كباية القهوة بردت في إيدي وأنا لسه ماسكة الموبايل. التهديد كان واضح، وصوت الراجل كان فيه نبرة حد واثق إن الأرض اللي أنا واقفة عليها مش ثابتة زي ما أنا فاكرة.
قمت وقفت وبدأت ألف في الصالة الكبيرة. الفيلا اللي كانت من شوية رمز لانتصاري، بدأت أحس إن حيطانها بتضيق عليا. كريم مش بس سرق فلوسي، ده ورطني في قذاراته وشبكة ديونه عشان يضمن إني حتى لو خدت البيت، ما اتهناش بيه.
فجأة، جرس الباب رن. قلبي دق بسرعة. بصيت من الكاميرات اللي على الباب، لقيت شخص غريب، لابس بدلة رسمية ومعاه شنطة جلد. فتحت الإنتركم وسألت بحذر: “مين حضرتك؟”
رد بصوت هادي:
“أنا الأستاذ غسان، محامي شركة (العمار للاستثمار). وليّ شغل مع الأستاذ كريم حلمي بخصوص الفيلا دي.”
فتحت الباب وأنا مقررة إني مش هخاف. دخل الراجل وبص حواليه بنظرة فاحصة، وبعدين بصلي وقال:
“مدام مي؟ أنا عرفت إن الأستاذ كريم مشي. بس للأسف، كريم بيه كان ماضي عقد (بيع ابتدائي) لنسبته في الفيلا دي لشركتنا من ست شهور مقابل سيولة مالية ضخمة.”
حسيت ببرودة بتجري في جسمي:
“بس هو مملكش النسبة دي كاملة عشان يبيعها! أنا معايا حكم محكمة وحجز!”
غسان طلع ورق من شنطته وحطه على الترابيزة: “هو باع (حق منفعة وحصة مشاعة). وده قانوناً يخلينا شركاء ليكي في البيت ده. يعني ببساطة يا مدام، إحنا من حقنا نبعت ناس تسكن في الحصة بتاعتنا، أو نهد الأجزاء اللي تخصنا.. إلا لو سددتي ديون كريم اللي وصلت لعشرة مليون جنيه بفوائدها.” ضحكت بمرارة: “دي تمثيلية.. كريم هو اللي باعثك صح؟”
غسان ابتسم ابتسامة باهتة:
“كريم بيه دلوقتي بيدور على مكان ينام فيه هو ووالدته. إحنا شركة استثمار، ومصلحتنا فوق كل شيء. قدامك ٤٨ ساعة؛ يا تشتري حصتنا بالثمن اللي نحدده، يا إما تستعدي لشركاء جدد هيعيشوا معاكي هنا.. وأظن النوعية اللي بنأجر لها مش هتعجبك.” ساب الكارت بتاعه ومشي. وقفت في نص الصالة، والمكان اللي كان فخر لعيلة حلمي، بقى عبارة عن فخ منصوب ليا. كريم كان عارف إن الورقة اللي في البنك هتكسبني القضية، فعشان كده “حرق” البيت باللي فيه.
طلعت تليفوني وكلمت المحامي بتاعي، وصوتي كان بيترعش:
“يا متر، كريم باع حصة مشاعة لشركة استثمار.. التصرف ده قانوني؟”
المحامي سكت لحظة وبعدين قال: “لو العقد تاريخه قديم وقبض الثمن فعلاً، هتبقى مشكلة كبيرة يا مي.. إحنا كده دخلنا في سكة ‘وضع اليد’. كريم بيلعب لعبة الأرض المحرو-قة.” قعدت على السلم، في نفس المكان اللي كريم كان واقف فيه وهو بيتجمد من الصدمة الصبح. دلوقتي أنا اللي متجمدة. فجأة سمعت صوت خبط ورزع بره الفيلا.
جريت على الشباك، لقيت لودر صغير وناس بتبدأ تنصب خيمة في الجنينة اللي قدام الباب!
نزلت بسرعة وزعقت فيهم: “إنتوا بتعملوا إيه هنا؟” واحد من العمال بصلي ببرود وقال:
“إحنا تبع شركة العمار يا مدام.. وجايين نستلم الحصة المشاعة بتاعتنا في الجنينة. تعليمات الإدارة إننا نبدأ نجهز المكان لـ ‘مخازن’ مؤقتة.”
في اللحظة دي، شفت عربية كريم معدية من قدام الفيلا ببطء.. كريم كان سايق، وبصلي من ورا القزاز وابتسم ابتسامة نصر صفرا، وكأنه بيقولي:
“لو مش هتبقى ليا.. مش هتبقى ليكي.”
