
بعد ما الناس بدأت تمشي من القاعة، حسيت إن رجلي مش شيلاني.
كل التوتر اللي كنت حابساه من الصبح بدأ يطلع مرة واحدة. إيدي كانت بتترعش وأنا بمسح دموعي، وآدم كان واقف وسط أصحابه بيضحك ويتصور، لكن كل شوية يبص عليّا… كأنه لسه خايف أختفي.
نجلاء خبطتني بخفة في كتفي وقالت: “بصي له.”
بصيت.
كان واقف وسط الولاد، طويل ومبتسم وملامحه كلها ثقة. لكن أول ما عينه جت في عيني، رجع بقى نفس الطفل الصغير اللي كان يجري عليّا بعد المدرسة.
قالت نجلاء وهي بتمسح دموعها: “إنتِ ربيتي راجل يا مريم.”
ضحكت وسط عياطي: “لا…
الدنيا هي اللي ربّته بدري.”
لكن الحقيقة؟ إحنا الاتنين اتربينا سوا.
آدم لمحني واقفة، فاستأذن صحابه وجري ناحيتي. أول ما وصل حضنّي بقوة، لدرجة إن بوكيه الورد اتعصر بينا.
همس: “إنتِ زعلانة مني؟”
بعدته عني بسرعة وبصيتله بصدمة: “إنت اتجننت؟”
قال بتوتر حقيقي: “أنا بس… ماعرفتش أمسك نفسي.”
رفعت إيدي على وشه. نفس الوش اللي كنت بقيس حرارته وأنا مرعوبة من السخونية. نفس العينين اللي كانوا يبصوا ليا زمان ويسألوا: “هو إحنا فقراء أوي يا ماما؟”
قلت بصوت مبحوح: “عمري ما كنت فخورة بحد قدك.”
واضح إنه كان حابس نفسه بالعافية، لأن عينيه لمعت فورًا. لكن قبل ما يرد…
سمعنا صوت رامي.
“آدم.”
الهواء كله اتغير.
ابني شد جسمه تلقائيًا. وأنا قلبي انقبض.
رامي كان واقف على بعد خطوات، وإيده في جيبه، والناس ماشية حواليه كأنهم مش حاسين بالتوتر اللي واقف بينا.
لأول مرة من سنين… بان عليه الكِبر.
مش في السن. في الروح.
الشخص اللي كان دايمًا داخل أي مكان بثقة الراجل اللي الدنيا ماشية بأمره… كان واقف دلوقتي متردد.
بص لآدم وقال: “ممكن نتكلم؟”
آدم رد ببرود: “قول.”
رامي بص ناحيتي بسرعة، ثم رجع لابنه: “لوحدنا.”
لكن آدم ما اتحركش.
قال: “ماما تسمع أي حاجة تخصني.”
الجملة ضربت رامي بشكل واضح.
لثواني فضل ساكت، ثم زفر وقال: “اللي حصل جوه كان زيادة.”
نجلاء فتحت بقها، لكني مسكت إيدها بسرعة.
أما آدم… فضحك.
ضحكة قصيرة كلها عدم تصديق.
“زيادة؟”
رامي قال بنفاد صبر: “في ناس مهمة كانت موجودة.”
“وأمي مش مهمة؟”
“ماقولتش كده.”
“بس عملت كده.”
الصمت وقع علينا كلنا.
رامي بصلي لأول مرة بجد من ساعة ما وصلت. وقال: “أنا ماكنتش أعرف موضوع الكراسي.”
داليا كانت خارجة وقتها من باب المدرسة، وأول ما سمعت الجملة لفت بسرعة.
وشها اتشد.
لكن آدم سبقها: “يعني لو كنت تعرف… كنت هتعمل إيه؟”
رامي فتح بقّه… وقفله تاني.
وده كان الرد الحقيقي.
آدم هز رأسه ببطء، كأنه أخيرًا تأكد من حاجة كان بيحاول ينكرها سنين.
قال: “أنا طول عمري كنت بحاول ألاقي لك عذر.”
قلبي وجعني فورًا.
رامي اتوتر: “يعني إيه؟”
“يعني كل مرة ما تجيش… كنت أقول أكيد مشغول.” “كل مرة تنسى عيد ميلادي… أقول يمكن تعبان.” “كل مرة ماما تعيط وتقوللي بابا بيحبك بطريقته… كنت أصدق.”
صوت آدم بدأ يهتز.
“بس الحقيقة إنك كنت بتختار نفسك كل مرة.”
رامي بص حواليه بتوتر لأن في ناس بدأت تبطّأ خطواتها تسمع.
قال بعصبية مكتومة: “مش هنتحاسب في الشارع.”
