Advertisements
Advertisements
منوعات

حكايات روماني ×4

Advertisements

الدكتور مدحت سابني وجري لداخل الأوضة، والممرضين قفلوا الباب وراهم بسرعة. من ورا الإزاز الشفاف، كنت شايف الحركة سريعة، دكتور بيجهز جهاز الصدمات، وممرضة بتجري بأكياس دم ومحاليل، والدكتور مدحت واقِف فوق راس مريم، والدموع اللي في عينيه مخلّياه مش قادر يثبت إيده وهو بيحاول يركب لها أنبوبة التنفس. وقعت على ركبي في طرقة المستشفى.. هدومي المبلولة بمية البحر كانت بتنزل على الأرض، بس أنا مكنتش حاسس بالبرد، كنت حاسس بنــ,,ـــــار بتاكل في صدـ,,ـــري.

لأول مرة في حياتي أصلي من كل قلبي.. كنت ببكي وبخبط راسي في الحيطة وبقول: *يا رب.. أنا مش معترض على حكمك، بس بلاش تعاقبها هي بغبائي.. بلاش تحرمني من الملاك اللي يدوب بدأت أشوف النور على إيدها.. ابني يا رب اللي لسه مشفش الدنيا، متخليهوش يمــ,,ـــــوت قبل ما ييجي ويشيل اسم أمه.* تامر قعد جنبي على الأرض، حط إيده على كتفي وهو بينتــ,,ـــــحب بصوت واطي: “أحمد.. مريم قوية.. مريم استحملت الوجع والظلــ,,ـــــم والمرض اللي طلع وهم، مش هتمــ,,ـــــوت دلوقتي.. ادعيلها.”

فاتت نص ساعة كأنها نص قرن. الصفارة السريعة المرعبة بتاعة جهاز ضــ,,ـــــربات القلب بدأت تهدى تدريجيًا، وتتحول لنبضات منتظمة.. “بيب… بيب… بيب”. الباب اتفتح، وخرج الدكتور مدحت. كان ساند ضهره على الحيطة وبيتنفّس بصعوبة، وشه كان عرقان ولونه خاطف. جريت عليه ومسكت إيده: “طمني يا دكتور.. طمني بالله عليك!” الدكتور مدحت مسح وشه وبصلي بعيون حمرا وقال بنبرة هادية بس فيها حذر:

“الحمد لله.. لحقناها.. النبض استقر والمؤشرات الحيوية بدأت ترجع لطبيعتها. مريم دخلت في حاجة اسمها ‘صدمة عصبية حادة’ أدت لهبوط مفاجئ في الدورة الدموية.. جسمها رفض يستحمل الوجع أكتر من كده ففصل.. والحمد لله، الجنين لسه ثابت، بس الوضع حرج جداً يا أحمد.. مريم مش هتعيش ولا هتقوم على رجليها غير لو حست إن عندها سبب تعيش علشانه.” هزيت راسي وعيني بتلمع بالدموع: “أنا السبب.. أنا السبب في كل اللي هي فيه.. طب ينفع أدــ,,ـــــخلا؟”

الدكتور مدحت بصلي بنظرة طويلة، نظرة أب بيسلم بنته للراجل اللي كسرها، بس شايف في عينه الندم الصادق، وقال: “ادخل.. بس افتكر، مريم محتاجة أمان.. مش شفقة.” — دخلت الأوضة بخطوات مرتعشة. الأجهزة كانت حوالين السر,,ـــــير، والخرطوم بتاع الأكسجين في مناخيرها، وإيدها الرفيعة متوصل فيها المحاليل. وشها البسيط الهادي كان نايم في سلام كأنها طفلة هربت من كابوس طويل.

قعدت على الكرسي اللي جنب السر,,ـــــير. مسكت إيدها الساقعة وحطيتها بين كفوفي وبدأت أدفيها بأنفاسي. نزلت راسي على إيدها وبكيت بسكوت.. بكيت على الشهور اللي ضاعت في البرود، على المقارنات التافهة، على اللحظة اللي زعقت فيها في وشها وهي شايلة هم الكون لوحدها. “مريم…” همست بصوت مخنوق. “مريم، قومي يا حبيبتي.. أنتِ سليمة.. مفيش مرض، مفيش ورم.. الورق كان غلط.. أنتِ مفيش في جسمك غير حتة مني ومنك.. مريم، إحنا هنبدأ من جديد.. الشقة فداكي، هسكنك في قصر، بس قومي ونوري دنيتي تاني.”

