Advertisements
Advertisements
منوعات

امي حكايات اسما السيد ×1

Advertisements

وهذا جعلني أشعر بثقل أكبر. قلت: الورقة دي كتبتيها إمتى؟ نظرت للحقول وقالت: من شهرين. من يوم ما حكيتلي عن أمك وهي بتخبز لك عيش سخن قبل المدرسة. كنت بتتكلم عنها بطريقة خلتني أحس إني أعرفها. وقتها قررت إن بعد الجواز لازم أروح لها كتير. أنت كنت بتحكي عنها بحب، بس في نفس الوقت كنت بتخبيها من حياتك في القاهرة. وده وجعني. سألتها: وجعك ليه؟ قالت: لأن الراجل اللي يخجل من أمه ممكن في يوم يخجل من مراته لو الدنيا قست عليها. الجملة كانت كالسهم. لم أجد ردًا. أكملت: أنا مش غنية يا أدهم. وشغلي بسيط. ولبسي عادي.

وأهلي ناس على قد حالهم. لو أنت شايف إن الأصل البسيط حاجة محتاجة اختبار، يبقى أنا كمان ممكن أبقى اختبار بالنسبالك بعد سنين. نظرت إليها وأنا أشعر أنني أفقدها أمام عيني. قلت بسرعة: لا، أرجوكي ماتقوليش كده. أنا ماخجلتش منك أبدًا. قالت: بس خجلت من بيت أمك. واللي يخجل من جذوره، هيعرف يثبت إزاي لما الريح تهز الشجرة؟ لم أستطع الكلام. كانت لا تصرخ، لا تبكي، لا تهدد. لكنها كانت تهدمني بهدوء. قلت أخيرًا: قوليلي أعمل إيه. قالت: ماتسألنيش أنا. اسأل نفسك إنت عايز تبقى أنهي نسخة من أدهم. الراجل اللي أصحابه يزرعوا الشك في قلبه فيجري يختبر خطيبته وأمه؟

ولا الراجل اللي يقف قدامهم ويقول أمي تاج راسي وخطيبتي مش محتاجة تثبت لحد إنها بنت أصول؟ نزلت عيني للأرض. قالت بعدها بصوت ألين: أنا بحبك يا أدهم. وعلشان بحبك مش هصفق لك لما تغلط. الحب مش بس حضن وكلام حلو. الحب كمان حد يوقفك قبل ما تبقى نسخة أنت نفسك تكرهها. في تلك اللحظة، سمعت صوت أمي تنادينا من تحت. نزلنا. البيت كان مضاءً بمصباح أصفر صغير، ورائحة الشاي والعيش والنعناع تملأ المكان. أمي كانت قد جهزت لنا صينية بسيطة. جلست ياسمين بجانبها كأنها ابنتها، وأنا جلست أمامهما وأنا أشعر أنني لا أستحق هذا المشهد.

بعد العشاء، جاء بعض الجيران بعدما عرفوا أن ابن الحاجة زينب وصل من القاهرة ومعه عروسته. دخلت أم سيد، جارتنا القديمة، تحمل طبق مشبك بلدي، وقالت وهي تنظر إلى ياسمين: نورتينا يا عروسة. ياسمين قامت وسلمت عليها بحرارة. ثم دخل عم رفاعي، الرجل الذي كان يعطيني قصبًا وأنا طفل، وقال ضاحكًا: أخيرًا يا باشمهندس افتكرت البلد؟ شعرت بالإحراج. كنت أزور أمي قليلًا، وأحيانًا أرسل السائق بدلًا مني. لكن ياسمين لم تترك الصمت يفضحني. قالت: هو كان بيحكيلي عنكم كتير، وأنا اللي كنت مستنية أجي. نظرت إليها مذهولًا. مرة أخرى تسترني. مرة أخرى تمنحني فرصة ألا أظهر صغيرًا أمام الناس.