لكن آدم قرب خطوة وقال: “إحنا أصلًا عمرنا ما اتحاسبنا.”
لأول مرة… شفت الندم الحقيقي في عين رامي.
بس المشكلة إن بعض أنواع الندم بتيجي متأخر أوي.
داليا قربت بسرعة وقالت وهي تحاول تمسك دراع رامي: “يلا يا حبيبي الناس بتبص.”
آدم بصلها نظرة باردة وقال: “حضرتك آخر واحدة تتكلمي عن الناس.”
وشها احمر فورًا.
قالت بعصبية: “أنا عمري ما أذيتك.”
رد من غير تردد: “إنتِ حاولتي تمحي أمي.”
الصمت نزل تاني.
حتى نجلاء سكتت.
لأن الجملة كانت أدق من أي صراخ.
داليا ضحكت بتوتر: “دي أفكار زرعتها والدتك في دماغك.”
هنا… آدم انفجر فعلًا.
“أمي عمرها ما قالت عنك كلمة وحشة!”
صوته كان عالي لدرجة إن كام شخص وقف بالكامل.
“ولا مرة!” “ولا مرة خلتني أكرهكم!” “حتى لما كنتوا بتاخدوني وتسافروا وتنسوني بالساعات!” “حتى لما كنت برجع ألاقيها صاحبة طول الليل علشان تدفع مصاريف المدرسة!”
أنا حسيت روحي بتطلع من جسمي.
لأن في حاجات الأم تخبيها وهي فاكرة إن ابنها ماخدش باله.
لكن الأطفال بيشوفوا كل حاجة.
حتى التعب اللي بنفتكر إننا خبيناه.
رامي قال بصوت أهدى: “إحنا غلطنا… بس مش للدرجة دي.”
آدم رد: “لا. للدرجة دي.”
ثم لف ناحيتي فجأة.
“عارفة أنا أول مرة كرهته إمتى؟”
اتجمدت.
همست: “آدم…”
لكنه كمل وهو باصصلي: “لما كنت عندي ١٢ سنة وصحيت بالليل.”
قلبي وقع.
“لقيتك نايمة على الأرض جنب الكنبة.” “والنور مفتوح.” “وإيدك ماسكة ورقة حسابات.”
حسيت دموعي نزلت فورًا.
كنت فاكرة إنه ماشافنيش الليلة دي.
لكن واضح إنه شاف.
قال: “وقتها سمعتك وإنتِ بتعيطي بصوت واطي.” “ولأول مرة فهمت إنك خايفة.”
صوته انكسر.
“ومن ساعتها وأنا وعدت نفسي… عمري ما هخلي حد يبصلك كأنك قليلة.”
ماقدرتش أتحمل أكتر.
حضنته بقوة.
وبكيت.
بكيت بشكل محرج وقديم ومكتوم من سنين.
بكيت على كل مرة كنت قوية غصب عني. كل مرة اشتغلت وأنا تعبانة. كل مرة كذبت عليه وقلت إني أكلت وأنا ماكنتش معايا فلوس غير لأكله هو.
آدم حضنّي كأنه هو اللي بيحميني المرة دي.
أما رامي… فكان واقف ساكت.
وشه كله انكسر.
وفجأة قال بصوت واطي: “أنا فعلًا كنت وحش.”
نجلاء ردت فورًا: “أخيرًا نطقتها.”
لكن الغريب؟ إني ماحسّتش بالانتصار.
لأن بعض الاعترافات بتيجي بعد ما القلب يبطل يستناها.
بعد شوية، صحاب آدم نادوا عليه للتصوير الجماعي.
مسح وشه بسرعة وقال: “هروح أتصور وراجع.”
ابتسمت: “روح يا حبيبي.”
لكن قبل ما يمشي، بص لرامي وقال: “لو عايز تكون موجود في حياتي بعد كده… يبقى تحترم أمي الأول.”
ثم مشي.
وسابنا إحنا التلاتة واقفين وسط صمت خانق.
داليا قالت أخيرًا بحدة: “إنت سيبتها تغسل دماغه.”
ضحكت. أول ضحكة حقيقية من الصبح.
قلت:
“لا يا داليا.” “الحياة هي اللي غسلتهالكوا.”
وشها اتشد بعصبية، وسحبت رامي ومشيت.
لكنه قبل ما يمشي… بصلي.
النظرة دي كانت مليانة حاجة غريبة. ندم؟ خسارة؟ ولا استيعاب متأخر إنه فرّط في عيلة كاملة؟
ماعرفتش.
ولا عاد يفرق.
في الليل… رجعنا البيت أنا وآدم ونجلاء.
الشقة الصغيرة اللي عشنا فيها سنين كانت مليانة ورد وبالونات وصور.
نجلاء كانت عاملة مفاجأة. علّقت صور آدم من وهو صغير.
