Advertisements
Advertisements
منوعات

صدفه طارئه حكـايـات أسمـا ×2

Advertisements

— يبقى— — بس مش هسيبك على سلم. النبرة ماكانتش عالية. لكنها كانت نهائية. عم رجب وقف بينهم مش فاهم هو بيتفرج على إيه. ريم حست إن طاقتها للجدال خلصت. حرفيًا خلصت. جسمها بيوجعها. دماغها بتزن. عينيها هتقفل وهي واقفة. وفجأة العالم مال. مش مجازًا. ريم فعلاً اتمايلت. سليم لحقها قبل ما تقع. المرة دي مسكها من كتفها وخصرها بسرعة، وإحساس إن جسمها بقى خفيف في إيده خضه أكتر مما أظهر. وشها كان شاحب جدًا، وشفايفها فقدت لونها.

قال بحدة لمصطفى: — افتح العربية. ريم حاولت تفتح عينيها. — أنا… كويسة… — إنتِ هتسكتي خالص دلوقتي. — ماينفعش تكلمني كده… — ينفع لما تكوني على وشك الإغماء. ساعدها تركب، وقعد هو جنبها. مصطفى اتحرك بسرعة. ريم كانت حاسة بكل حاجة من ورا طبقة ضباب. صوت المطر. ريحة العطر. إيد سليم وهو بيقيس نبضها من معصمها بطريقة مش محترفة لكنها حذرة. همست: — أنت بتعمل إيه؟ — بشوف لسه عايشة ولا لأ. — دكتور بقى؟

— مستثمر في مستشفيات. — مش نفس الحاجة. — واضح. كانت هتضحك، لكن الدوخة شدتها. سليم قرب زجاجة مياه من إيدها. — اشربي. شربت رشفات صغيرة. بعد دقائق، بدأت ترجع لوعيها أكتر. لقت العربية ماشيه. اتعدلت بسرعة. — إحنا رايحين فين؟ — الفيلا. — لا! — ريم. — قولت لا. — وأنتِ أغمي عليكِ تقريبًا. — مغميش عليا. — جسمك أعلن استقالته. — جسمي درامي. — وأنا مش فاضي أخد رأيه. بصتله بغضب متعب: — أنت مستفز جدًا.

— وأنتِ عنيدة جدًا. — دي حياتي. — وحاليًا حياتك قاعدة في عربيتي للمرة التانية في نفس الليلة. كانت هترد، لكن الجملة خلتها تضحك رغمًا عنها. ضحكت وهي حاطة إيدها على وشها. ضحكة طويلة شوية. مرهقة. فيها دموع مستخبية. وسليم سابها تضحك. ماقاطعهاش. لأن الضحكة دي كانت أقرب للانهيار من الفرح. لما سكتت، قالت بصوت واطي: — أنا بجد مش متعودة حد يساعدني. الجملة خرجت منها من غير ما تقصد. سليم بص لها. ريم كملت وهي باصة للإزاز: — مش بحب أحس إني تقيلة على حد. ولا بحب أدي فرصة لحد يقوللي بعدين “أنا عملتلك”. فبختار أتعب لوحدي أحسن.

  سليم سكت ثواني. وبعدين قال: — مش كل مساعدة دين. ريم بصتله. قال وهو باصص قدامه: — أحيانًا بتبقى… مجرد مساعدة. — بتقولها كأنك بتحاول تقنع نفسك. عينه اتحركت ناحيتها. هي ابتسمت بخفوت. — آسفة. طبيعة شغل. بنشخص الناس غصب عننا. — وشخصتيني بإيه؟ — حالة مزمنة من السيطرة، مع مضاعفات كتمان عاطفي. مصطفى كتم ضحكته تاني، لكن المرة دي سليم سمعه. — ركز في السواقة يا مصطفى. — حاضر يا باشا. ريم ابتسمت.

وسليم، رغم نفسه، حس إن العربية بقت أدفى.   بعد حوالي نص ساعة، العربية دخلت بوابة حديد ضخمة في منطقة هادية. ريم بصت من الإزاز واتسعت عينيها. الفيلا ماكانتوش مجرد فيلا.   كانت قصر صغير. حديقة واسعة، إضاءة أرضية خافتة، أشجار عالية بتتحرك مع المطر، واجهة حجرية فخمة، شبابيك طويلة، وحراسة واقفة عند المدخل كأنها داخلة مبنى سيادي. ريم قالت بصوت منخفض: — ده بيت ولا سفارة؟ سليم قال: — بيت. — متأكد؟ — أحيانًا لأ.

