Advertisements
Advertisements
منوعات

سائقي الخاص حكـايـات أسمـا ×3

Advertisements

قلت: “هل تعرف شيئًا عن مخزن تابع للعائلة على طريق السويس؟” توقف الرجل عن الكلام للحظة طويلة. ثم قال: “من أخبرك بهذا المكان؟” قلت: “نور.” قال بقلق واضح: “إذا كانت السيدة ليلى هناك، فأنتم في خطر شديد.” نور انتفضت. “يعني تعرفه؟” قال المحامي: “هذا المخزن ليس مهجورًا كما تعتقدون. فؤاد يستخدمه في أمور لا يريد لأحد أن يعرفها.” سألته: “أمور إيه؟” قال: “تهريب مستندات. تخزين أصول. وربما أكثر.” ثم أكمل: “اسمعني جيدًا يا حسن. لا تذهب إلى هناك وحدك.”

نظرت إلى نور. كانت عيناها تقولان إنها ستذهب سواء وافقت أم لا. قلت للمحامي: “لو استنينا، ممكن تمــ,,ـــــوت.” قال بصرامة: “ولو ذهبتم بلا خطة، ستمــ,,ـــــوتون أنتم أيضًا.” كنت أعرف أنه محق. لكنني كنت أعرف شيئًا آخر. السيدة ليلى اختارتني لأنها لم يكن لديها وقت. ولأنها كانت تعرف أن أبناءها سيتحركون بسرعة. قلت: “هنتقابل فين؟” أعطانا المحامي عنوان مكتبه في مصر الجديدة. قررنا الذهاب إليه فورًا. لكن قبل أن نتــ,,ـــــحرك، نظرت نور إلى يدي. “الحقيبة دي فيها الأدلة؟”

أومأت. قالت: “لازم نعمل نسخة.” كانت محقة. دخلنا إلى مكتبة صغيرة قريبة، ونسخنا الأوراق، وحفظنا محتوى الفلاش على ذاكرة جديدة. ثم وضعت نور النسخة الاحتياطية داخل حقيبتها، بينما احتفظت أنا بالأصل. كانت خطوة بسيطة. لكنها أنقذتنا لاحقًا. في الطريق إلى مكتب المحامي، لاحظت سيارة رمادية تسير خلفنا. قلت للسائق: “لو سمحت ادخل الشارع الجاي شمال.” دخل. السيارة دخلت خلفنا. نور فهمت فورًا. وجهها شحب. قلت للسائق: “معلش، وقف عند الصيدلية دي.” نزلنا بسرعة من البابين.

دخلنا الصيدلية من الباب الأمامي وخرجنا من باب جانبي يؤدي إلى شارع خلفي ضيق. ركضنا بين المحلات حتى وصلنا إلى موقف ميكروباص. نور لم تكن معتادة على هذه الفوضى. كانت تلهث. لكنها لم تشتكِ. ركبنا ميكروباص متجهًا إلى العباسية، ثم غيرنا الطريق مرة أخرى. وبعد ساعة من التوتر وصلنا إلى مكتب المحامي. كان مكتب محمود الجندي في عمارة قديمة، الطابق الرابع، بلا لافتة كبيرة. استقبلنا رجل في الستين، شعره أبيض ونظارته سميكة، لكن عينيه يقظتان.

أغلق الباب خلفنا بنفسه. ثم قال: “أروني ما معكم.” وضعنا الملفات أمامه. قرأ. تصفح. استمع إلى جزء من التسجيلات. ومع كل دقيقة كان وجهه يزداد صرامة. بعد نصف ساعة قال: “هذه ليست محاولة . فقط.” نظرنا إليه. أكمل: “هذه شبكة تزوير واستيلاء على أموال، وربما غسل أموال. والسيدة ليلى كانت تجمع الأدلة منذ شهور.” نور قالت بصوت مكسور: “وأمي؟” خلع المحامي نظارته. “أمك كانت ستعقد اجتماعًا معي غدًا لتقديم بلاغ رسمي. إذا اختفت اليوم، فهذا يعني أنهم عرفوا.”

قلت: “عرفوا منين؟” نظر إلى الأرض. ثم قال: “هناك احتمال أن يكون أحد العاملين معها قد خانها.” نور قالت فورًا: “مين؟” لم يجب. لكنه فتح ملفًا صغيرًا من مكتبه. “قبل أسبوع، طلبت مني السيدة ليلى أن أتحرى عن شخص داخل البيت.” أخرج صورة. وضعها أمامنا. كانت صورة ناهد. مدبرة منزل السيدة ليلى. المرأة الهادئة التي كانت تفتح لنا الباب دائمًا، وتقدم القهوة، وتقول للسيدة ليلى: “ربنا يخليكي لينا يا هانم.” نور شهقت. “ناهد؟ مستحيل. دي معانا من عشرين سنة.”

