Advertisements
Advertisements
منوعات

ابي لا تتركني حكايات اسما

Advertisements

كأنها خايفة يصحى ويمشي. أما هو ففضل صاحي، عينه على الباب، والموبايل في إيده، مستني مكالمة ريم. وقبل الفجر بساعة، رن التليفون. اسمها ظهر على الشاشة: ريم. قلبه دق بعنف، لكنه رد. صوتها كان عادي، مستفز، كأن مفيش حاجة حصلت: “عاملين إيه؟ ليلى نكدت عليك ولا لسه؟” أحمد سكت لحظة، وبعدين قال: “ريم… ارجعي القاهرة فورًا.” ضحكت: “ليه؟ وحشتك؟” قال بصوت بارد: “الشرطة كانت هنا.” الصمت اللي حصل بعدها كان أول اعتراف منها. ماقالتش إيه؟ ولا ليه؟ ولا حصل إيه؟ سكتت بس. وبعد ثواني، قالت بنبرة اتغيرت تمامًا: “إنت سمعت من البنت؟ أحمد، إوعى تصدقها. دي مريضة. بتخترع قصص.”

أحمد بص لليلى النايمة وقال: “طفلة عندها سبع سنين مش بتخترع الرعب ده.” ريم انفجرت: “إنت فاهم إيه؟ إنت دخلت حياتنا من أربع شهور وعايز تحكم؟ دي بنتي أنا!” قال: “بالظبط. بنتك. والمفروض كنتِ تحميها.” صوتها وطي فجأة: “أحمد، اسمعني… الموضوع مش زي ما إنت فاهم. أنا كنت مضغوطة. وطارق كان بيساعدني. وليلى دايمًا حساسة.” طارق. الاسم وقع في ودنه زي دليل. قال بهدوء مخيف: “اسمه طارق؟” رجعت تتلخبط: “أنا ماقولتش… أقصد… أحمد، بلاش تهور. إحنا نحل الموضوع بينا.” قال: “الموضوع خرج من بينا.” وقفل. بعد ساعة، اتصل بالضابط وبلغه بالمكالمة والاسم.

ومع شروق الشمس، بدأت خيوط الحقيقة تتجمع أسرع مما توقع. طارق ماكنش مجرد صاحب لريم، كان عميل قديم في شركة التأمين، راجل متجوز، عنده نفوذ وفلوس، وكان بينه وبين ريم علاقة سرية من قبل جوازها بأحمد. الأسوأ إن الجيران افتكروا شكله لما الشرطة سألتهم. واحد منهم قال إنه شافه داخل العمارة أكتر من مرة في أوقات ريم ماكنتش موجودة فيها، أو على الأقل كانت بتقول إنها مش موجودة. بواب العمارة قال إنه كان بيطلع ومعاه أكياس هدايا، وإن ريم كانت موصياه يقول لأي حد يسأل إنه قريبها. كل كلمة كانت بتكشف طبقة أعمق من الكذب.

لما ريم وصلت القاهرة، ماطلعتش على البيت. راحت الأول للشركة، ويمكن كانت بتحاول تلحق تمسح حاجة أو تكلم طارق. لكن الشرطة كانت أسرع. تم استدعاؤها رسميًا، وهناك انهارت صورتها اللامعة. في الأول أنكرت كل شيء. قالت إن أحمد بيحاول ينتقم منها بسبب خلافات زوجية، وإن ليلى طفلة خيالية. لكن لما واجهوها بالمكالمة المسجلة، وبشهادة الجيران، وبالرسمة، وبكلام الطفلة الأولي، بدأت تهاجم بدل ما تدافع. قالت: “أنا ضحيت كتير. محدش عارف أنا عشت إيه. البنت دي كانت سبب كل مشكلة في حياتي.” الجملة دي وحدها كانت كافية تخلي أحمد يفهم إن ريم عمرها ما شافت ليلى بنتها، شافتها عبء.

في المساء، رجع أحمد البيت ومعاه إذن إنه ياخد ليلى لفترة مؤقتة تحت إشراف الجهات المختصة، لحد ما يتم ترتيب رعاية آمنة. كان متوقع إنها تكون خايفة، لكن اللي حصل إنها أول ما شافته جريت عليه وحضنته. حضنته بقوة طفلة كانت بتحاول تنجو من عالم كامل. قال لها: “هنروح مكان تاني شوية، بيت أختي. عندها بنت صغيرة بتحب الرسم.” ليلى سألته بصوت مبحوح: “ماما هتيجي تاخدني؟” أحمد قال الحقيقة من غير ما يخوفها: “ماما دلوقتي بتتكلم مع ناس لازم يفهموا اللي حصل. وإنتِ مش هتروحي لأي مكان مش عايزاه.” هزت راسها وسكتت. في بيت أخته منى، بدأت ليلى تتنفس لأول مرة.