قالها ببرود، لكنها التقطت المرارة اللي وراها. العربية وقفت قدام المدخل. قبل ما ريم تفتح الباب، سليم نزل وفتحلها بنفسه. هي بصتله باستغراب. — أنت بتفتح الباب للناس؟ — لا. — طب ليه؟ — عشان لو وقعتي تاني هتبقى مشكلة ورقية. — يعني مش ذوق؟ — ذوق برضه. بس أنا بحب أبرر الحاجات عمليًا. ابتسمت وهي بتنزل بحذر. أول ما دخلوا، الباب اتفتح من جوه، وظهرت سيدة في الخمسينات تقريبًا، ملامحها طيبة لكن عينيها ذكية جدًا.

— سليم بيه؟ عينها راحت فورًا على ريم بسكرابزها وشحوبها وشعرها المتلخبط. سليم قال بهدوء: — مدام ناهد، الدكتورة ريم هتستريح في جناح الضيافة لحد الصبح. محتاجين أكل خفيف، شاي، وعلبة إسعافات لو سمحتي. مدام ناهد ابتسمت فورًا لريم. — تحت أمرك يا بنتي. شكلك تعبانة أوي. الجملة البسيطة دي خلت صدر ريم يوجعها. “يا بنتي.” كلمة عادية. بس بعد يوم طويل من الأوامر والنداءات والاستدعاءات والمرضى والصراخ… كانت الكلمة حنينة زيادة عن اللزوم. ريم قالت بصوت متحشرج: — شكرًا.

سليم لاحظ تغير صوتها، لكنه ماعلقش. مدام ناهد قادتها لجناح ضيافة في الدور الأرضي. غرفة واسعة جدًا، سرير كبير، ألوان هادية، حمام خاص، شباك على الحديقة. ريم وقفت عند الباب كأنها خايفة تدخل. سليم وقف بعيد، محافظ على مسافة محترمة. — هتنامي هنا. الباب بيتقفل من جوه. محدش هيدخل عليكِ. الصبح مصطفى يوصلك. ريم بصت للغرفة وبعدين له. — أنا مش عارفة أقول إيه. — ماتقوليش حاجة. — لازم أقول شكرًا على الأقل. — قلتيها كتير.

سكتت لحظة. — أنا هردلك الفلوس لو في أي تكلفة. وشه برد فورًا. — مفيش تكلفة. — لا، أنا— — ريم. نبرة اسمه لها تاني وقفتها. قال بهدوء: — نامي. لأول مرة، ماردتش. يمكن لأنها فعلًا ماعندهاش طاقة. يمكن لأنها، رغم كل الخوف الطبيعي، حست إن المكان آمن بشكل غريب. دخلت الغرفة، ومدام ناهد دخلت بعدها بصينية عليها شوربة سخنة وعيش محمص وشاي. سليم كان هيمشي، لكن ريم نادته بصوت ضعيف: — سليم بيه. التفت.

— ليه ما سألتنيش أسئلة؟ — زي إيه؟ — ليه لوحدي. ليه مفيش حد أتصل بيه. ليه حالتي كده. أي حد مكانك كان هيبقى فضولي. سليم بص لها طويلًا.   وبعدين قال: — عشان واضح إنك مش محتاجة تحقيق. محتاجة تنامي. الكلمة سكتتها تمامًا.   وبعدها مشي. ريم فضلت واقفة لحظة، سامعة خطواته بتبعد في الردهة الواسعة. مدام ناهد حطت الصينية وقالت بحنان: — كلي لقمتين يا دكتورة. وشوفي رجلك دي. ريم قعدت على طرف السرير. فجأة حست إنها لو حد قالها كلمة طيبة زيادة هتعيط.

فمسكت المعلقة بسرعة وأكلت. الشوربة كانت دافية بشكل مؤلم. كل رشفة كانت بتفك عقدة صغيرة جواها. وبعد ما مدام ناهد خرجت، ريم دخلت الحمام غسلت وشها. بصت لنفسها في المراية. عينين حمرا. وش شاحب. شعر منكوش. سكرابز عليه بقعة مطهر. وحياة كلها ماشية بالعافية. همست لنفسها: — إنتِ إيه اللي جابك هنا يا ريم؟ بس جواب السؤال ماكانش عندها. نامت بعد أقل من عشر دقايق. نامت بعمق كأنها أول مرة تنام من سنين. لكن في الدور العلوي…

سليم ما نامش. كان واقف في مكتبه قدام الشباك، ماسك كوباية قهوة ما شربش منها، وبيبص للمطر على الحديقة. مفروض الليلة دي كانت عادية. اجتماع فاشل. مكالمة من فريدة. تهرب من عشاء عائلي سام. رجوع للبيت. شغل لحد الفجر. لكن بنت لابسة سكرابز ركبت عربيته بالغلط… وقلبت ترتيب الليلة كلها. والأغرب؟ إنه ماكانش متضايق. الباب خبط. دخلت مدام ناهد بهدوء. — نامت. سليم هز راسه. — أكلت؟ — شوية. باين عليها كانت جعانة وتعبانة جدًا. رجلها وارمة. حطيتلها رباط خفيف.

