
أما عمر فكان واقف جامد مكانه، كتافه مشدودة وعينه ثابتة في أبوه كأنه بيحاول يقرر إذا كان يكرهه ولا يعيط.
حسن قرب خطوة.
التوأم اتفزعوا فورًا وجريوا ناحية الأوضة وقفلوها من جوه. وقتها وش حسن اتكسر فعلًا. بصلي وقال: —إيه اللي حصل هنا؟
ما عرفتش أرد.
مش علشان خايفة… لكن علشان الإجابة كانت أكبر من الكلام.
الحاجة وداد دخلت في اللحظة دي وهي بتصرخ: —يا ضنايااا! حسن!
جريت عليه تبوس راسه وكتفه وتعيط بصوت عالي لدرجة إن الجيران بدأوا يطلوا من الشبابيك.
لكن حسن ما كانش مركز معاها.
كان مركز مع عيالـه اللي واقفين بعيد.
قال بهدوء: —تعالوا. ولا واحد اتحرك. سكت شوية، وبعدها عمر قال أخيرًا: —إنت اتأخرت. الجملة نزلت على البيت كله زي حجر.
حتى المطر برا سكت لحظة.
حسن فتح بقه كأنه عايز يقول حاجة، لكن ما عرفش. أما عمر فكمّل وهو بيبصله بعين حمرا: —أمي ماتت وهي مستنياك… وآدم سخن يومين كاملين وما كانش معانا تمن دكتور… ونور كانت بتنام من غير عشا… وإحنا كنا بنستخبى لما صاحب الدَين يخبط على الباب… إنت ما كنتش هنا. الحاجة وداد صرخت: —عيب يا ولد! ده أبوك! لكن عمر لف لها بسرعة: —هو كان فين لما كنا بنعيط؟!
الولد كان بيطلع وجع سنين دفعة واحدة.
حسن نزل بعينه للأرض. ولأول مرة شوفته ضعيف بالشكل ده. قال بصوت مكسور: —كنت بحارب علشانكم. ضحك عمر ضحكة مرة: —وإحنا كنا بنحارب برضه… بس من غير س*لاح.
وساب المكان وطلع السطح تحت المطر.
فضل البيت ساكت بعدها بشكل موجع. الحاجة وداد كانت بتبصلي وكأن كل اللي حصل ذنبي أنا. أما حسن فكان واقف وسط البيت الغريب اللي سابه منهار ورجع لقاه عايش من غيره. بعد شوية قلت بهدوء: —اقعد… هحطلك أكل.
رفع عينه ناحيتي لأول مرة بتركيز.
يمكن لأول مرة يشوفني فعلًا مش مجرد ست مأجرة ترعى عياله. كنت مرهقة، هدومي عليها دقيق، إيدي محروقة من الفرن، وتحت عيني هالات سودا من السهر. لكن البيت كان واقف. والعيال شبعانة.
قعد على الكرسي ببطء وأنا حطيتله طبق عدس وعيش سخن.
فضل يبص للأكل كأنه مش مصدق. ثم قال: —من زمان ما شمتش ريحة أكل كده. ما رديتش. الحاجة وداد اتكلمت بسرعة: —ما هي صرفت فلوسك كلها يا حسن… ده حتى باعت دهبها.
بصلي باستغراب: —بعتي دهبك؟
ضحكت ضحكة صغيرة: —كان حلق نحاس يا حاج… مش كنز. سكت. وبدأ ياكل. كان جعان بشكل يخوف.
ياكل بسرعة جندي راجع من المجاعة مش من الحرب.
وفجأة آدم خرج من الأوضة بحذر. وقف يبص لأبوه شوية، وبعدها قال بصوت صغير: —إنت هتمشي تاني؟ إيد حسن وقفت في نص اللقمة.
بص للولد كأنه اتضرب.
وقال بسرعة: —لا. لكن الطفل رد فورًا: —أنت قلت كده قبل كده. الصمت اللي بعد الجملة دي كان أقسى من أي صوت.
في الليلة دي، محدش نام مرتاح.
العيال كانوا متوترين.
وحسن فضل صاحي لحد الفجر قاعد في الصالة يبص للسقف.
وأنا كنت بصحي كل شوية على صوت كوابيسه.
كان بيصرخ بأسامي ناس معرفهاش.
مرة صحيت لقيته قاعد على الأرض بيتنفس بعنف وعرقه مغرق هدومه.
قلت بخضة: —مالك؟ بصلي بعين تايهة وكأنه رجع من مكان بعيد جدًا. وبعدين همس: —الحرب ما بتخلصش لما الجندي يرجع. الجملة فضلت ترن في وداني أيام.
بدأت ألاحظ حاجات صغيرة.
حسن ما كانش يقدر يسمع صوت الباب لما يخبط فجأة. كان يتوتر من أي صوت عالي. ينام وسكينة تحت المخدة. ويقعد بالساعات ساكت يبص للفراغ.
لكن الأصعب… إنه ما كانش عارف يرجع أب.
العيال اتعودوا يعيشوا من غيره. سلمى بقت مسؤولة أكتر من سنها. عمر بقى راجل البيت. أما أنا… فبقيت الحضن اللي بيستخبوا فيه لما يخافوا.
وده كان بيوجعه حتى لو ما قالش.
في يوم الصبح، لقيته واقف في المطبخ يراقبني وأنا بعجن. قال فجأة: —ليه عملتي كل ده؟ رفعت عيني: —إيه؟ أشار حوالين البيت. —دول مش عيالك.