قال المحامي بهدوء: “أحيانًا أقرب الناس هم الأسهل في الشراء.” أحسست بغضب شديد. كم كانت السيدة ليلى وحيدة؟ حتى البيت الذي عاشت فيه لم يعد آمنًا لها. قال المحامي: “سنذهب الآن إلى النيابة، لكن قبل ذلك يجب أن نحدد مكان السيدة ليلى قدر الإمكان. أي معلومة عن المخزن؟” نور أخرجت هاتفها وفتحت صورًا قديمة. “كنت هناك مرة وأنا صغيرة. المكان قريب من طريق فرعي بعد بوابة شركة قديمة اسمها المنشاوي للتجارة.” المحامي أخرج هاتفه واتصل بشخص.

تحدث معه بكلمات مختصرة. ثم أغلق. “لدي ضابط أثق به. لن أقول إنه يستطيع التحرك رسميًا الآن دون بلاغ، لكنه سيقابلنا.” قلت: “إمتى؟” “خلال ساعة.” لكن الساعة كانت رفاهية لا نملكها. لأن هاتف نور رن مرة أخرى. هذه المرة لم يكن فؤاد. كان رقمًا مجهولًا. ردت بيد مرتجفة. لم يتكلم أحد في البداية. ثم جاء صوت ضعيف. مبحوح. متقطع. “نور…” انتفضت نور واقفة. “ماما؟” الصوت كان بعيدًا كأنه يخرج من بئر. “ما… تثقيش… في فؤاد…”

ثم سمعنا صوت ارتطام. وصوت رجل يصرخ: “اقفلي الخط!” ثم انقطع الاتصال. نور صرخت: “ماما!” حاولت الاتصال مرة أخرى. الهاتف مغلق. لكن المكالمة القصيرة كانت كافية. لأنني سمعت شيئًا في الخلفية. صوت لم أستطع تجاهله. صوت قطار بعيد. وصوت كلاب. وصوت صفارة مصنع. قلت بسرعة: “هي مش في مستشفى.” المحامي نظر إليّ. قلت: “في صوت قطار. ومكان مفتوح. وممكن يكون قريب من طريق السويس فعلًا.” نور أمسكت بذراعي. “لازم نروح.” المحامي قال: “سنذهب… لكن ليس وحدنا.”

خرجنا من مكتبه بعد عشر دقائق. كان قد اتصل بالضابط. واتفق معه على اللقاء قرب الطريق. ركبنا سيارة المحامي. أنا في الخلف بجوار نور. والحقيبة بين قدمي. طوال الطريق كانت نور صامتة. تنظر من النافذة، ودموعها تنزل بلا صوت. قلت لها بهدوء: “هنلاقيها.” لم تنظر إليّ. قالت فقط: “أمي كانت دايمًا تقول إن البيت الكبير ممكن يبقى أضيق مكان في الدنيا لو اللي جواه ما بيحبوكش.” لم أعرف ماذا أقول. بعد حوالي أربعين دقيقة، خرجنا من القاهرة المزدحمة إلى طرق أوسع وأكثر عزلة.

المباني قلت. والإضاءة أصبحت متقطعة. والظلام بدأ ينزل على أطراف المدينة. تقابلنا مع سيارة شرطة مدنية يقودها رجل في الأربعينيات. نزل منها وعرّف نفسه بسرعة. “المقدم شريف.” سمع من المحامي ملخصًا سريعًا، ورأى الصورة والتقرير. ملامحه تغيرت. قال: “لو السيدة موجودة في المخزن، لازم نتــ,,ـــــحرك بحذر. مفيش اقتحام عشوائي.” نور قالت بانفعال: “يعني نستنى لما ي.وها؟” رد بهدوء صارم: “لو دخلنا غلط، ممكن ي.وها فورًا.” كانت الحقيقة قاسية. لكنها صحيحة. تحركنا بسيارتين. سيارة الضابط في الأمام على مسافة.

وسيارة المحامي خلفه. بعد دقائق وصلنا إلى طريق ترابي جانبي. في آخره ظهرت بوابة حديدية قديمة. وخلفها مبنى مستطيل ضخم، جدرانه باهتة، ونوافذه العالية مكسورة. المخزن. كان المكان مظلــ,,ـــــمًا إلا من ضوء أصفر خافت قرب الباب الخلفي. توقفنا بعيدًا. نزل الضابط وتحدث في لاسلكي صغير. ثم أشار لنا أن ننتظر. لكن نور لم تكن قادرة على الانتظار. فتحت باب السيارة بهدوء. لحقت بها فورًا. همست: “إنتِ رايحة فين؟” قالت: “لو أمي جوه، هتعرف صوتي.” “نور، ده خطر.”

التفتت إليّ، ووجهها غارق في الدموع. “حسن… أنا بنتها. لو هي ماتت وأنا واقفة بعيد، مش هسامح نفسي.” لم أجد جوابًا. ربما لأنني كنت سأفعل الشي يتبع  

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!