Advertisements
Advertisements
منوعات

صدفه طارئه حكـايـات أسمـا الفصل ×5 والاخير

Advertisements

الفصل الأخير

بعد الليلة دي… كل حاجة بدأت تتحرك أسرع من اللازم.

ريم حاولت ترجع لحياتها الطبيعية. شيفتات. مرضى. قهوة باردة. مواصلات. سهر. أختها الصغيرة “ملك” وهي بتذاكر على ترابيزة المطبخ المكسورة. شقتها الضيقة اللي السقف فيها بيشرخ كل شتوية. حاولت تقنع نفسها إن سليم الحديدي مجرد موقف غريب وهيعدي. لكن المشكلة… إن سليم ماعداش.

بقى يظهر في تفاصيل يومها بطريقة مستفزة.

موبايلها يرن برسالة: “أكلتي؟”

ترد بعصبية: “أنت عندك هوس تغذية.”

يرد بعدها بثواني: “وعندك هوس إهمال.”

تبعتله صورة قهوة الساعة ٣ الفجر. يرد: “ده مش أكل يا دكتورة.”

يبعتلها عربية توصلها بعد شيفت ٢٨ ساعة. تتخانق. يرد: “الخناق مقبول. وقوعك في الشارع مرفوض.”

وكان دايمًا… هادئ. حتى لما يتضايق. حتى لما يقلق. حتى لما يغار، وده بدأت تلاحظه رغم إنه عمره ما اعترف. وفي المقابل، ريم بقت تكتشف حاجات عن سليم محدش يشوفها. اكتشفت إنه بينام قليل جدًا. إنه يشرب قهوته سادة مرة بشكل مرعب. إنه يفضل يبص من الشباك لما يبقى مضغوط. إنه عنده عادة غريبة: كل ما يتعصب، يظبط ساعة إيده. وإنه رغم كل فلوسه… وحيد بشكل يوجع.

وفي نص كل ده… الحاجة بينهم كبرت.

ببطء. بخطر. وبطريقة محدش فيهم عرف يوقفها. بعد أسبوعين، ريم كانت خارجة من شيفت مرهق جدًا لما لقت مصطفى مستنيها قدام المستشفى. أول ما شافته تنهدت: — لا. مصطفى ابتسم: — مساء الخير يا دكتورة.

— قول لسليم بيه لا.

— ماقولتش حاجة. — وجودك نفسه حاجة. ضحك. — والله أنا مجرد سواق غلبان. ريم قربت للعربية وبصت من الإزاز الخلفي. — وهو جوا صح؟

الإزاز نزل ببطء.

وسليم ظهر، لابس بدلة سودا وعينيه مرهقة. — اركبي. ريم حطت إيديها في وسطها. — لا. — رجلِك لسه واجعاكي. — خفيت.

— كدابة.

— بطل تقولها. — بطلي تعمليها. فضلوا باصين لبعض ثواني. مصطفى قال بهمس: — أنا هروح أجيب قهوة وأسيبكم تتخانقوا براحتكم.

ومشي فعلًا.

ريم بصتله بصدمة: — هو سابنا؟ سليم فتح الباب. — اركبي قبل ما الدنيا تمطر. ريم كانت هترفض… لكن أول نقطة مطر نزلت على وشها. بصت للسما. وبعدين له. — أنا بكرهك.

قال بهدوء: — لا.

ركبت وهي بتتمتم: — متكبر ومستفز ومتحكم. — وكمان عندي عربية دافية. غمغمت: — للأسف. أول ما قعدت، حسّت قد إيه هي مرهقة. لدرجة إنها سندت راسها غصب عنها.

سليم لاحظ فورًا. — يوم سيئ؟

ضحكت بتعب. — طفل مات النهارده. الصمت ضرب العربية كلها. سليم ماقالش “البقاء لله”. ماقالش “ده قضاء ربنا”. ماحاولش يصلح الوجع بكلام محفوظ. بس قال بهدوء: — احكيلي.

وده كان أسوأ شيء ممكن يقوله.

لأن ريم فجأة حست إنها فعلًا عايزة تحكي. قالت بصوت مبحوح: — كان عنده سبع سنين… وأمه كانت ماسكة فيا كأن إيدي هترجعه… وأنا كنت عارفة إنه بيروح. عينيها دمعت رغمًا عنها. — أكتر حاجة بكرهها في الشغل… اللحظة اللي تبقى عارف إنك هتخسر… ولسه لازم تبص في عين أهله.