جلس الجميع في الحوش، وصوت الضحك البسيط ملأ البيت. أمي بدت كأن سنوات سقطت عن كتفيها. كانت تضحك من قلبها، وتحكي لياسمين عن طفولتي، كيف كنت أخاف من الجاموسة، وكيف كنت أبكي إذا احترق طرف رغيفي، وكيف كنت أقول لها وأنا صغير إنني سأبني لها قصرًا عندما أكبر. الناس ضحكوا، لكن أنا لم أضحك. لأنني تذكرت الوعد. لم أبنِ لها قصرًا. بنيت لنفسي صورة ناجحة في القاهرة، وتركتها في بيت يسرب المطر. قرب منتصف الليل، وبعد أن خرج الجيران، وجدت أمي تجلس وحدها في الحوش. اقتربت منها وجلست على الأرض عند قدميها كما كنت أفعل وأنا صغير. نظرت لي وقالت: زعلان؟

قلت: من نفسي. مسحت على شعري بيدها المتعبة وقالت: كويس. اللي يزعل من نفسه يبقى لسه فيه خير. أمسكت يدها وقلت بصوت مخنوق: سامحيني يا أمي. أنا خجلت من البيت. خجلت من الفقر. بس عمري ما خجلت منك. عينيها امتلأتا بالدموع وقالت: البيت ده مايزعلش يا ابني. البيت ده شاف تعب أبوك، وشاف طفولتك، وشاف دموعي وأنا بربيك. لو جدرانه متشققة، قلبه سليم. العيب مش في الفقر. العيب إن الواحد ينسى مين تعب علشانه. بكيت. لأول مرة منذ سنوات بكيت أمام أمي. وضعت رأسي على ركبتها كطفل، وهي ظلت تمسح على رأسي وتتمتم بالدعاء.

من بعيد، كانت ياسمين واقفة عند باب المطبخ تنظر إلينا، وعندما التقت عيناي بعينيها، ابتسمت ابتسامة صغيرة وابتعدت حتى تمنحنا خصوصيتنا. في الصباح، صحوت على صوت حركة في الحوش. خرجت فوجدت ياسمين قد سبقتني. كانت ترتدي طرحة بسيطة فوق شعرها، وتمسك مكنسة طويلة وتنظف الحوش مع أمي. حاولت أمي أن تمنعها لكنها كانت تضحك وتقول: أنا بنت البيت من النهارده. وقفت في الباب أراقبهما، وشعرت بشيء داخلي يتغير. لم يكن الأمر حبًا فقط. كان احترامًا، امتنانًا، خجلًا، ورغبة حقيقية في أن أصبح رجلًا يستحقهما. بعد الفطار، أخذت هاتفي واتصلت بأحد العمال الذين أعرفهم في المنيا.

طلبت منه أن يحضر مهندسًا ونجارًا وحدادًا في نفس اليوم. ياسمين سمعتني، لكنها لم تتدخل. أمي قالت بقلق: هتعمل إيه يا أدهم؟ قلت: هصلح البيت. قالت: يا ابني مش لازم. جلست أمامها وقلت: لازم يا أمي. مش علشان أخبيه من الناس. علشان إنتِ تستحقي تعيشي مرتاحة. ياسمين نظرت لي، وفي عينيها لمعة صغيرة. بعد ساعات وصل العمال وبدأوا يفحصون السقف والجدران. لأول مرة كنت أنظر إلى البيت لا بعين الخجل، بل بعين المسؤولية. رأيت الشقوق التي تجاهلتها، السقف الذي كان يمكن أن ينهار، الفرن الذي يحتاج ترميمًا، الباب الذي بالكاد يغلق. كل عيب في البيت كان إدانة صامتة لي.