سليم سأل بسرعة أكتر مما يحب: — الورم شديد؟ مدام ناهد خبّت ابتسامتها. — لا. بس محتاجة راحة. — كويس. مدام ناهد فضلت واقفة. سليم بصلها. — في حاجة؟ قالت بهدوء: — أول مرة حضرتك تجيب حد هنا. ملامحه اتصلبت. — هي حالة طارئة. — طبعًا. — مدام ناهد. — حاضر، مش هتكلم. لكن ابتسامتها كانت بتتكلم بدلها. خرجت، وسليم رجع يبص للشباك. “حالة طارئة.” قالها لنفسه تاني. لكن جواه كان عارف إن الموضوع أكبر من كده.

مش حب. مش إعجاب حتى. بس فضول. فضول خطر. لأن ريم عبدالسلام كانت النوع الوحيد من الناس اللي سليم مايعرفش يتعامل معاهم بسهولة. ناس حقيقية زيادة عن اللزوم. ناس لما تتعب، التعب يظهر. لما تضحك، الضحكة تطلع من القلب. لما تخاف، تعترف بطريقة ملتوية. ولما تتكسر، تفضل واقفة وتقول: “هتصرف.” سليم كان طول عمره محاط بناس بتعرف تمثل. هي ماكانتش بتمثل. وده كان مرعب. بعد ساعة تقريبًا، سليم نزل بهدوء للدور الأرضي. مش عارف ليه. أو عارف ومش عايز يعترف. وقف بعيد عن جناح الضيافة، بس سمع صوت خافت من جوه.

صوتها. كانت بتتكلم وهي نايمة.   وقف مكانه. الصوت كان متقطع: — لا… سيبوني… المريض محتاج إنعاش… بسرعة…   سليم قرب خطوة من الباب من غير ما يفتحه. صوتها اتكسر: — أنا مش قادرة… والله مش قادرة… الجملة ضربته في مكان غريب. سليم الحديدي، اللي اتعود يسمع تهديدات ومفاوضات وابتزازات ووعود كاذبة، وقف قدام باب غرفة بنت غريبة… عاجز قدام جملة واحدة. “والله مش قادرة.” مد إيده كأنه هيفتح الباب، لكنه وقف. لا. مش من حقه.

رجع خطوة. وبعدين قال بصوت منخفض، رغم إنها مش سامعاه: — نامي يا ريم. محدش هيطلب منك حاجة دلوقتي. وفي نفس اللحظة، في مكان تاني تمامًا… في فيلا قديمة على النيل، كانت فريدة الحديدي واقفة قدام مرآة طويلة، لابسة روب حرير نبيتي، وماسكة موبايلها بعصبية. قدامها راجل كبير قاعد على كرسي متحرك، ملامحه قاسية رغم التعب، عينيه مليانة غضب. قال بصوت مبحوح: — ماجاش؟ فريدة ضغطت على الموبايل. — كالعادة. سليم بيعمل اللي في دماغه.

الراجل الكبير، جلال الحديدي، شد على مسند الكرسي. — لازم ييجي. بكرة. — هييجي غصب عنه. — مش عايز أعذار. موضوع الجواز لازم يخلص. فريدة ابتسمت ابتسامة باردة. — نادين جاهزة. وأهلها موافقين. وسليم مهما عمل، في الآخر هيختار مصلحة المجموعة. جلال بص لها بنظرة حادة. — سليم مابيختارش غير نفسه. فريدة قالت بثقة: — يبقى نكسر نفسه. وفي تلك اللحظة بالذات، كان سليم واقف في قصره، قدام باب غرفة ريم، لا يعرف إن الليلة الغريبة دي… مش مجرد حادث بسيط.

دي كانت أول شرخ في الخطة اللي عيلته رسمتها له. وأول مرة، من سنين طويلة، يدخل حياته شخص لم يكن جزءًا من الحسابات. شخص نام في عربيته بالغلط. لكنه سيصحو داخل قلبه… بقصد أو بغير قصد. يتبع

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!