سليم فضل ساكت.

وبعدين مد إيده بهدوء… ومسح دمعة نزلت على خدها بإبهامه.

ريم اتجمدت.

اللمسة كانت خفيفة جدًا… لكن قلبها اتقلب بالكامل.

سليم نفسه كأنه اتفاجئ إنه عملها.

إيده فضلت مكانها ثانية زيادة عن اللازم.

وعينيهم اتثبتوا في بعض. ريم همست: — سليم… وفي اللحظة دي… موبايله رن.

الاسم على الشاشة: “فريدة.”

اللحظة اتكسرت. سليم سحب إيده ببطء ورد ببرود: — نعم. صوت فريدة كان متوتر لأول مرة: — تعالى حالًا. بابا وقع. المستشفى اتقلبت فوضى.

جلال الحديدي دخل العناية المركزة بعد أزمة قلبية حادة. الصحافة بدأت تتجمع. الإدارة كلها اتقلبت. وفريدة كانت ماشية في الممرات كأنها قنبلة موقوتة.

ريم دخلت مع الفريق الطبي بحكم وجودها في القسم، لكنها أول ما شافت سليم واقف لوحده قدام الإزاز… قلبها وجعها. كان ثابت كالعادة. لكنها بقت تعرفه كفاية علشان تشوف الشرخ. قربت منه بهدوء. — سليم. رفع عينه لها.

ولأول مرة… شكله كان تعبان فعلًا.

قال بصوت واطي: — عنده فشل حاد في عضلة القلب. — هيتعاملوا معاه. ضحك بمرارة. — أول مرة أحس إن الفلوس فعلًا بلا قيمة. ريم وقفت جنبه بدون كلام.

بعد دقائق، فريدة خرجت من غرفة الأطباء بعصبية. أول ما شافت ريم جنب سليم، وشها اتشد.

— إنتِ هنا ليه؟ ريم ردت بهدوء: — شغلي. فريدة ضحكت بسخرية. — واضح إن شغلك بقى واسع. سليم قال بحدة: — فريدة.

لكنها كانت منهارة. — لا يا سليم! كفاية! الشركة بتقع، بابا بيموت، وأنت واقف ماسك في دكتورة امتياز؟

الصمت وقع. ريم حسّت بالإهانة تضربها مباشرة. فريدة قربت أكتر. — أنت فاكر دي بتحبك؟ دي أكيد شايفة فرصة عمرها. الصفعة نزلت على وش ريم بدون لمس.

وسليم اتحول في ثانية.

عينه بقت مرعبة. — اخرجي برة يا فريدة. — الحقيقة وجعتك؟ — قلت اخرجي. — لأ! دي لازم تعرف هي داخلة على إيه. إحنا عيلة بندمر أي حد يقرب. وأنت أولنا.

ريم اتكلمت أخيرًا، بصوت ثابت رغم الوجع: — عندها حق.

سليم بص لها بسرعة. — ريم— — عندها حق يا سليم. عينيها كانت مليانة تعب. مش غضب. وده كان أسوأ. قالت بهدوء: — أنا فعلًا مش من عالمكم. ولا عايزة أبقى.

سليم قرب خطوة. — ده مالوش علاقة—

— له علاقة بكل حاجة.

فريدة سكتت أخيرًا وهي شايفة إن كلامها أصاب الهدف. ريم كملت وهي باصة لسليم: — أنا حياتي كلها بحاول أعيشها بشرف وتعب. ماقدرش أدخل حرب عائلية ولا أبقى نقطة ضعف لحد. — أنتِ مش نقطة ضعف.

ضحكت بحزن. — أنا بقيت بالفعل.

الجملة خبطته بعنف.

لأنها كانت صح.

أول مرة في حياته… يبقى خايف على حد بالشكل ده.

وخوفه عليهم كان دايمًا يتحول لسلاح ضدهم.

ريم رجعت خطوة. — خلي بالك من والدك.

ومشيت. وسليم ماوقفهاش. لأنه لأول مرة… ماعرفش يقول إيه. بعد يومين، جلال فاق.

وكان أول طلب طلبه: — هاتولي ريم.

فريدة اعترضت فورًا: — بابا— — قلت هاتوها. ريم دخلت الغرفة بتوتر. جلال كان أضعف بكتير. الأجهزة حواليه أكتر. لكن عينيه لسه حادة. بص لها طويلًا. — زعلانة من ابني؟

ريم اتفاجئت. — دي حاجة تخصنا.