بعد الظهر، جلست مع ياسمين تحت شجرة التوت خلف البيت. قلت لها: أنا هفهم لو عايزة تأجلي الفرح. أو تلغي كل حاجة. رفعت عينيها إليّ وقالت: وأنا مش عايزة أقرر وأنا موجوعة. قلت: حقك. قالت: بس عايزة أقولك حاجة. هززت رأسي. قالت: أنا مش زعلانة إنك كنت خايف. الخوف طبيعي. أنا زعلانة إنك خليت الخوف يقودك بدل ما تصارحني. لو كنت قلتلي يا ياسمين أنا خايف تكوني مش قابلة حياتي البسيطة، كنت هحضنك وأقولك خدني لأمك. لكنك اخترت الاختبار. والاختبار بيكسر حاجة في الثقة. قلت بصوت منخفض: أقدر أبنيها تاني؟ قالت: ممكن. بس مش بكلام. بالأفعال. وفي تلك اللحظة قررت.

لم أخبرها بقرار كبير أو وعد درامي. فقط قررت أن أبدأ من نفسي. عندما عدنا إلى القاهرة بعد يومين، لم أعد كما ذهبت. أول شيء فعلته أنني دعوت أصدقائي الذين زرعوا الشك في رأسي إلى الغداء. جلسوا يضحكون كعادتهم، وسأل أحدهم بخبث: ها يا أدهم؟ العروسة عملت إيه لما شافت بيت الحاجة؟ زمانها اتخضت؟ نظرت إليه بهدوء وقلت: لا. اللي اتخضيت أنا. سكتوا. قلت: ياسمين طلعت أنضف مننا كلنا. وأنا طلعت غبي إني سمعت كلامكم. حاول واحد منهم أن يضحك ويقول: يا عم إحنا كنا بنهزر. قلت بصرامة: الهزار اللي يخليك تشك في إنسانة محترمة مش هزار.

واللي يخليك تختبر أمك وخطيبتك علشان تثبت رجولتك يبقى سم. من النهارده، محدش يجيب سيرة أمي ولا ياسمين بالطريقة دي قدامي. الصمت ملأ المكان. ربما خسرني بعضهم في ذلك اليوم، لكنني لأول مرة شعرت أنني كسبت نفسي. بعدها ذهبت إلى ياسمين في مدرستها. كانت تقف وسط الأطفال، تضحك وهي تربط حذاء طفلة صغيرة. انتظرتها حتى انتهت، ثم أعطيتها ظرفًا صغيرًا. فتحته فوجدت صورة من عقد ترميم بيت أمي، وصورة من حجز موعد لطبيب عظام لها، وإيصال شراء مرتبة طبية. نظرت إليّ طويلًا. قلت: مش علشان أثبتلك. علشان ده كان واجبي من زمان. دموعها لمعت، لكنها لم تبكِ. قالت: دي بداية كويسة.

سألتها بخوف: وبالنسبة لينا؟ ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت: برضه بداية. مرّت الأسابيع التالية مختلفة. كنت أذهب إلى المنيا كل جمعة، ومعي ياسمين أحيانًا. أمي بدأت تتحسن. البيت بدأ يتغير. السقف اتصلح، الجدران اتدهنت بلون هادئ، الفرن البلدي اتجدد، والحوش بقي فيه كراسي مريحة وزرع جديد. لكن الأهم أنني لم أعد أخجل عندما أقول للناس إن أمي تعيش في قرية بسيطة في المنيا. بل صرت أحكي عنها بفخر. يوم الفرح، حدث شيء لم يكن في الخطة. في منتصف القاعة الفاخرة في القاهرة، وبعد أن جلس الضيوف، أمسكت الميكروفون ووقفت بجانب ياسمين. الكل ظن أنني سأقول كلمة عادية عن الحب والزواج.

لكنني نظرت إلى أمي الجالسة في الصف الأول، بفستان جديد وطرحة بيضاء، ثم قلت أمام الجميع: قبل أيام، كنت فاكر إني راجل ناجح. عندي شغل كويس وبيت وعربية.

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!