيري من جوه: —قولهم مش عندي! لكنهم كانوا سامعين.
الراجل زق الباب برجله وقال: —إحنا مش هنمشي غير لما ناخد حقنا.
في اللحظة دي شفت حسن يتحول لشخص تاني. الهدوء اختفى. عينيه بقت جامدة بشكل يخوف. قال بصوت منخفض: —في عيال جوه البيت… امشوا دلوقتي.
لكن الراجل ضحك.
وده كان أغبى قرار أخده في حياته. في ثانية، حسن مسك إيده ولوى ذراعه بعنف لدرجة إن صوته طقطق. الباقيين هجموا عليه. والبيت اتقلب جحيم.
العيال بيصرخوا.
نور بتعيط. وأنا بحاول أبعدهم. لكن حسن… كان بيحارب كأنه رجع الحرب فعلًا. ضرباتهم كانت عنيفة، لكنه كان أشرس.
وفي الآخر، الجيران اتجمعوا والرجالة هربوا.
لكن حسن وقع على الأرض بعدها مباشرة.
