
دخلت سارة الغرفة ببطء. كانت شاحبة. ضعيفة. وعيناها متورمتان من كثرة البكاء. وقفت عند الباب للحظات وكأنها لا تعرف هل يحق لها الاقتراب أم لا. أما أنا فظللت أحدق فيها. لأكثر من أربعين عامًا كنت أعتقد أنها ابنة عمي. وفجأة أصبحت أختي. أختي التي لم أعرفها. أختي التي عاشت عمرًا كاملًا بعيدًا عني. أختي التي كانت تتألم خلف باب غرفة رقم 8 بينما كنت أتهمها في قلبي بأبشع الاتهامات.
انهمرت الدموع من عينيها. وقالت بصوت مكسور: ـ سامحيني. هززت رأسي ببطء. ـ سامحك على إيه؟ بكت أكثر. ـ على كل حاجة. ـ إنتِ ما عملتيش حاجة. جلست على الكرسي القريب من السرير. وكان واضحًا أنها مرهقة جدًا. ثم قالت: ـ كنت عايزة أقولك الحقيقة ألف مرة. بس كنت بخاف. ـ من إيه؟ ـ من إني أخسرك. ساد الصمت بيننا.
ثم أكملت: ـ يوم ما عرفت إنك حامل بتوأم كنت أسعد واحدة في الدنيا. لأنك تستاهلي السعادة. وبعدين لما أنا كمان اكتشفت إني حامل بتوأم حسيت إن ربنا جمعنا بطريقة غريبة. ابتسمت ابتسامة حزينة. وقالت: ـ لكن ربنا كان كاتب حاجة تانية. وأجهشت بالبكاء. في تلك اللحظة فهمت أن ألمها لا يقل عن ألمي. هي أيضًا فقدت طفلًا. هي أيضًا دخلت العمليات. هي أيضًا خرجت بقلب مكسور.
اقتربت منها ومددت يدي. أمسكت يدها لأول مرة كأخت. وليس كابنة عم. وبكينا معًا. — مرت الأيام التالية ببطء. بدأت أتعافى تدريجيًا. لكن الحزن كان يرافقني في كل لحظة. كلما رأيت سرير الأطفال الفارغ في المنزل. كلما فتحت خزانة الملابس الصغيرة التي جهزتها للتوأم. كلما رأيت الجوارب الوردية التي اشتراها أحمد. كنت أنهار من جديد. وفي إحدى الليالي… استيقظت على صوت بكاء.
في البداية ظننت أنني أحلم. لكن الصوت استمر. بكاء طفل رضيع. جلست في سريري. ونظرت حولي. الصوت كان يأتي من الممر. فتحت الباب ببطء. فوجدت أحمد يقف هناك. يحمل طفلًا صغيرًا بين ذراعيه. تجمدت في مكاني. نظرت إلى الطفل. ثم إلى أحمد. ثم إلى الطفل مرة أخرى. همست: ـ ده مين؟ رفع رأسه نحوي. وكانت عيناه دامعتين. وقال:
ـ ابن سارة. اقتربت ببطء. كان صغيرًا جدًا. أصغر مما تخيلت. وجهه أحمر. وعيناه مغمضتان. وأنفاسه متقطعة. قال أحمد: ـ الأطباء سمحوا بخروجه النهارده. لكن سارة رجعت المستشفى تاني. شعرت بالقلق. ـ ليه؟ أجاب: ـ حصل لها نزيف شديد. والأطباء اضطروا يدخلوا العمليات. شعرت بقلبي ينقبض. بعد كل ما مرت به؟ بعد فقدان طفلها؟ وبعد وفاة زوجها؟
الآن هذا أيضًا؟ جلست على الأريكة وأنا أحدق في الرضيع. كان نائمًا بهدوء. ثم فجأة… أمسك إصبعي الصغير بيده. توقفت أنفاسي. في لحظة واحدة عاد كل شيء. ذكريات طفلتيّ. أحلامي. الأسماء التي اخترتها لهما. الغرفة التي جهزتها. الأغاني التي كنت أغنيها لهما قبل النوم. وانفجرت بالبكاء. — بعد يومين… جاء الطبيب. وكان وجهه جادًا. جلس أمامي وقال:
ـ لازم أتكلم معاكي بصراحة. شعرت بالخوف فورًا. ـ خير؟ تنهد. ثم قال: ـ أختك حالتها معقدة. سألت بسرعة: ـ يعني إيه؟ قال: ـ أثناء العملية اكتشفنا ورمًا خبيثًا متقدمًا. شعرت وكأن شخصًا صفعني بقوة. ـ إيه؟ أعاد الجملة. لكنني بالكاد كنت أسمع. ورم. سرطان. سارة. أختي التي اكتشفتها منذ أيام فقط. التي بدأت أعرفها أخيرًا.
التي كنت أحلم أن نعوض سنوات العمر الضائعة. قال الطبيب: ـ هنبدأ العلاج فورًا. لكن الطريق هيكون صعب. خرج الطبيب. وجلست وحدي. لا أصدق ما سمعته. وفي تلك الليلة… دخلت غرفة سارة. وجدتها مستيقظة. تنظر إلى السقف. وعندما رأتني ابتسمت. ابتسامة هادئة بشكل أخافني. وقالت: ـ أنا عرفت. جلست بجوارها. وأمسكت يدها. فقالت: ـ لو حصلي حاجة…
فيه طلب. صرخت فورًا: ـ ما تقوليش كده. ابتسمت بحزن. ـ اسمعيني بس. ثم نظرت في عيني مباشرة. وقالت: ـ أوعي تسيبي ابني. شعرت بدموعي تنهمر. لكنها أكملت: ـ هو كل اللي فاضلي في الدنيا. ولو أنا مشيت… خليه يعرف إني كنت بحبه. وخليه يعرف إن أمه ما سابتوش بإرادتها.