دخلت الفيلا وقبل ما أقفل الباب، شفت مدام سعاد قاعدة في العربية ورا، بتبص لي بمنتهى الشماتة وهي بتعدل طرحتها.
المعركة ما خلصتش بطردهم.. المعركة الحقيقية يادوب بدأت، والعدو المرة دي مش بس كريم.. ده وحوش مابترحمش.
#الكاتب_رومانى_مكرم
دخلت الفيلا وقبل ما أقفل الباب، كان صوت الرزع بره بيعلى، والعمال بدأوا يفرغوا مواسير حديد في نص الجنينة. كانت خطة كريم واضحة؛ هيحول حياتي لجحيم ويخلي الفيلا “خرابة” عشان أجري وراه أترجاه يرجع ويخلصني من الناس دي. طلعت موبايلي وكلمت “المعلم زكي”، المقاول اللي كان شغال في تشطيبات الفيلا زمان والوحيد اللي كان عارف أصل كل مسمار في البيت ده بفلوس مين. قلتله وصوتي فيه نبرة غضب مكتوم: “يا معلم زكي، عايزك تجيلي الفيلا دلوقتي ومعاك عشر رجالة من بتوع المحاجر.. فيه ناس بتحاول تهد تعب أبويا، وأنا مش هسمح لده يحصل.”
ساعتها سمعت صوت فرملة عربية كريم تاني. نزل منها وهو بيضحك وبص للعمال بتوع شركة الاستثمار وقال بصوت عالي عشان أسمعه:
“نورونا يا رجالة! اشتغلوا براحتكم، المكان مكانكم!” بصيت له من فوق البلكونة وقلت ببرود: “اضحك يا كريم.. اضحك على قد ما تقدر. بس إنت نسيت حاجة مهمة قوي.” كريم سحب سيجارة ونفخ دخانها في الهوا وقال بسخرية:
“نسيت إيه يا ست العارفين؟ الورق اللي معاكي بليّه واشربي ميته.. الأرض دي بقى فيها شركاء، والشركاء دول مبيخافوش من المحاكم.”
قلت له وأنا ببتسم: “نسيت إن المقدم اللي أنا دفعته، والوصل اللي إنت مضيت عليه، مكنش بس للبيت.. كان فيه بند صغير إنت ما قريتوش من كتر ما كنت ملهوف على السيولة.. بند بيقول إن في حالة النزاع، يحق لي استرداد المبلغ ‘بقيمته السوقية الحالية’ كاش، أو الحجز على أي ممتلكات تانية باسمك.” كريم ضحك بـ استهزاء: “وممتلكات إيه اللي باسمي يا شاطرة؟ أنا معنديش غير حصتي في البيت ده وبعتها خلاص!”
فتحت الفايل اللي في إيدي وطلعت ورقة تانية خالص:
“والصيدلية اللي في المهندسين اللي كتبتها باسم والدتك من ورايا الشهر اللي فات؟ والوديعة اللي في بنك (…)؟ إنت نسيت إن المحامي بتاعي مش بس محامي.. ده خبير مالي وقدر يجيب ‘بيان حالة’ بكل تحركاتك المالية من يوم ما فكرت تطلق.”
وش كريم بدأ يبهت تاني. السيجارة وقعت من إيده. في اللحظة دي، وصلت عربية المعلم زكي ومعاه رجالة زي الشجر. نزلوا وبدأوا يحوطوا عمال شركة الاستثمار. المعلم زكي بص لكريم وقال بكلمة واحدة: “أهلا يا كريم بيه.. بقالك كتير مابنتش، بس مكنتش أعرف إنك بقيت بتمشي مع ناس بتوع وضع يد.”
كريم حاول يتكلم، بس تليفونه رن. كان “غسان” محامي الشركة.
سمعت صوت غسان وهو بيزعق في التليفون:
“إنت ورطتنا يا كريم! مدام مي بلغت الرقابة المالية عن الشركة، وقدمت بلاغ إن العقد اللي بينا وبينك ‘صوري’ لتهريب أموالك من حكم المحكمة.. إحنا هنسحب رجالتنا وفلوسنا عايزنها دلوقتي حالا بالفوائد، وإلا الورقة اللي إنت مضيتها لينا هتبقى حبل مشنقة حوالين رقبتك!”
كريم بص للموبايل بذهول.. وبص للعمال وهم بيلموا المواسير بسرعة ويهربوا من قدام رجالة المعلم زكي.
قربت من حرف البلكونة وقلت له:
“الشركة اللي كنت فاكر إنك بتتحامى فيها، أول ناس هيفرمو ك عشان يحموا نفسهم.. دلوقتي يا كريم، السؤال مابقاش ‘أنا لسه هنا ليه’..”