صورته وهو بسن مخلوع. صورته باليونيفورم الكبير عليه. صورته وهو نايم على الكتب.
أول ما شافهم ضحك وقال: “يا نهار أبيض…
امسحي صورة شعري فيها عامل زي البتنجانة دي.”
نجلاء قالت بفخر: “دي أحلى صورة.”
ضحكنا كلنا.
ولأول مرة من سنين طويلة… حسيت إن البيت مرتاح.
بعد ما نجلاء مشيت، كنت بجمع الأكواب من على السفرة، لقيت آدم واقف في المطبخ ساكت.
قلت: “مالك؟”
قال بعد تردد: “أنا آسف.”
اتصدمت: “على إيه؟”
“إني فضحتهم.”
سندت على الرخامة وبصيتله.
“إنت عملت اللي حسيت إنه صح.”
“بس يمكن جرحت بابا.”
الكلمة وجعتني رغم كل حاجة.
لأن ابني… رغم كل الخذلان… لسه قلبه نضيف.
قلت بهدوء: “الإنسان ممكن يحب حد…
ويكون موجوع منه في نفس الوقت.”
سكت شوية. ثم قال: “أنا كنت دايمًا مستنيه يختارك.”
الكلام دخل في قلبي كسكينة.
“يعني إيه؟”
“يعني كل مرة كان بينادي عليّا وأسافر معاه… كنت مستني يقول: خدوا مريم معانا.” “كل عيد… كل مناسبة… كل نجاح.”
دموعي نزلت تاني.
“بس عمره ما عملها.”
قربت منه بسرعة ومسكته من وشه.
قلت بحزم: “بصلي.” “إنت مش مسؤول عن اختيارات أبوك.”
صوته واطي: “بس كنت عايزك تتعوضي.”
ابتسمت رغم دموعي.
“أنا اتعوضت.” “من يوم ما بقيت أمك.”
سكت. ثم حضنّي تاني.
ولأول مرة…
حسيت إن ابني ما بقاش الطفل اللي بخاف عليه.
بقى الراجل اللي الحياة ربّته على عيني.
بعد أسبوعين… آدم جاله جواب رسمي.
منحة كاملة.
جامعة خاصة كبيرة.
كان بيجري في الشقة وهو بيصرخ: “اتقبلت! اتقبلت!”
حضنته وأنا بضحك وأعيط.
لكن بعدها سكت فجأة.
قال: “المصاريف الجانبية كبيرة.”
كنت عارفة.
كنت حاسبة كل حاجة من قبل حتى ما النتيجة تطلع.
قلت بسرعة: “هنتصرف.”
لكنه بصلي النظرة اللي كنت ببصها أنا لنفسي زمان قدام المراية.
نظرة حد تعب من إنه يشوف أمه تتكسر علشانه.
قال: “مش عايزك تتعبي أكتر.”
ابتسمت: “وأنا مش عايزاك تقلق.”
في نفس الليلة… رن جرس الباب.
فتحت.
واتجمدت.
رامي.
واقف لوحده.
من غير بدلة. من غير ثقة زيادة. من غير داليا.
وفي إيده ملف.
قال بهدوء: “ممكن أدخل؟”
بصيتله ثواني طويلة.
ثم فتحت الباب.
دخل ببطء، كأنه غريب داخل بيت حد لأول مرة.
وعينه كانت بتلف على المكان.
على الكنبة القديمة. الصور. المكتبة الصغيرة.
واضح إنه لأول مرة يشوف الحياة اللي ربّينا فيها ابنه فعلًا.
قعد بصمت. ثم حط الملف على الترابيزة.
وقال: “دي حساب للجامعة.” “وأول سنة مدفوعة كاملة.”
أنا اتجمدت.
آدم اللي كان خارج من أوضته وقف مكانه بصدمة: “إيه ده؟”
رامي بلع ريقه وقال: “حقك.”
آدم ما اتحركش.
قال ببرود: “متأخر.”
رامي هز رأسه بألم: “عارف.”
ثم بصلي.
“أنا ضيعت سنين.” “بس لو لسه في فرصة أصلح حاجة… حتى حاجة صغيرة… أنا عايز أحاول.”
الصمت فضل واقف بينا طويل.
وأنا ببص للرجل اللي زمان حبيته… وفجأة حسيت إني ماعدتش أعرفه.
ولا بكرهه.
ولا بحبه.
بس شخص بعيد.
شخص كان ممكن يبقى عيلة… واختار ما يكونش.
لكن وسط كل ده…
كان في حاجة واحدة واضحة جدًا.
إني ماعدتش الست اللي بتترجى مكانها.
لأن ابني… قام الدنيا كلها علشاني.
يتبع