— يبقى فيه “إحنا”. سكتت. جلال ضحك بخفوت، بعدها كح بتعب. — سليم طول عمره صعب. بس مش وحش. ريم قالت بهدوء: — أنا ماقولتش إنه وحش.

— بس هتبعدي.

بصتله. — أيوه. جلال غمض عينيه لحظة. — عاقلة. الجملة وجعتها بشكل غريب. فتح عينه تاني. — بس للأسف… ابني لما يحب حاجة مايسيبهاش.

قلبها دق بعنف. — هو ماحبش حاجة.

جلال ابتسم ابتسامة متعبة. — أنتِ فعلًا ماتعرفيهوش. الصمت طال. ثم قال فجأة: — عندي عرض ليكي. ريم اتشدت. — لا.

ضحك رغم تعبه. — حتى قبل ما تسمعيه؟

— أي حاجة من نوع “فلوس مقابل تبعدي” مرفوضة. جلال بص لها بإعجاب واضح. — حلوة. — يا فندم— — العرض شغل.

اتلخبطت. — نعم؟

— منحة كاملة. زمالة برة مصر بعد الامتياز. عندي علاقات تفتحلك أي باب. ريم اتجمدت. لأن ده… حلم عمرها. قال بهدوء: — مش علشان تبعدي عن سليم. علشان تستحقيها.

عينيها دمعت بدون إرادة.

سنين تعب. شيفتات. قلة نوم. حياة مؤجلة. وفجأة حلمها بيتحط قدامها. لكن… همست: — وليه؟

جلال بص للشباك. — يمكن علشان أول مرة أشوف حد بص لابني كإنه بني آدم… مش صفقة.

ريم سكتت. ثم قالت: — محتاجة أفكر. — فكري بسرعة. العمر مش طويل. في نفس الليلة، سليم عرف بالعرض.

دخل أوضة أبوه بعاصفة هادية مرعبة. — ليه؟

جلال كان بيشرب دواه. — علشان تستحق. — ولا علشان تبعدها؟ — لو عايز الحقيقة؟ الاتنين. سليم ضحك ببرود. — على الأقل صريح.

جلال بصله. — أنت هتسحبها لنارك يا سليم.

— وأنا ممكن أحميها. — زي ما حميت أمك؟ الجملة نزلت كالرصاص. سليم اتجمد.

ذكريات قديمة سوداء ضربته دفعة واحدة. أمه. بكاؤها. وحدتها. موته البطيء وهي وسط عيلة تقت-ل بالبرود.

جلال قال بصوت أخفض: — الحب عندنا دايمًا بيدفع تمن.

سليم خرج بدون كلمة.

ولأول مرة من سنين… راح لمكان أمه. المقابر كانت هادية بشكل مؤلم. وقف قدام شاهد قبرها طويلًا. وبعدين قال بصوت مبحوح: — أنا بقيت شبهه؟

السؤال اختفى في الهوا.

لكن الإجابة كانت جواه من زمان.

الخوف.

كان خايف يحب حد… فيؤذيه بنفس الطريقة.

بعد أسبوع، ريم أخدت قرارها.

رفضت المنحة.

لأنها عرفت إنها لو سافرت دلوقتي… هتبقى بتهرب. وهي تعبت من الهروب. لكنها كمان قررت تبعد عن سليم. قطعت الردود. رفضت العربيات. تجنبت جناح جلال. اشتغلت زيادة كأنها بتحاول تدفن نفسها في المستشفى.

وسليم سابها.

ظاهريًا. لكن الحقيقة إنه كان بيعد الأيام. لحد الليلة اللي كل حاجة انفجرت فيها. المطر كان عنيف. والقاهرة غرقانة.

ريم خرجت من شيفت متأخر جدًا، ورفضت توصيلة من أي حد. كانت ماشية تحت المطر وهي مرهقة ومخنوقة، لحد ما سمعت صوت فرامل قوية.

عربية سودا وقفت قدامها بعنف. الباب اتفتح. وسليم نزل. مبلول. غاضب. وعينيه أخطر من أي وقت.

ريم اتوترت: — إنت بتعمل إيه؟

قرب منها. — بتختفي ليه؟ — علشان ده الصح. — مين قرر؟ — أنا.

— كدابة.