منى كانت ست دافية، عندها بنت اسمها سلمى في نفس عمر ليلى تقريبًا. ما سألتهاش أسئلة، ما ضغطتش عليها، كل اللي عملته إنها فتحت لها علبة ألوان وقالت: “تحبي ترسمي مع سلمى؟” ليلى فضلت واقفة شوية، وبعدين قعدت. أول رسمة رسمتها كانت بيت صغير له شباك مفتوح. أحمد شاف الرسمة من بعيد ودموعه كادت تنزل. الشباك المفتوح كان بالنسبة له أمل. الأيام اللي بعدها كانت تقيلة. تحقيقات، مكالمات، محامين، زيارات من أخصائية نفسية، ومحاولات مستميتة من ريم إنها تقلب القصة. بعتت لأحمد رسائل كتير: “إنت بتدمرني.” “دي بنتي وأنا حرة أربيها.” “طارق هيأذيك لو كملت.”

الرسالة الأخيرة ماخوفتوش، بالعكس كانت دليل جديد. سلم كل شيء للشرطة. طارق حاول يهرب، لكنه اتقبض عليه بعد يومين في شقة بمدينة نصر. لما شافوه، ليلى ماحتجتش تقول كتير. جسمها كله اتجمد، واستخبت ورا أحمد، وده كان أصدق من ألف شهادة. التحقيقات أثبتت إن ريم كانت عارفة إنه بيقرب من الطفلة، وإنها على الأقل تجاهلت خوف بنتها وهددتها بالصمت عشان تحافظ على علاقتها ومصالحها. أحمد كان كل يوم يكتشف إنه ماكانش متجوز امرأة غامضة بس، كان متجوز قناع. القناع وقع، وظهر تحته فراغ مخيف. بعد شهر، بدأت ليلى تروح جلسات علاج نفسي منتظمة. في أول جلسة، رفضت تتكلم.

في التانية، رسمت شنطة مدرسة مقفولة. في التالتة، رسمت أحمد واقف قدام باب كبير. الأخصائية قالت له بعدها: “وجودك ثابت في رسوماتها. ده معناه إنها شايفاك مصدر أمان.” الكلمة دي فضلت معاه طول الطريق. مصدر أمان. هو اللي كان فاكر نفسه مجرد زوج جديد، شخص غريب دخل بيت أم وبنتها، بقى فجأة الحائط الوحيد بين طفلة وبين انهيار كامل. في يوم، وهم راجعين من الجلسة، ليلى سألت: “هو أنا وحشة؟” أحمد وقف بالعربية على جنب الطريق فورًا. بص لها وقال: “إنتِ أجمل وأشجع بنت شوفتها في حياتي.” قالت: “ماما كانت بتقول إني بخرب كل حاجة.” قال: “ماما كانت غلطانة.” سألته:

“طب ليه ماحبتنيش؟” السؤال كان أكبر من أي إجابة. أحمد حس إن أي كلام هيكون صغير قدام وجعها، لكنه قال بهدوء: “أحيانًا في ناس جواهم كسر كبير يخليهم مايقدروش يحبوا صح. بس ده مش ذنبك. أبدًا.” ليلى بصت من الشباك وسكتت، وبعد شوية مدت إيدها الصغيرة وحطتها فوق إيده. كانت دي أول مرة تعملها. بعد ثلاثة شهور، صدر قرار بحبس طارق على ذمة القضية، وريم كمان اتوجهت لها اتهامات بالإهمال والتستر والتهديد. القضية ماكنتش سهلة، والمحامين حاولوا يشوهوا أحمد، قالوا إنه طمعان في فلوس ريم، وإنه بيستخدم الطفلة عشان ينتقم. لكن أحمد ماكنش عايز غير حاجة واحدة: ليلى ماترجعش للرعب.

قدم طلب رعاية مؤقتة بشكل قانوني، ورغم إن الطريق كان صعب، تقرير الأخصائية وشهادة الشرطة وكل الأدلة دعمته. ريم لما عرفت، طلبت تقابله. وافق تحت إشراف المحامي وفي مكان رسمي. دخلت عليه بوش مختلف عن اللي عرفه. لا مكياج مرتب، لا ثقة، لا ضحكة باردة. كانت عينيها مليانة خوف، بس مش خوف على ليلى، خوف على نفسها. قالت: “أحمد، أنا غلطت… بس ماتاخدش بنتي مني.” هو بص لها وسألها: “إنتِ عايزة ليلى عشان بتحبيها؟ ولا عشان خسارتها هتثبت إنك مذنبة؟” دموعها نزلت، لكنها ماجاوبتش. قال: “هي كانت بتترجاكي ماتسيبيهاش معاه. وإنتِ ضحكتي.” صرخت: “كنت فاكرة إنها بتبالغ!” قال: “لا.