“السؤال بقى.. إنت هتروح فين من ديون الشركة، ومن قضية البلاغ الكاذب، ومني؟” حماتي نزلت من العربية وهي بتصرخ: “إيه اللي بيحصل يا كريم؟ ليه العمال بيمشوا؟” كريم مردش.. بص لي بنظرة أخيرة كان فيها انكسار عميق، وركب عربيته وطلع يجري كأنه بيهر-ب من وحش.. وساب أمه وأخته واقفين في الشارع وسط الشنط والمطر.
دخلت وقفلت باب البلكونة، وقفلت الأنوار.. السكون رجع تاني، بس المرة دي كان معاه ريحة الانتصار.
لكن وأنا بلم الورق من على السفرة، لقيت ظرف صغير كان غسان سابه وهو ماشي “بالغلط”.. فتحته، ولقيت فيه صورة لأبويا الله يرحمه، ومكتوب وراها بخط إيد كريم: “أبوكي مات عشان يدفع تمن البيت ده.. تفتكري هسيبهولك تعيشي فيه مرتاحة؟” جسمي اتنفض.. وعرفت إن كريم لسه عنده “كارت أخيرة” مكنتش عامله حسابه.. كارت ملوش علاقة بالقانون، بس ليه علاقة بدم أبويا. #الكاتب_روماني_مكرم
الظرف كان تقيل في إيدي كأنه حتة من جمر، والجملة اللي كتبها كريم بخط إيده ورا صورة أبويا كانت صدمة خلت نفسي يتقطع. “أبوكي مات عشان يدفع تمن البيت ده”.. الجملة دي مكنتش مجرد تهديد، دي كانت اعتراف بشع مخبي وراه سر سواد سنين.
قعدت على الأرض والورقة بتترعش في إيدي. يعني إيه؟ يعني إيه يا كريم؟
أنا فاكرة كويس يوم الحادثة، السواق اللي خبط عربية أبويا هرب ومحدش جابه، والقضية اتقيدت ضد مجهول، والتعويض اللي خدته كان من شركة التأمين مش من الجاني.
طلعت تليفوني واتصلت بالمحامي بتاعي، وصوتي كان طالع بالعافية: “يا متر.. أنا لقيت ورقة مع كريم، كلامه فيها بيلمح إن حادثة أبويا مكنتش قضاء وقدر.. كريم كان يعرف حاجة عن الحادثة دي؟” المحامي سكت فترة طويلة، وبعدين قال بنبرة قلقتني:
“مي.. أنا مكنتش عايز أفتح السيرة دي دلوقتي غير لما أتأكد، بس وأنا براجع حسابات كريم القديمة عشان قضية البيت، لقيت تحويل بنكي لمبلغ كبير خرج من حسابه لسواق نقل “سوابق” بعد الحاد-ثة بأسبوع.. السواق ده هو اللي اتقبض عليه مؤخراً في قضية تانية واعترف إنه كان شغال عند حد تبع عيلة حلمي زمان.”
الدنيا دارت بيا. البيت اللي أنا فيه، الحيطان اللي دفعت تمنها من دم أبويا.. كانت مبنية على جريمة؟ كريم خطط لده من سنين؟ خطط يخلص من أغلى إنسان في حياتي عشان يورثني وأنا لسه مراته؟
في اللحظة دي، سمعت صوت خبط هادي على باب الفيلا.
فتحت الكاميرا، لقيت “دينا” أخت كريم واقفة لوحدها، مطرية وهدومها مبلولة، وشكلها كان مرعوب.
فتحت لها الباب، دخلت وهي بترتعش ووقعت على ركبها وهي بتعيط:
“مي.. أنا آسفة.. أنا مكنتش أعرف إن كريم واصل للدرجة دي.. أنا سمعته بيكلم حد في التليفون دلوقتي، كان بيقوله ‘السر اللي بينا هيدفن معاها في الفيلا لو مخرجتش منها النهاردة’.. كريم ناوي يحرق البيت يا مي، ناوي يحرق كل حاجة عشان يداري على اللي عمله زمان!”
بصيت لها بذهول: “كريم هو اللي قت-ل أبويا يا دينا؟” دينا غطت وشها بإيدها وهي بتصرخ: “مكنش قاصد يقتله، كان عايز يعجزه بس عشان يكسر شوكته ويجبره يوافق على الجوازة ويديكم الفلوس.. بس السواق غبي وزود السرعة.. كريم عايش في الكابوس ده من سنين، وعشان كده كان بيصرف فلوسك بجنون، كان بيحاول يهرب من ذنبه!”
فجأة، شميت ريحة جاز قوية جاية من الجنينة ورا.
