
ـ “ماتسبنيش لوحدي معاه يا ماما… بالله عليكي.”
خرج صوت “ليلى” ضعيف لدرجة إن “أحمد” افتكر في البداية إنه سمع غلط. كانت عندها سبع سنين، ضافرتين مفكوكين شوية، وعيون واسعة مليانة دموع. واقفة جنب باب المطبخ، حاضنة شنطة المدرسة لصدرها كأنها بتحتمي بيها.
“ريم”، مراته، ضحكت ضحكة باردة وهي بتلبس حلقها قدام مراية الصالة. ـ “يا بنتي بطلي دلع… أحمد مش هياكلك.” أحمد اتجمد مكانه.
كانوا لسه متجوزين من أربع شهور بس. ريم كانت ست ملفتة، قوية، من النوع اللي أول ما يدخل أي مكان الناس تبصله تلقائي. شغالة في شركة تأمين كبيرة في القاهرة، وطول الوقت تتكلم بثقة كأن الدنيا كلها تحت سيطرتها. لما عرفها، حبها بسرعة… يمكن أسرع من اللازم.
أما ليلى، فكانت هادية بشكل غريب. لا بتزعق، لا بتعمل مشاكل، ولا حتى ترد بعصبية. بس كانت تراقب كل حاجة حواليها بعينيها الصغيرة الخايفة. أحمد افتكر في الأول إنها مجرد خجولة، فحاول يقرب منها: يجيب لها شوكولاتة، يسيبلها رسمة صغيرة في اللانش بوكس، يسألها عن الكرتون اللي بتحبه.
لكن كل مرة ريم تخرج من البيت، ليلى كانت تبدأ تعيط.
مش عياط عالي… وده اللي كان مرعب أكتر.
كانت دموعها تنزل في صمت، وشفايفها ترتعش، وتفضل قاعدة ساكتة كأنها مستنية مصيبة تحصل.
ـ “مالك يا حبيبتي؟”
كان أحمد يسألها بهدوء. ـ “أنا زعلتك في حاجة؟” فتكتفي إنها تهز راسها بالنفي. لما حكى لريم عن الموضوع، بصتله بنظرة فيها استهزاء.
ـ “ماتديش الموضوع أكبر من حجمه. البنت بس مش متقبلاك.”
لكن نبرتها ماكنتش نبرة أم قلقة… كانت أقرب لواحدة مرتاحة. بعدها بأسبوع، ريم اضطرت تسافر إسكندرية علشان اجتماع شغل. ثلاث ليالي برا البيت. قبل ما تمشي، سابت لأحمد ورقة طويلة فيها مواعيد أكل ليلى، أدويتها، وحتى الهدوم اللي تلبسها للمدرسة. ـ “خلي بالك منها كويس… وماتدلعهاش زيادة. أصلها بتعرف تمثل.” كانت ليلى واقفة وراها، وشها شاحب بشكل يخوف.
أول ليلة عدت بهدوء. أكلت سندوتشين جبنة، واتفرجت على التلفزيون مع أحمد، وبعدها نامت على الكنبة وهي حاضنة الشنطة بتاعتها. أحمد غطاها ببطانية وسابها براحتها.
تاني ليلة، بينما كان بيطبق هدوم في الصالة، حس بخطوات صغيرة وراه. التفت، فلقى ليلى واقفة، ماسكة شنطتها، وإيديها بتترعش. ـ “أحمد…” قالتها بصوت واطي جدًا.
كانت أول مرة تناديه باسمه من غير خوف واضح.
ـ “نعم يا ليلى؟” بصت ناحية الطرقة كأنها خايفة حد يسمعها. ـ “ماما قالتلي لو اتكلمت… إنت هتكرهني.” أحمد حس ببرودة جريت في جسمه. ـ “تتكلمي عن إيه؟” فتحت ليلى الشنطة ببطء، وطلعت ورقة متطبقة أربع مرات. مدت إيدها بيها من غير ما تبصله. أحمد فتح الورقة… وفي لحظة، حس إن نفسه اتسحب منه. كانت رسمة مرسومة بالشمع لطفلة بفستان وردي واقفة جوه أوضة مقفولة. جنبها شخص ضخم، ملامحه متشخبط عليها بالأسود. الباب مرسوم مقفول بإحكام.
وفوق الرسمة، مكتوبة نفس الجملة عشرات المرات بالقلم الأحمر: “ماتقوليش لحد.” وفي الركن، جملة صغيرة جوه دايرة كلام: “لو حكيتِ… مامتك هتسيبك وتمشي.” إيد أحمد بدأت ترتعش. ـ “ليلى… مين الراجل ده؟” البنت نزلت عينيها للأرض. ـ “معرفش اسمه… بس كان بييجي لما ماما ماتكونش موجودة.” أحمد حس إن قلبه وقع. مسك موبايله بإيد ساقعة، وطلب النجدة فورًا. وهو سامع صوت الموظفة على الخط، كان حاسس إن حياته كلها هتتقلب بعد اللحظة دي… لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
مسك أحمد إيد ليلى الصغيرة وقال بصوت حاول يخليه ثابت: “إنتِ دلوقتي في أمان… ومحدش هيقدر يلمسك.” وبعدها بدأت الحقيقة تخرج واحدة واحدة… اتفضلي التكملة:
أحمد كان سامع صوت موظفة النجدة وهي بتسأله عن العنوان، لكنه للحظة حس إن الكلمات مش طالعة من بقه صح. عينيه كانت معلقة بالورقة اللي في إيده، وبالخط الأحمر المتكرر فوق الرسمة، ماتقوليش لحد، ماتقوليش لحد، ماتقوليش لحد، كأن الجملة دي اتكتبت مش على الورق، لكن على روح طفلة عندها سبع سنين. قال العنوان بصوت متقطع، وكرر إن في طفلة محتاجة حماية، وإنه مش متأكد من كل التفاصيل، بس في شيء خطير حصل ولازم حد ييجي فورًا. الموظفة طلبت منه يبعد عن الطفلة أي ضغط، ومايسألهاش كتير، ويستنى وصول الشرطة.