إنتِ كنتِ عارفة. حتى لو مش كل التفاصيل، كنتِ عارفة إنها خايفة. وبدل ما تسأليها، هددتيها.” ريم خبطت بإيدها على الطاولة وقالت: “أنا كنت لوحدي! محدش ساعدني!” أحمد قال بهدوء: “وليلى كانت لوحدها أكتر منك.” الجملة سكتتها تمامًا. قام ومشي من غير ما يبص وراه. في البيت، كانت ليلى مستنياه برسمة جديدة. رسمة فيها بنت صغيرة ماسكة بالونة، وراجل واقف بعيد ماسك شمسية فوقها. قالت بخجل: “ده إنت.” أحمد ابتسم رغم الوجع وقال: “والبالونة دي؟” قالت: “دي أنا لما بطير بس مش خايفة.” بعدها بفترة، بدأت ليلى تدخل المدرسة تاني.

في الأول كانت بتخاف من أي رجل يقرب منها، من صوت الباب، من رنة الموبايل، من ريحة السجاير في الشارع. كانت تصحى من النوم مفزوعة وتقول: “هو جه؟” وأحمد كان كل مرة يطمنها بنفس الجملة: “لا يا ليلى، الباب مقفول، وأنا هنا.” ومع الوقت، الجملة بدأت تشتغل زي الدواء. مش بتمسح الجرح، لكنها تمنع النزيف. منى وسلّمى بقوا عيلتها الصغيرة. سلمى كانت تشدها للعب، ومنى تطبخلها ملوخية لأنها اكتشفت إنها بتحبها، وأحمد كان يتعلم يسرح شعرها، يفشل في الضفيرة الأولى والتانية، فتضحك ليلى لأول مرة بصوت واضح. صوت ضحكتها كان غريب عليه، كأنه سمع موسيقى في بيت كان ساكت سنين.

في يوم من الأيام، وهي بتضحك على شكل الضفيرة المعوجة، قالت له: “إنت مبتعرفش خالص.” قال: “طب علميني.” وقفت وراه على الكرسي، وحاولت تمسك شعر عروستها وتشرح له. اللحظة دي كانت عادية لأي حد، لكنها بالنسبة لأحمد كانت معجزة. طفلة كانت من شهور بتترعش من وجوده، دلوقتي واقفة جنبه وتضحك. بعد سنة تقريبًا، بدأت جلسات المحكمة. ليلى ماحضرتش غير لما كان ضروري وبحماية كاملة. شهادتها اتاخدت بطريقة مناسبة لعمرها، بعيد عن مواجهة مباشرة. أحمد كان برا الأوضة مستني، رجله بتتهز من التوتر. لما خرجت، كانت باينة مرهقة، لكنها رفعت وشها وقالت: “أنا قلت الحقيقة.” حضنها وقال: “وأنا فخور بيكي.”

الحكم جه بعد شهور طويلة. طارق اتدان، وريم اتدانت كمان بتهم تخص التستر وتعريض طفلة للخطر وتهديدها بالصمت. يوم الحكم، أحمد ماحسش بفرحة. العدالة ريحت جزء من صدره، لكنها ما رجعتش الطفولة اللي اتسرقت. رجع البيت، لقى ليلى قاعدة بترسم. سألته: “خلص؟” قال: “أيوه.” قالت: “يعني مش هييجي تاني؟” قال: “مش هييجي تاني.” سكتت شوية، وبعدين مزقت ورقة قديمة كانت محتفظة بيها في علبة صغيرة. أحمد قرب وشاف إنها نسخة من أول رسمة، الأوضة المقفولة والجملة الحمرا. مزقتها حتت صغيرة، ورمتها في الزبالة. قال لها: “متأكدة؟” قالت: “مش عايزاها.” وبعد لحظة، أضافت: “بس عايزة أفتكر إني قلت.” أحمد فهم.