في اللحظة دي، حسيت بحركة خفيفة في صوابعها. رفعت راسي بسرعة.. مريم بدأت تفتح عينيها ببطء شديد. بصت للسقف، وبعدين لفت وشها ناحيتي. ملامحها مكنش فيها غضب، كان فيها علامات استفهام وكسرة لسه منمحتش. شالت ماسك الأكسجين بضعف وقالت بصوت همس، باين فيه أثر المخدر: “أنا فين؟.. أنا ممتش ليه يا أحمد؟.. أنا عاوزه اروح لأمي.” دموعي نزلت وبست إيدها: “لأ يا قلب أحمد.. أنتِ هنا معايا.. ربنا نجّاكي عشانك وعشاني.. وعشان ابننا يا مريم.”

مريم حواجبها اتعقدت وبصتلي بذهول، وكأنها مش مستوعبة الكلمة: “ابننا؟” قبل ما أرد عليها، الباب اتفتح ودخل الدكتور مدحت ومعه تامر. الدكتور مدحت قرب من السر,,ـــــير، وعينيه اتملت دموع وهو بيبص لمريم، وقعد على طرف السر,,ـــــير وقال بصوت كله حنان: “مريم.. يا بنتي.. بصيلي.” مريم بصت له باستغراب، والدكتور كمل وهو صوته بيترعش:

“أنا الدكتور مدحت.. بس أنا مش مجرد دكتورك.. أنا إبراهيم الهواري المحامي حكالك عني.. مريم، أنا كنت جوز والدتك ‘إلهام’ من عشرين سنة قبل ما تنفصل عني بسبب مشاكل عائلية وسافرت برا.. أنا عمري ما نسيت أمك، ولما رجعت وعرفت بمرضك من بنت أختي، صممت أتابعك بنفسي.. والظرف اللي كنت بديهولك في الكافيه مكنش مساعدة من غريب.. ده كان حقي عليكي كأب.. والتحاليل الجديدة طلعت يا مريم.. المعمل الأولاني غلط وغلطته كانت هتمــ,,ـــــوتنا كلنا.. أنتِ معندكيش أورام يا بنتي.. أنتِ سليمة تماماً، والتعب اللي عندك ده.. أثر حمل في أسبوعين.”

مريم قعدت على السر,,ـــــير فجأة رغم تعبها، وعينيها وسعت بصدمة هزت كيانها. بصت للدكتور مدحت، وبعدين بصتلي وأنا واقِف بدموعي، وحطت إيدها على بطنها وكأنها بتحاول تتأكد إن اللي بتسمعه ده مش حلم. وفجأة، مريم بدأت تبكي.. بس المرة دي مكنش عياط وجع، كان عياط انهيار من الفرحة والخوف مع بعض. انحنيت عليها ودموعي نازلة وضمتها لصدـ,,ـــري بكل قوتي، وهي مستسلمتش ولا زقتني.. حطت راسها في كتفي وبقت تبكي وتشهق وهي ماسكة في قميصي المبلول كأنها لقت بر الأمان بعد عاصفة دمرت كل سفنها.

— بعد يومين، مريم خرجت من المستشفى.. رجعنا شقة والدتها القديمة لإن شقتنا لسه إجراءات فك الشمع بتخلص بعد تنازل الدكتور مدحت. الدنيا بدأت تصفى.. البرود اللي كان جوايا اتمسح وبقى مكانه لهفة وشوق حقيقيين.. الشوق اللي مكنتش حاسس بيه زمان، اتولد من رحم الوجع والخوف من الخسارة. بقيت ببصلها وأشوفها أجمل ست في الدنيا.. جمال الروح والنقاء والصلابة اللي شفتها فيها خلاني اتكسف من نفسي ومن تفاهتي القديمة. مريم كانت قاعدة في الصالة، بتشرب كوباية لبن دافية وأنا قاعد جنبها بملس على شعرها. بصتلي وابتسمت ابتسامة هادية وقالت:

