Advertisements
Advertisements
منوعات

حسن البدري حكـايات أسمـا

Advertisements

الدم كان نازل من جنبه.

صرخت وجريت عليه.

فتح عينه بالعافية وقال: —متخافيش… خدش بسيط. كداب. الجرح كان عميق.

قضينا الليلة كلها نحاول نوقف النزيف، والدكتور جه الفجر وخاط الجرح في البيت علشان حسن مطلوب يرجع المعسكر وما ينفعش حد يعرف اللي حصل.

بعد ما الكل نام، قعدت جنبه.

كان تعبان جدًا.

وشه شاحب.

لكن عينه ثابتة عليا.

همس: —لو كنت مت… كنتِ هتكملي؟

شهقت: —متقولش كده تاني. ابتسم ابتسامة ضعيفة. —جاوبي. بصيتله طويل. وقلت الحقيقة لأول مرة: —أيوه… كنت هكمّل. علشان دول بقوا عيالي… وإنت بقيت راجل البيت اللي قلبي متعلق بيه حتى لو عمري ما اعترفت.

عينيه لمعت.

ولأول مرة… حسن البدري ابتسم. ابتسامة حقيقية. صغيرة ومتعبة… لكنها حقيقية. مد إيده ومسح دموعي بإبهامه.

وفي اللحظة دي حسيت إن كل الجوع، والتعب، والخوف، والحرب… كانوا مجرد طريق للحظة دي.

لكن الصبح وصل أسرع من اللازم. العربية العسكرية جت تاخده. العيال كانوا متجمعين حوالينه. نور متعلقة في رقبته.

التوأم بيعيطوا.

سلمى بتحاول تبان قوية. أما عمر… فكان واقف ساكت. قبل ما حسن يركب، قرب عمر منه أخيرًا. ولأول مرة من سنين… حضنه.

حضنه جامد.

وقال بصوت مكسور: —ارجع المرة دي. حسن غمض عينه كأنه بيتشبث بالكلمة. ثم همس: —هحاول يا بطل. وركب العربية.

فضلنا واقفين نبص عليها لحد ما اختفت في آخر الطريق.

مرت الأيام بعدها تقيلة بشكل يوصفش. لكن الغريب إننا بقينا أقوى. الحاجة وداد اتغيرت. يمكن الخوف كسرها.

بقت تساعدني في البيت وتسكت كتير.

وفي مرة لقيتها بتبصلي وأنا بخبز وقالت: —أنا ظلمتك يا بنتي. بصيتلها مصدومة. دي أول مرة تعترف بحاجة. قالت وهي بتمسح دموعها: —إنتِ اللي ربيتي العيال… وإنتِ اللي حفظتي البيت.

ومن يومها بقت تناديني “يا بنتي” فعلًا.

أما حسن… فغاب شهور. لكن الخطابات رجعت. كل أسبوع جواب.

بخطه الخشن.

“مريم… حافظي على نفسك.” “مريم… سلمى لازم ترجع المدرسة.” “مريم… قولي لعمر إني فخور بيه.” وفي آخر كل جواب جملة واحدة: “وحشتيني.”

كنت أقرأها كل ليلة وأضم الورقة لصدري كأنها حضنه.

لحد يوم المغرب. سمعنا صوت عربية عسكرية قدام البيت. قلبي وقف. الجيران بدأوا يبصوا.

الحاجة وداد قعدت على الأرض تصرخ قبل حتى ما الباب يتفتح.

وأنا… كنت متجمدة. الضابط دخل شايل شنطة حسن العسكرية. وفي اللحظة دي حسيت الدنيا اسودت.

لكن قبل ما يتكلم…

اتفتح الباب وراه. وحسن دخل. عرجان أكتر من قبل. لكن حي.

نور صرخت وجريت عليه.

التوأم اتعلقوا فيه. حتى سلمى عيطت. أما عمر فوقف يبصله ثواني… وبعدها حضنه وهو بيضحك ويعيط في نفس الوقت. وأنا؟

أنا ما قدرتش أتحرك.

كنت واقفة أبصله كأني خايفة يكون حلم. حسن قرب مني ببطء. وقال قدام الكل: —المرة دي رجعت علشانكم… مش علشان الحرب.

وبعدين طلع من جيبه حاجة صغيرة.

خاتم بسيط من الفضة.

وقال بصوت مرتعش: —المرة الأولى اتجوزتك علشان العيال… ينفع نتجوز المرة دي علشاننا إحنا؟

انفجرت دموعي.

والعيال كلهم بقوا يضحكوا ويعيطوا حوالينا.

أما الحاجة وداد فكانت تبكي وهي تردد: —الحمد لله… الحمد لله إن البيت ده رجع بيت من تاني.

وفي اللحظة دي فهمت حاجة واحدة. إن العيلة مش دم وبس. العيلة… ناس اختاروا كل يوم يقفوا جنب بعض رغم الجوع والخوف والحرب والخذلان. وناس… لما الدنيا كلها تمشي منهم، يفضلوا هما ثابتين.

تمت

انت في الصفحة 4 من 4 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!