سر يوم التخرج بقلم مجهول حصري لحكايات اسما السيد _ ممنوعه من النسخ

أبويا رباني لوحده بعد ما أمي سابتني وأنا عندي 3 شهور، وحطتني في باسكت العجلة بتاعته ومشيت. وبعد 18 سنة، ظهرت فجأة في حفل تخرجي ومعاها سر قلب حياتي كلها. أبويا “محمود” عمره ما كان متخيل إنه يبقى أب وهو عنده 17 سنة. خصوصًا قبل تخرجه من الثانوية العامة بكام يوم. زي ما كان دايمًا بيحكيلي، كان راجع من شغلانة ليلية في محل كشري في طنطا، ولما قرب من البيت لاحظ حاجة غريبة جنب سور البيت.
عجلته القديمة. وفي الباسكت اللي قدام… كان فيه طفل صغير. أنا. كان فيه ورقة متنية جوه البطانية مكتوب فيها سطرين بس: “البنت دي بنتك… أنا مش قادرة أكمل.” وده كان آخر أثر لأمي “سعاد”. أبويا مكانش يعرف أصلًا إنها كانت حامل. تاني يوم دخل حفل التخرج بتاعه وهو شايل قبعة التخرج في إيد، وأنا في الإيد التانية. ولحد النهارده عندنا صورة متعلقة في الصالة من اليوم ده. شاب عنده 17 سنة، ملامحه كلها خوف وتوتر، لابس بدلة التخرج، وحاضن طفلة رضيعة عندها 3 شهور.
بس فضل موجود. مسبنيش. رباني. اشتغل في مواقع البناء، وكان بيوصل طلبات بالليل، وساب حلم الجامعة عشان يعرف يصرف علينا. اتعلم يسرحلي شعري من فيديوهات على النت، وكان بيحضرلي سندوتشات المدرسة، ويساعدني في المذاكرة، وبطريقة غريبة عمره ما خلاني أحس إني بنت متسابة. كان دايمًا كل اللي محتاجاه. يوم تخرجي من جامعة طنطا، معزمتش أي حد غيره. لا صحاب ولا خطيب. اخترت أبويا. مشينا سوا في ملعب الجامعة اللي كان فيه الاحتفال، وهو بيحاول يبان قوي رغم إن عينيه كانوا مليانين دموع.
وفجأة، في نص الحفل، ست قامت من بين الحضور. ومشت ناحيتنا مباشرة. عيوننا اتقابلت. همست وهي بتترعش: “يا نهار أبيض…” فضلت باصة ليّ كام ثانية. وبعدين قالت بصوت واطي: “قبل ما تحتفلي النهارده… لازم تعرفي حاجة مهمة عن الراجل اللي طول عمرك فاكراه أبوكي.” اتجمدت مكاني. وبصيت لأبويا محمود. وشه شحب فجأة، وكأنه عرف الست دي أول ما شافها. قلت لها بتوتر: “حضرتك مين؟” دموعها نزلت وهي بترد: “أنا… أمك.” الكلمة وقعت عليا زي الصاعقة.
18 سنة كاملة وأنا بتخيل اللحظة دي. كنت فاكرة إني لو شوفتها هصرخ، أو أعيط، أو أسألها ليه سابتني. لكن ولا حاجة من ده حصل. كل اللي حسيت بيه كان فراغ. بصيت لها ثانية، وبعدها بصيت لأبويا. هو الراجل اللي سهر عليا وأنا مريضة. هو اللي حضر كل حفلات المدرسة. هو اللي اشتغل ليل ونهار عشان أتعلم. أما هي… فكانت مجرد غريبة. قالت وهي بتحاول تقرب: “أنا عارفة إني غلطت… بس لازم تعرفي الحقيقة.” رد أبويا بهدوء:
“سعاد… مش هنا.”
لكنها هزت راسها وقالت: “لازم تعرف.” لفت ناحيتي وقالت: “محمود مش أبوكي الحقيقي.” سكت المكان كله بالنسبالي. كأن الأصوات اختفت. قلت بصعوبة: “إيه؟” قالت:
“أنا كنت مرتبطة بشخص تاني قبل محمود. ولما حملت، الشخص ده هرب. كنت صغيرة وخايفة. ومحمود كان الوحيد اللي أعرفه وقتها. لما ولدتك فقدت السيطرة وسِبتك عنده.” بصيت لأبويا. كنت مستنية منه ينكر. لكنه نزل عينيه للأرض. وده كان كفاية. الحقيقة كانت صح. حسيت إن الدنيا بتلف بيا. لكن بعد ثواني، أبويا مسك إيدي.
وقال بصوت ثابت: “أنا فعلًا مش أبوكي البيولوجي.” دموعي نزلت. فكمل: “لكن من يوم ما لقيتك في باسكت العجلة، بقيتي بنتي. باختيار مني. كل يوم لمدة 18 سنة كنت باختار أبقى أبوكي.” سعاد حاولت تتكلم: “أنا جيت النهارده عشان أصلح اللي فات…” لكن قبل ما تكمل، سألتها: “إنتِ فاكرة عيد ميلادي كام مرة؟” سكتت. “عارفة كنت بحب إيه وأنا صغيرة؟” سكتت تاني. “عارفة جبت كام في الثانوية؟” مردتش. قلت وأنا بمسح دموعي: “إنتِ متعرفيش عني حاجة.”
بدأت تعيط. لكن المرة دي مكنتش متأثرة. لأني فجأة فهمت حاجة مهمة. الأمومة مش ولادة وبس. والأبوة مش دم وبس. الأبوة موقف. تضحية. وجود. التفت لأبويا محمود. وحضنته قدام كل الناس. وقلت بصوت عالي: “ده أبويا. ومش محتاجة أعرف أي حد غيره.” الناس اللي حوالينا بدأوا يسقفوا. وأبويا انفجر في البكاء لأول مرة في حياتي. أما سعاد… فوقفت شوية، وبعدين استدارت ومشيت بهدوء. بعد الحفل، رجعنا البيت. حطيت صورة التخرج الجديدة جنب الصورة القديمة. صورة محمود وهو عنده 17 سنة شايل طفلة رضيعة.
وصورة محمود بعد 18 سنة واقف جنبي وأنا باستلم شهادتي. الصورتين كان بينهم عمر كامل. لكن في الاتنين كان فيه نفس الشيء. أب حقيقي… وبنته. النهاية.
