
ولم تخن
ولم تكن زوجة كريم لا في الحقيقة ولا في الكذب الذي صنعه
ثم وضعت فلاشة أمامهم
وقالت
دي سجلات الدخول والكاميرات ورسائل التهديد والتحويلات
ابتسامة كريم اختفت
حاول أن يتكلم
لكن المحامية نهى قاطعته
من الأفضل ألا تقول شيئا قبل أن يصل المستشار القانوني
وبعدها بدقائق دخل رجلان من إدارة المراجعة الداخلية ومعهم ممثل قانوني
حينها فقط فهم كريم أن اللعبة انتهت
ليس تماما
لكنها بدأت تنقلب
بعد الاجتماع انهار كل شيء بسرعة
تم تجميد صلاحيات كريم
بدأ التحقيق
ظهرت حسابات خارجية
ظهرت شركات وهمية
وظهر أن كريم كان يستغل اسم ليلى وقوتها ليحتمي بها
أما الحارس عم حسين فجاء بنفسه إلى سامح في أحد الأيام
وقف أمامه خجلا وقال
سامحني يا أستاذ
أنا كنت فاكر
سامح ربت على كتفه
إنت قلت اللي كنت شايفه
المشكلة مش عندك
لكن رغم أن الحقيقة بدأت تظهر
بيت سامح وليلى لم يرجع كما كان
كانا ينامان في غرفتين منفصلتين
يتكلمان في الضرورة
يشربان القهوة في صمت
ليلى حاولت أكثر من مرة أن تفتح كلاما عن الزواج
وسامح كان يهرب
ليس
لأنه لم يحبها
بل لأنه أحبها أكثر مما يحتمل
وفي ليلة هادئة
وضعت ليلى ظرفا أمامه
قالت
ده تنازل
نظر إليها
عن إيه؟
عن نصيبي في الشقة
اتسعت عيناه
قالت
لو قررت تمشي أو تطلقني مش هادخل معاك في حرب
سامح نظر إلى الورق طويلا
ثم مزقه بهدوء
ليلى شهقت
قال
أنا مش كريم
بكت بصمت
قالت
أنا عارفة
قال
لا مش عارفة
إنتي طول السنة اللي فاتت كنتي بتتعامل معايا كأني هكسرك لو شفت ضعفك
بس أنا عمري ما كنت عدوك
هي اقتربت وجلست أمامه
وقالت
أنا عارفة دلوقتي
قال بحزن
متأخر
هزت رأسها وهي تبكي
يمكن
ثم قالت
بس لو لسه في جزء صغير جواك يقدر يسمعني
أنا مش طالبة تسامحني النهارده
ولا ترجع زي الأول
أنا بس طالبة فرصة أقولك الحقيقة كل يوم لحد ما تصدق إن مفيش حاجة مخبية
نظر إليها طويلا
لم يقل نعم
ولم يقل لا
لكن في الصباح التالي
ترك لها كوب قهوة على الطاولة قبل أن يخرج
وكان هذا أول باب صغير يفتح
مرت شهور
التحقيق انتهى بإدانة كريم في مخالفات مالية كبيرة
خرج من الشركة مكسورا كما دخلها متغطرسا
وفي آخر يوم له حاول أن يواجه ليلى في الجراج
قال لها بسخرية
من غيري كنتي هتفضلي صاحبة مكتب صغير
لكنها لم ترتجف هذه المرة
قالت
ومن غير خوفي كنت هاطردك من أول يوم
ثم أكملت طريقها
كان سامح ينتظرها عند السيارة
لم يسألها ماذا قال
فقط فتح لها الباب
وفي تلك اللحظة عرفت ليلى أن الأمان لا يعود مرة واحدة
بل يعود بتفاصيل صغيرة
باب سيارة
كوب قهوة
صمت لا يعاقب
ومع الوقت بدأت الشركة تتعافى
ليلى أعلنت أمام الموظفين حقيقة الوضع دون تفاصيل جارحة
اعتذرت عن الكذبة التي سمحت لها أن تنتشر
وقالت جملة لم ينساها أحد
أي مؤسسة تبنى على الخوف تصبح سجنا حتى لو كان زجاجها لامعا
أما سامح فصار يزورها أحيانا في الشركة
لكن هذه المرة كان يدخل من الباب نفسه
وعم حسين يقف له مبتسما ويقول بصوت واضح
اتفضل يا أستاذ سامح
جوز مدام ليلى الحقيقي
وفي أول مرة قالها
توقفت ليلى عند المصعد
نظرت إلى سامح بخجل
أما هو فابتسم ابتسامة صغيرة
ليست ابتسامة انتصار
بل ابتسامة رجل تعب كثيرا حتى يجد طريقا وسط الرماد
بعد سنة كاملة
في ذكرى زواجهما
لم يذهبا
إلى مطعم فاخر
رجعا إلى الشارع القديم حيث كان أول مكتب للشركة
المبنى كان متهالكا
والسلم ضيقا
والباب الحديدي ما زال يحمل آثار اللافتة القديمة
وقفت ليلى أمامه وقالت
هنا كنت فاكرة إن الحلم محتاج فلوس بس
سامح قال
الحلم محتاج ناس ما تكدبش على بعض
نظرت إليه بعينين دامعتين
معاك حق
أخرجت من حقيبتها مفتاحا صغيرا
قالت
استأجرت المكتب تاني
استغرب
ليه؟
ابتسمت
عايزة أعمل منه مكان تدريب للبنات اللي بيبدأوا من الصفر
بس المرة دي مش هعلمهم بس إزاي ينجحوا
هعلمهم إزاي ما يخافوش يطلبوا مساعدة
سامح نظر إليها طويلا
ثم قال
دي أحسن فكرة عملتيها
سألته بحذر
هتساعدني؟
سكت لحظة
ثم أخذ المفتاح من يدها
وقال
بس بشرط
إيه؟
أي ورقة قبل ما تمضيها نقراها سوا
ضحكت وسط دموعها
اتفقنا
في تلك الليلة عادا إلى البيت
لا شيء عاد كما كان
وهذا كان مؤلما في البداية
ثم صار نعمة
لأن ما كان قبل ذلك لم يكن مثاليا كما ظنا
كان فيه حب نعم
لكن فيه صمت
فيه تضحية
لكن فيه خوف
فيه نجاح
لكن فيه أسرار صغيرة كانت تكبر في الظلام
أما الآن فكان كل شيء أقل لمعانا
وأكثر صدقا
في الصباح وضعت ليلى لافتة صغيرة على مكتبها الجديد
لم تكن مكتوبا عليها
رئيسة تنفيذية
ولا مؤسسة
ولا اسم الشركة
كتبت فقط
القوة ليست أن تخفي ضعفك
القوة أن تختار الشخص الذي لا يستغله
وعندما دخل سامح يحمل لها القهوة والغدا كما فعل في ذلك اليوم البعيد
ابتسمت له
لكن هذه المرة لم يكن بينهما حارس مرتبك
ولا رجل يدعي مكانا لا يخصه
ولا كذبة واقفة عند المصعد
كان هناك فقط رجل وامرأة
خسرا الثقة يوما
ثم تعلما أن الحب الحقيقي لا ينجو لأنه لم ينكسر
بل لأنه يجد الشجاعة أن يعترف بالكسر
ويبدأ من جديد
تمت…