“أحمد.. أنت اتغيرت أوي.. بس أنا لسه خايفة.” مسكت إيدها وحطيتها على قلبي: “خايفة من إيه يا مريم؟” قالت ببراءة ودموع محبوسة: “خايفة تكون بتعمل كل ده عشان البيبي.. أو عشان صعبانة عليك بعد مــ,,ـــــوت أمي.. خايفة الشفقة دي تخلص، وترجع تبصلي بنفس النظرة الباهتة اللي .تني في أول جوازنا.” نزلت على رجليها وبست إيدها وقلت بنبرة طالعة من أعماق قلبي:

“والله العظيم يا مريم، أنا بحبك أنتِ.. البيبي ده نعمة من ربنا عشان يربطني بيكي، بس أنتِ الأساس.. أنا شفت فيكي اللي عمري ما شفته في بنت.. شفت الستر، والأصل، والحنية اللي بتبني بيوت.. سامحيني على كل لحظة عتمة عيشتك فيها.. وأنا بوعدك، عمري كله اللي جاي هيبقى عشان أسعدك وبس.” مريم ابتسمت، ولأول مرة أشوف الضحكة اللي شفتها في الكافيه زمان.. بس المرة دي كانت ليا أنا.. ضحكة نورت الشقة والكون كله في عيني.

— عدى شهرين.. وحياتنا استقرت.. الشقة رجعت لنا وبدأنا ننقل حاجتنا فيها تاني.. ومريم بدأت ملامح الحمل تبان عليها وبقت صحتها أحسن بكتير بفضل رعاية الدكتور مدحت اللي بقى بيعاملنا كأولاده فعلاً وبيزورنا دايماً. وفي ليلة.. كنا قاعدين في شقتنا الجديدة بعد ما رتبناها. مريم كانت جوه في المطبخ بتعمل عشا، وأنا قاعد في الصالة ماسك موبايلي. وفجأة.. ظهر قدامي إشعار من رقم غريب على الواتساب.. فتحت الرسالة.. ولقيت مكتوب فيها جملة، وصورة ملحقة معاها خلت الدم يتجمد في عروقي، والموبايل يقع من إيدي على الأرض وأنا مش قادر أخد نفسي..

الرسالة كانت بتقول: *”مبروك الشقة الجديدة يا أحمد.. ومبروك الحمل.. بس افتكر إن القديم لسه مقفلش.. وأم مريم مماتتش بجلطة عادية.. أم مريم ماتت مقتولة، والقاتل قريب منك أوي!”* وفوق الرسالة.. كانت صورة واضحة جداً لعلبة الدوا بتاعة مريم القديمة، ومحطوط جنبها شريط حبوب مجهول، وفي خلفية الصورة.. كانت السجادة بتاعة صالة شقتنا الحالية! يعني في حد دخل الشقة من ورايا وصورها! وفي اللحظة دي.. مريم خرجت من المطبخ وهي مبتسمة وشايلة صينية الأكل وقالت: “العشا جاهز يا أحمد..”

بصيت لها والرعب ماليني.. مين اللي باعت الرسالة؟ ومين اللي دخل شقتنا؟ وهل الكابوس لسه مخلصش؟! حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم الصينية اتهزت في إيد مريم لما شافت وشي.. الابتسامة اختفت فجأة وحلت مكانها نظرة قلق وهي بتحط الصينية على الترابيزة بسرعة وتقرب مني: “أحمد! مالك؟ وشك أصفر ليه كأنك شفت لغز؟ في إيه؟” حطيت رجلي فوق الموباييل اللي وقع على الأرض بسرعة من غير ما تحس، وبلعت ريقي وأنا بحاول أبتسم ابتسامة مكسورة:

“لا.. لا مفيش يا حبيبتي، ده.. ده بس هبوط مفاجئ من قلة النوم وتعب الشغل.. متقلقيش.” مريم بصتلي بشك، بس قعدت جنبي وطبطبت على كتفي: “طب ارتاح يا حبيبتي، أنا هجيبلك كوباية عصير ليمون ترفع ضغطك.”

السابقانت في الصفحة 1 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!