قفل المكالمة وهو حاسس إن البيت اللي كان من شوية مجرد شقة هادية في عمارة محترمة بقى فجأة مكان مليان ظلال. ليلى كانت واقفة قدامه، وشها شاحب، وإيديها ماسكة في طرف بيجامتها، كأنها ندمت إنها اتكلمت. قرب منها ببطء، وقعد على ركبته عشان يبقى في مستوى عينيها، وقال: “ليلى، بصيلي يا حبيبتي. إنتِ ماعملتيش حاجة غلط. إنتِ شجاعة جدًا.” دموعها نزلت أكتر، لكنها ماصرختش. همست: “ماما هتزعل.” أحمد بلع ريقه بصعوبة وقال: “ماما مش من حقها تزعل منك عشان قلتي الحقيقة.” البنت هزت راسها بعنف، وكأنها بتقاوم كلامه: “هي قالتلي محدش هيصدقني… وقالت إنك لو عرفت هتمشيني عند ناس وحشين.”
أحمد حس بغضب بيغلي جواه، غضب مش قادر يطلعه قدامها، فشد على قبضته من غير ما تبان. قال لها: “أنا مصدقك. ومش هسيبك.” الجملة دي كانت بسيطة، لكنها كسرت حاجة جوا ليلى. فجأة قعدت على الأرض وبدأت تعيط بصوت مكتوم، كأنها بتخاف حتى من صوت بكاها. أحمد جاب البطانية ولفها عليها، وقعد جنبها من غير ما يلمسها إلا لما هي قربت منه بنفسها. بعد دقايق، خبط الباب. صوت الخبط خلا ليلى تنتفض وترجع بجسمها لورا. أحمد قال بسرعة: “دي الشرطة يا ليلى. أنا جنبك.” فتح الباب، ودخل ضابط ومعاه أمينة شرطة. أول ما شافوا الطفلة، اتغيرت ملامحهم.
أمينة الشرطة قربت بهدوء وقالت: “إزيك يا ليلى؟ أنا اسمي نادية. ممكن أقعد جنبك؟” ليلى بصت لأحمد، وكأنها بتستأذن منه، فأومأ لها. الضابط خد أحمد على جنب، وسأله باختصار عن اللي حصل. أحمد ورّاه الرسمة، وحكى كل كلمة قالتها ليلى. الضابط وشه اتشد، لكنه فضل هادي. قال: “إحنا هنحتاج نبلغ حماية الطفل والنيابة، ومهم جدًا ماتتكلمش معاها في تفاصيل أكتر عشان التحقيق يبقى سليم.” أحمد هز راسه. بعد أقل من ساعة، البيت كان مليان ناس رسميين، لكن الغريب إن ليلى لأول مرة من شهور ماكنتش مستخبية من أحمد. كانت قاعدة على الكنبة، حاضنة البطانية، وعينيها بتدور عليه كل دقيقة.
كل ما تلاقيه واقف قريب، تهدى شوية. سألوها أسئلة بسيطة جدًا، من غير ضغط. هي ماقالتش كل حاجة، لكنها قالت كفاية. قالت إن راجل كان بييجي أوقات كتير لما ريم تقول إنها في مشوار أو عند صاحبتها، وإنه كان يدخل الأوضة ويقفل الباب، وإن ريم كانت دايمًا تقول لها بعدها: “إنتِ بنت شقية وبتتخيلي حاجات.” قالت إن الراجل كان اسمه يمكن “طارق” أو “تامر”، هي مش فاكرة، بس فاكرة ريحة سجايره، وخاتم كبير في إيده، وصوته لما كان يقول: “اسكتي.” أحمد كان واقف في المطبخ سامع أجزاء قليلة، وكل جزء كان يضربه في صدره كأنه حجر. إزاي ماخدش باله؟
إزاي صدق إن خوفها منه مجرد رفض؟ إزاي ريم كانت بتضحك وهي عارفة كل ده؟ لما خلصوا، أمينة الشرطة طلبت من أحمد يجهز شنطة صغيرة لليلى، لأنهم هينقلوها لمكان آمن مؤقتًا لحد ما يتم استدعاء الأم والتحقيق معها. ليلى سمعت الكلام وصرخت لأول مرة: “لا! مش عايزة أمشي! مش عايزة أروح مع حد!” قامت تجري ناحية أحمد وتمسكت في رجله. كل الموجودين سكتوا. أحمد نزل لها فورًا وقال: “اهدي يا حبيبتي، أنا هنا.” قالت وهي بتشهق: “وعدتني ماتسبنيش.” قلبه اتقطع. بص للضابط وقال: “أنا جوز أمها، يعني مسؤول عنها، وهي معايا آمنة. ينفع أفضل معاها؟”
الضابط قال إن الأمر محتاج قرار، لكنهم شايفين إن الطفلة متعلقة بيه وإنه هو اللي بلغ، وبعد مكالمات طويلة، وافقوا إنها تفضل في الشقة الليلة دي بشرط وجود متابعة رسمية، وعدم رجوع ريم قبل حضور الشرطة. أحمد وافق على كل شيء. وفي نص الليل، لما كل الناس مشيت، بقى البيت ساكت تاني، لكن السكون كان مختلف. ليلى نامت أخيرًا على الكنبة، وإيدها ماسكة طرف قميص أحمد،