بصيت من الشباك، شفت خيال كريم وهو بيتحرك في الضلمة، ماسك جركن وبيدلقه على الخشب والستائر اللي في التراس. كريم مكنش بيدافع عن بيت.. كان بيدافع عن “قبر” أسراره. مسكت إيد دينا وطلعتها بره الفيلا بسرعة من الباب الخلفي، وأنا بكلم الإسعاف والشرطة. وقفت بعيد وأنا شايفة كريم وهو بيولع عود كبريت ويرميه ببرود على الستارة. النار مسكت في ثانية.. الفيلا اللي كانت حلم عمري، بقت كتلة لهب. وقفت قدامه وهو واقف يتفرج على الحريق بضحكة هستيرية، وعينه مكنتش شايفة غير النار.
قربت منه والشرطة بدأت أصواتها تعلى من بعيد، وقلت له بكل قوتي وسط صوت الفرقعة:
“النار دي مش هتحرق البيت يا كريم.. النار دي هتحرقك إنت.. والسر اللي كنت فاكر إنك هتدفنه، دينا حكتهولي.. والتحويل البنكي مسجل عند المحامي.” كريم بصلي، والضحكة اختفت من على وشه، وحل مكانها رعب حقيقي لأول مرة. بص للنار وبصلي، وحس إن الأرض بتسحب من تحت رجليه. البيت كان بيتحرق.. بس الحقيقة كانت بتطلع من وسط الرماد زي الشمس.
#الكاتب_روماني_مكرم
كانت ألسنة اللهب تلتهم كل شيء أمام عيني؛ الستائر التي اخترتها بعناية، الأثاث الذي دفع ثمنه أبي من عمره، والحيطان التي شهدت على ذلي وانكساري. لكن الغريب أنني، ولأول مرة، لم أشعر بالحزن. شعرت أن هذه النار لا تحرق بيتي، بل تطهر حياتي من دنس عائلة حلمي.
وصلت سيارات الإطفاء والشرطة في غضون دقائق، وكان كريم لا يزال واقفاً مكانه، متجمداً وهو يرى حلمه، وكذبه، وجريمته تتلاشى وتتحول إلى رماد. قبضت الشرطة عليه وعلى السواق الذي كان مختبئاً في سيارته بعد أن اعترفت “دينا” بكل شيء تحت وطأة الرعب.
في قسم الشرطة، كانت المواجهة الأخيرة.
مدام سعاد كانت تجلس على الكرسي، منكسرة، شاحبة، لا تملك حتى القوة لترفع عينها في عيني. وكريم كان يقف خلف القضبان، يرتجف وهو يواجه تهمة القتل العمد وحرق الممتلكات.
قربت من القضبان، ونظرت إليه بهدوء لم يعهده مني أبداً، وقلت:
“عارف يا كريم.. طول السنتين اللي فاتوا كنت فاكرة إن البيت ده هو اللي هيحميني، وإني لو خسرته هبقى ولا حاجة. بس وأنا شايفة النار بتآكله، فهمت إن البيت الحقيقي مش حيطان وسقف.. البيت هو الضمير اللي الواحد بينام عليه وهو مرتاح.” بص لي بعين مليانة دموع وندم، وقال بصوت مخنوق: “سامحيني يا مي.. أنا حبيت الفلوس أكتر منك، وحبيت نفسي أكتر من أي حد.” ابتسمت بمرارة ورديت:
“المسامحة عند ربنا يا كريم.. أما أنا، فـ “حقي” هو اللي هيخليني أنام مرتاحة النهاردة. إنت مش بس خسرت الفيلا، إنت خسرت نفسك، وأهلك، وتاريخك.. وخرجت من حياتي ومن الدنيا كلها “حافي” زي ما كنت عايز تخرجني.”
خرجت من القسم وأنا أتنفس هواء الفجر البارد. الفيلا احترقت، لكن الأرض لا تزال ملكي، والتعويض سيُعاد تقييمه، وحق أبي عاد بعد سنوات من الضياع. ### **الحكمة من القصة:** البيوت التي تُبنى على أنقاض حقوق الآخرين ودموعهم، مهما زانها الحجر الأبيض والرخام، تظل قصوراً من ورق، تسقط مع أول هبة ريح للحق. لا يغرك بريق البدايات الظالمة، فإن للظلم نهاية لا ينجو منها إلا صاحب النية الصافية.
**”ما بُني على باطل، فهو باطل.. والمال الذي لا يبارك فيه الحق، يصبح وقوداً للنار التي تأكل صاحبها قبل أن تأكل جدرانه.”**
تمت.
#الكاتب_رومانى_مكرم

