Advertisements
Advertisements
منوعات

حسن البدري حكـايات أسمـا

Advertisements

=انا مش عايز زوجة… أنا عايز حد ما يسيبش عيالي يم*وتوا من الجوع.

دي كانت أول جملة قالها “حسن البدري”، الجندي الأرمل صاحب الملامح القاسية، لما وقف قدامي في ساحة قرية “ميت الخولي” ومعاه سبعة أطفال واقفين وراه، بينما أمر رجوعه للجبهة متني جوه جيبه العسكري.

اسمي “مريم عبد التواب”، كان عندي تلاتة وعشرين سنة، وفستانين قدام بس، ودَين عند بقال القرية “عم جابر” بقيت أتهرب حتى أبصله بسببه. أمي ماتت بالحمى، وأبويا سافر يشتغل في إسكندرية ووعدني يرجع قبل العيد. ما رجعش أبدًا. كنت بغسل هدوم الناس على الترعة، وأطحن الغلة مقابل شوية جنيهات، وفي أيام كتير كنت أشرب شاي من غير سكر علشان أضحك على إحساس الجوع.

علشان كده… لما حسن طلب يتجوزني، ما فكرتش في الحب.

فكرت في رغيف العيش.

أطفاله كانوا عاملين زي الأشباح. الكبير، “عمر”، عنده تلتاشر سنة، كان بيبصلي كأني جاية أسرق آخر حاجة فاضلة له من أمه. “سلمى” كانت شايلة التوأم “آدم” و”ياسين” كأنها أمهم مش أختهم. أما “محمود” و”فريدة” و”نور”، فكانوا ماشيين حفاة، هدومهم لازقة في جسمهم، وعيونهم أكبر من سنهم بكتير.

قلت له: —إنت عايز زوجة ولا خدامة؟

ما اتضايقش.

رد بهدوء: —عايزهم ياكلوا لحد ما أرجع… لو رجعت.

اتجوزنا بعد تلات أيام. من غير فرح. من غير زفة. من غير حتى دهب. نص البلد كانت واقفة قدام الجامع تهمس: —الجعانة لقت بيت تأكّل فيه.

—بيت إيه؟ ده شغلانة… الراجل اشتراها علشان عياله.

ويمكن كانوا عندهم حق. لما دخلت بيت البدري، فهمت إن المكان ده مش بيت أصلًا. كان بيت مستسلم. أطباق عليها بقايا فول ناشف، مراتب من غير أغطية، هدوم متكومة، وريحتها كتمة وفقر وسكوت موجع أكتر من الصريخ.

“نور”، أصغرهم، استخبت ورا الكرسي أول ما شافتني.

وقالت بصوت ضعيف: —إنتِ كمان هتمشي؟ بلعت الغصة اللي في زوري. وقلت: —مش النهارده. في الليلة دي، حسن حط شوية فلوس فوق الترابيزة.

—المبلغ ده يكفي شهرين.

“عمر” ضحك ضحكة مرة: —واضح إنك ما تعرفش إحنا بناكل قد إيه. حسن حاول يحضنه قبل ما يمشي، لكن الولد بعد عنه. وقال بعين مليانة وجع: —أمي ماتت وهي مستنياك… إحنا مبقيناش نستنى حد. حسن خرج من غير ما يرد.

شوفته وهو ماشي في طريق التراب، الشنطة العسكرية على ضهره، والذنب ماشي جنبه كأنه ظله.

وأنا… بقيت لوحدي مع سبعة أطفال بيكرهوني. أول يوم خبّوا عني الملح. تاني يوم “ياسين” كبّ حلة العيش. تالت يوم عمر وقف قدامي وقال: —إنتِ مش أمي… ما تتخيليش نفسك مهمة.

بصيت له وقلت: —وأنا ما جيتش أبقى أمك… أنا جيت علشان محدش فيكم ينام جعان.

بعت حلق النحاس الوحيد اللي كنت بملكه علشان أشتري دقيق.

رقعت هدوم لحد ما صوابعي جرحتني. عملت شوربة من عضم فراخ، وغسلت، وكنست، وطردت أصحاب الديون، واستحملت “الحاجة وداد” أم حسن… اللي كانت داخلة علينا كل يوم بعباية سودا ولسان يقطع الحجر. كانت تقول: —ابني ساب بيته في إيد واحدة معدومة.

وأنا واقفة على الفرن أعمل عيش، رديت: —يبقى ادعي إن المعدومة دي تعرف تطبخ.

“سلمى” ضحكت وقتها ضحكة صغيرة مستخبية.

كانت أول ضحكة أسمعها في البيت ده.

لكن الشهور عدت.

والخطابات بطلت تيجي.

والبلد بدأت تقول إن حسن مات.

وفي يوم، الحاجة وداد جابتلي عباية سودا وقالت: —البسيها… على الأقل اعملي نفسك بتحترمي الراجل اللي إدالك سقف. الليلة دي فضلت أعيط في المطبخ… لأني ما كنتش عارفة هأكّل العيال إيه بكرة. “عمر” شافني. ما قالش كلمة.

لكن الصبح رجع شايل حزمة حطب كبيرة على ضهره.

ومن يومها… الأطفال بدأوا يقربوا مني. سلمى بقت تعجن معايا. التوأم يلموا البيض. محمود يهتم بنور.

وعمر… بطل يناديني “بالست دي”.

لحد ليلة مطر شديدة. الكلاب فضلت تنبح بطريقة غريبة… كأنها عرفت شخص راجع من الم*وت. فتحت الباب. ولقيته واقف تحت المطر.

عرجان. هدومه العسكرية مقطعة. وشه غرقان تعب. وعينه فيها حاجة مكسورة.

حسن البدري رجع من الحرب. لكن أول ما دخل البيت… لاحظ حاجة خلت وشه يتغير بالكامل. الأطفال كلهم خافوا. مش فرحوا.

خافوا.

نور استخبت ورا ضهري فورًا. والتوأم جريوا على أوضتهم. حتى عمر، اللي كان طول عمره بيتمنى رجوع أبوه… رجع خطوتين لورا كأنه شايف غريب. حسن بص حواليه بصدمة ووو

لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد

  حسن بص حواليه بصدمة كأنه دخل بيت غلط. عينه راحت على الفرن اللي مولع والريحة الدافية اللي مالية المكان، وعلى البطاطين النظيفة المتطبقة فوق الكنبة، وعلى الصحون اللي مترتبة جنب الحوض بدل ما تكون مرمية زي زمان. حتى الحيطان اللي كانت سودا من الدخان كنت أنا وسلـمى غسلناها بالجير قبل أسبوعين علشان نور كانت بتكح طول الليل. لكن أكتر حاجة صدمته… كانت عيالـه. واقفـين بعيد عنه.

خايفين.

مش بيجروا عليه. مش بيحضنوه. مش حتى بيقولوا “حمد لله على السلامة”. بس عيون مترقبة فيها خوف قديم.

حسن بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت مبحوح: —مالكوا؟

نور شدت طرف جلابيتي أكتر واستخبت ورايا بالكامل.

السابقانت في الصفحة 1 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!