— بطل تقولها! — لما تبطلي تهربي! المطر كان بينزل بعنف حوالينهم. الشارع شبه فاضي. والتوتر بينهم بيخنق النفس. ريم قالت بعصبية ودموع: — أنت فاكر الموضوع سهل؟ فاكر إني أقدر أدخل حياتك عادي؟ كل مرة أبص حواليك بحس إني دخيلة!

— أنتِ الوحيدة اللي حسستني إن المكان ده قابل للتنفس أصلًا.

اتصدمت. سليم قرب أكتر. — من يوم ما ركبتي عربيتي بالغلط… وأنا مش عارف أرجع زي الأول. قلبها كان بيدق بعنف مؤلم. قال بصوت منخفض: — أنا بحاول أبعد. بحاول أكون عاقل. كل الناس بتقول إنك هتتأذي بسببي… ويمكن عندهم حق.

رفع إيده ولمس خدها المبلول بالمطر. — بس كل مرة أبعد… بحس إني بخسر حاجة مش هتعوض.

دموعها نزلت. — سليم… — أنا بحبك يا ريم. العالم كله وقف.

صوت المطر بعد. العربيات اختفت. حتى نفسها بقى بعيد.

قالها ببساطة مرعبة. بدون ألعاب. بدون هروب. “أنا بحبك.” ريم ضحكت وسط دموعها. — أنت حتى لما تعترف… تعترف بطريقة تخوف. ابتسم لأول مرة من قلبه بالكامل. — دي أحسن نسخة عندي.

هزت راسها وهي بتبكي وتضحك: — أنت كارثة.

— وأنتِ عربيتي الغلط. ضحكت رغم نفسها. وفي اللحظة اللي قرب فيها… ريم همست: — أنا خايفة. سليم سند جبينه على جبينها. — وأنا كمان.

— طب وبعدين؟

— نبقى خايفين سوا. الكلمة كسرتها بالكامل. فمسكت جاكيته بيديها… وقبلته. قبلة دافية. مرتعشة. طالعة من تعب شهور وخوف واشتياق حاولوا يدفنوه.

وسليم رد عليها كأنه كان مستني اللحظة دي من أول ما فتح باب عربيته تلك الليلة.

المطر كان بينزل حوالينهم بعنف… لكن لأول مرة، ولا واحد فيهم كان حاسس بالبرد. بعد ست شهور… مستشفى السلام الدولي كانت واقفة على رجلها من الزحمة كالمعتاد.

ريم خرجت من العمليات وهي بتعدل البالطو الأبيض الجديد المكتوب عليه: “Dr. Reem Abdelsalam — Resident”

مها جريت عليها. — يا بنتي جوزك برة.

ريم اتخنقت: — مها!

— ما هو جوز مستقبلًا يعني.

ريم احمر وشها. — اخرسي.

لكنها ابتسمت غصب عنها.

خرجت برة… فلقت سليم مستنيها بنفس النظرة اللي لسه بتلخبطها. لكن في فرق. بقى أخف. أهدى. أقل وحدة. قرب منها ومد لها قهوة. — أكلتي؟

ضحكت بصوت عالي. — مستحيل تبطل السؤال ده؟

— لا. أخدت القهوة. — باباك عامل إيه؟ — بيزعق للممرضين، فده معناه إنه أحسن. ابتسمت.

العلاقة بينهم ماكانتوش سهلة. ولا عيلة الحديدي اتحولت فجأة لملاك. ولا الدنيا بقت وردي.

لكن سليم وقف قدام الكل. واختارها. مش كتمرد. ولا نزوة. ولا هروب. اختارها لأنه لأول مرة في حياته… لقى حد يشوفه بعيد عن اسم “الحديدي”.

وريم اختارته… رغم الخوف.

لأنها اكتشفت إن بعض الناس، مهما كانوا معقدين ومتعبين… يستحقوا المحاولة. سليم بص لها فجأة وقال: — على فكرة. — نعم؟ — لسه عندي فضول أعرف إيه كان هيحصل لو صحيتِ بدري وإنتِ في العربية أول مرة.

ريم ابتسمت بخبث. — غالبًا كنت هصرخ وأنزل أجري.

— مؤذي. — واقعي. قرب منها وهمس: — وأنا غالبًا كنت هدوّر عليكِ برضه. قلبها دق بنفس الطريقة القديمة.

فقالت وهي تبتسم: — الحمد لله إني نمت إذن.

سليم ضحك. ومشوا سوا وسط دوشة المستشفى… وسط الحياة المتعبة اللي عمرها ما بتهدى. لكن المرة دي، ولا واحد فيهم كان شايلها لوحده. تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!