مش عايزة تفتكر الرعب، عايزة تفتكر شجاعتها. بعد سنتين، كان كل شيء اتغير. أحمد طلق ريم رسميًا، وحصل على حق رعاية ليلى بعد إجراءات طويلة ودعم من التقارير. نقلوا لشقة جديدة أصغر، لكنها دافية. ليلى اختارت لون أوضتها بنفسها: أصفر فاتح. قالت إنه شبه الشمس. على باب الأوضة علقت ورقة كتبت عليها بخط طفولي: “ممنوع الدخول إلا بالاستئذان.” أحمد لما شافها ابتسم وقال: “قانون مهم.” قالت بجدية: “كل الناس لازم تستأذن.” قال: “صح.” في المدرسة، بدأت تتحسن. بقت تحب الرسم، وتدخل مسابقات صغيرة، وتكسب شهادات تقدير. في أول حفلة مدرسية، وقفت على المسرح تقرأ فقرة قصيرة عن الشجاعة.

صوتها كان بيرتعش، وعينيها كانت بتدور وسط الجمهور لحد ما لقت أحمد. كان واقف في آخر القاعة، بيصفق لها قبل ما تبدأ حتى. ابتسمت، وكملت. قالت: “الشجاعة مش إنك ماتخافش… الشجاعة إنك تقول الحقيقة حتى وإنت خايف.” المدرسين صفقوا، ومنى عيطت، وأحمد حس إن قلبه هيطلع من صدره. بعد الحفلة، جريت عليه وقالت: “كنت كويسة؟” قال: “كنتِ عظيمة.” وفي نفس الليلة، وهي بتحط شهادتها على المكتب، قالت له: “ينفع أقولك يا بابا؟” أحمد وقف مكانه. الكلمة نزلت عليه كأنها ضوء. حاول يتكلم، لكن صوته اختفى. ليلى اتوترت وقالت بسرعة: “لو مش عايز عادي.” نزل على ركبته قدامها، وعيونه مليانة دموع، وقال:

“أنا نفسي من زمان.” حضنته وهي بتضحك وتعيط في نفس الوقت. من يومها، البيت بقى فيه كلمة جديدة. بابا. كلمة كانت بتتقال بحذر في الأول، وبعدها بقت طبيعية، بتتنادى من المطبخ، من الأوضة، من ورا باب الحمام وهي بتسأل عن فوطة، من على باب المدرسة وهي بتلوح له. وكل مرة كان أحمد يرد كأنه بيسمعها لأول مرة. بعد سنين، لما كبرت ليلى شوية، سألت أحمد عن اليوم اللي لقى فيه الرسمة. كانوا قاعدين في البلكونة، وهي بقت أطول، وشعرها ماعدش ضفاير صغيرة، لكن عينيها لسه فيها نفس العمق. قالت: “إنت خفت يومها؟” قال: “أكتر يوم خفت فيه في حياتي.” قالت:

“بس ماخوفتنيش.” ابتسم وقال: “عشان إنتِ كنتِ محتاجة حد ثابت.” قالت: “أنا كنت فاكرة إن محدش هيصدقني.” قال: “وأنا كنت محتاج أسمعك عشان أفهم.” سكتت، وبعدين قالت: “أنا مش زعلانة إني قلت.” قال: “ولا أنا.” بصت للسما وقالت: “أحيانًا بحس إن البنت اللي في الرسمة دي مش أنا.” قال: “هي كانت إنتِ… بس إنتِ مش هي وبس. إنتِ أكبر من اللي حصل.” ليلى ابتسمت، وقالت: “عارف؟ أنا عايزة لما أكبر أساعد أطفال خايفين يتكلموا.” أحمد حس إن الدائرة اللي بدأت بورقة مرعبة ممكن تنتهي بنور. قال لها: “هتعملي ده. وهتكوني شاطرة جدًا.”

في تلك اللحظة، لم يكن الماضي قد اختفى تمامًا، لكنه لم يعد يملك البيت. لم يعد يملك صوتها، ولا نومها، ولا مستقبلها. كان مجرد باب قديم اتقفل، ومفتاحه اترمى بعيد. أما ليلى، الطفلة اللي كانت بتترجى أمها ماتسيبهاش لوحدها، فقد تعلمت أخيرًا إن الوحدة مش قدر، وإن في ناس بتظهر في آخر لحظة، تمسك إيدك، وتقول لك: أنا مصدقك. وأنا مش همشي. وتمضي الأيام، وتكبر ليلى، لكن أحمد ظل يحتفظ بأول رسمة جديدة رسمتها بعد النجاة: بيت صغير بشباك مفتوح وشمس داخلة منه. حطها في برواز وعلقها في الصالة. وكلما سأله أحد عن معناها، كان يبتسم ويقول: “دي مش رسمة بيت…

دي رسمة نجاة.” أما ليلى، فكانت كلما نظرت إليها تفتكر أن الصوت الضعيف الذي خرج منها في تلك الليلة لم يكن ضعفًا أبدًا، كان بداية الحياة كلها. تمت

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!