ابتسمت بتعب: —الجوع ملوش أهل يا حسن.
سكت شوية. وبعدين قال: —أنا كنت فاكر إني لما أرجع هلاقي البيت زي ما هو. ضحكت بخفة: —البيوت اللي أصحابها بيسبوها ياكلها التراب. كان في كلام كتير بينا بيتقال من غير صوت.
لكن الحاجة وداد ما كانتش عاجبها الوضع.
بدأت تهمس للناس إني “لفيت” حسن حوالين صباعي. وإن الست اللي تدخل بيت جاهز ما تصبرش عليه. وفي ليلة، دخلت عليا المطبخ وقالت: —خدي بالك يا مريم… ابني مش ناقصه واحدة تتعلق برقابته. بصيتلها وأنا بقلب العيش على الصاج: —لو كنت عايزة أتعلق برقبة حد… كنت اخترت واحد موجود مش غايب.
وشها قلب.
ومن يومها الحرب بينا بدأت. كانت تحاول تقلب العيال عليا. تقول لنور: —دي مش أمك الحقيقية. فترد نور بعفوية: —بس هي اللي بتمشطلي شعري.
تحاول تشحن عمر: —أبوك رجع… خلاص الست دي مالهاش لازمة.
لكن عمر كان يرد ببرود: —إحنا مش عفش علشان نغير اللي شايلنا. الكلمة دي خلتني أدخل أوضتي أعيط يومها. لأن لأول مرة حسيت إن الولد قبلني فعلًا. لكن حسن كان بعيد.
مش بجسمه… بروحه.
يقعد بالساعات برا البيت، أو فوق السطح لوحده. وفي مرة صحيت بالليل ملقتهوش. خرجت أدور عليه. لقيته قاعد جنب الترعة.
بيبكي.
راجل بالحجم ده… بيبكي زي طفل. ما حسش بيا غير لما قربت. مسح وشه بسرعة وقال: —ما ينفعش تشوفيني كده.
قعدت جنبه بهدوء.
بعد وقت طويل قال: —أنا شفت ناس بتم*وت كل يوم… بس أكتر حاجة كسرتني إني كنت بعيد لما مراتي ماتت. كان أول مرة يجيب سيرة زوجته. كمّل بصوت مبحوح: —كانت بتبعتلي جواب كل أسبوع… آخر جواب وصلني منها قالتلي إنها تعبانة شوية… ولما أخدت الإذن ورجعت… كانت مدفونة.
سكت.
والليل كان بارد حوالينا.
قال بعدها: —عمر بيكرهني علشان ده.
هززت راسي: —لا… عمر موجوع منك.
بصلي باستغراب.
قلت: —في فرق. الكره بيخلي الإنسان يبعد… إنما الوجع بيخليه مستني.
فضل ساكت وقت طويل. وبعدين سأل: —وإنتِ؟ مستنية إيه؟ السؤال ضربني فجأة. لأني فعلًا ما كنتش أعرف.
أنا دخلت البيت ده علشان لقمة العيش.
لكن في يوم ما بين عجن العيش، وتغسيل هدوم العيال، والسهر جنب نور لما تسخن، بقيت أخاف عليهم كأنهم لحمي. ويمكن… يمكن بقيت أخاف على حسن نفسه. الأيام بعد كده بدأت تهدى شوية. حسن حاول يقرب من العيال.
يعلم التوأم يعملوا طيارات من الورق.
يجيب لنور عروسة قماش من السوق. يساعد سلمى في إصلاح السقف. لكن مع عمر كانت الأمور أصعب. كان في حاجز كبير بينهم.
لحد يوم السوق.
كنت راجعة شايلة أكياس تقيلة، وفجأة اتنين شباب سكرانين وقفوا طريقي. واحد منهم قال: —أهو حسن ساب بيته ومراته للغريب. والتاني ضحك: —واضح إنها لقت راجل يصرف عليها. اتجمدت مكاني.
قبل ما ألحق أتكلم، ظهر عمر فجأة.
ضرب واحد فيهم بالحجر على وشه. والتاني مسكه من هدومه وهو بيصرخ: —لو جبتوا سيرتها تاني هق*تلكوا! الناس جريت تفصل بينهم. وأنا سحبت عمر بالعافية.
كان بيتنفس بعنف وعينه مليانة نار.
قلت بخضة: —إنت اتجننت؟! صرخ فيا: —مش هخلي حد يغلط فيكي! وساعتها… لأول مرة… حضنته. الولد اتجمد في حضني ثواني.
وبعدين انفجر عياط.
عياط سنين كاملة. رجعنا البيت متأخر. وحسن لما شاف وش عمر المتبهدل فهم إن في حاجة حصلت. ولما عرف التفاصيل، فضل ساكت شوية.
ثم قرب من عمر وقال: —كنت راجل النهارده.
عمر رد بعصبية: —أنا راجل من زمان… غصب عني. الكلمة وجعت حسن أكتر من أي حاجة. لكن بعدها بأيام حصل اللي قلب كل شيء. الحكومة بعتت جواب.
حسن لازم يرجع الجبهة تاني.
أنا اللي قريت الجواب. وإيدي كانت بتترعش. أما حسن فكان وشه جامد بشكل مخيف. نور بدأت تعيط أول ما فهمت.
التوأم اتشبثوا فيه.
حتى سلمى وشها اصفر. أما عمر فطلع برا البيت من غير كلمة. في الليلة دي، حسن قعد معايا لوحدنا لأول مرة. قال: —لو مرجعتش…
قاطعته بعصبية: —متقولش كده.

